; هل دولة الإسلام هي الحل؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل دولة الإسلام هي الحل؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الجمعة 30-ديسمبر-2011

مشاهدات 95

نشر في العدد 1982

نشر في الصفحة 39

الجمعة 30-ديسمبر-2011

أعجب كثيرا من أولئك الذين قالوا: ليس في الإسلام دولة فأقول: كيف يتصور عاقل أن الدولة الإسلامية ظلت أربعة عشر قرنا من الزمان تموج في الحياة لا تحدها شطان، أو يقودها ربان، وأن الحضارة الإسلامية التي علمت الإنسانية وانتشلتها من جهالة ضاربة أطنابها في كل بقاع الأرض وهم من الأوهام، حيث كانت الشعوب لا تعرف عدالة أو شورى أو حياة إنسانية، أو حقوقا بشرية، فجاء الإسلام رسالة شاملة جامعة عادلة رحيمة سامية تدعو إلى العلم وتحترم العقول؟!

يقوم على هذه المنظومة أمام حاكم له مواصفات عظيمة يستطيع بها تصريف الأمور وضبط التعاليم وتنفيذ تعاليم الرسالة، يقول الإمام الماوردي: فأما أهل الإمامة فالشروط المعتبرة فيهم سبعة : أحدها: العدالة على شروطها الجامعة، والثاني: العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام، والثالث: سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان ليصح معها مباشرة ما يدرك بها، والرابع: سلامة الأعضاء من نقص يمنع عن استيفاء الحركة وسرعة النهوض، والخامس: الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح، والسادس: الشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو والسابع النسب وهو أن يكون من قريش وهذا مختلف فيه ولا اعتبار له اليوم، ويستحسن في الخليفة أن يكون قوياً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (القصص: 26). 

وقال صاحب مصر ليوسف عليه السلام: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ (يوسف: 54)، وقال تعالى في صفة جبريل : ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ (التكوير: 19-21)، فوصف الله جبريل بالقوة والأمانة وهما صفتان لا تجتمعان إلا في أحاد الناس وكما قال الرسول ﷺ: المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، فإن شؤون الدولة وتنفيذ احكام الشريعة الإسلامية تستدعي ان يكون الخليفة متحليا بصفة القوة. 

والخلافة بالذات هي الأمانة والمسؤولية الكبرى التي تقتضي بأن يلتزم الخليفة بالأمانة في جميع أمور الدولة، أن يكون عدلا ، فإن العدل من الحكام هو أحد الخطوط الأساسية الكبيرة التي يقوم عليها نظام الحكم في  الإسلام وذلك بعد الاعتراف بقاعدة الألوهية الواحدة والحاكمية الواحدة، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: 90)، ﴿فَلَذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابِ وَأُمِرْتُ لَأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ (الشورى: ١٥) ، هذا، وكانت الأمة تراقب الخليفة إذا اعوج، وترشده إذا حاد عن الجادة وتعزله إذا كان يستحق ذلك، ولهذا قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين ولي الخلافة أما بعد أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، فأين إذن الثيوقراطية التي يتحدثون عنها؟! 

هذا، وقد سارت الأمة الإسلامية بنظام فريد في زمن كانت الجهالة ضاربة أطنابها في كل بقاع الأرض، وكانت الشعوب لا تعرف العدالة أو الشورى ولا الحياة الإنسانية، فجاء الإسلام رسالة شاملة جامعة لا فصل فيها بين الدين والسياسة، أو الدنيا والأخرة، واستمر هذا النظام الفريد يحكم الأمة الإسلامية حوالي ١٣٠٠ عام وعلم الدنيا كيف تكون العدالة والرحمة والإنصاف، وأسس حضارة سامية تدعو إلى العلم وتحترم العقل.

ولهذا يقول لبويلد فايس» المستشرق المسلم: إن ما يظهر أنه انحلال في الإسلام ليس في الحقيقة إلا موتا وخلاء يحلان في قلوبنا التي تبلغ من خمولها وكسلها أنها لا تستمع إلى الصوت الأزلي، ثم ليس ثمة علامة ظاهرة تدل على أن الإنسانية مع نموها الحاضر قد استطاعت أن تشب عن الإسلام، بل إنها لم تستطع أن تخلق نظاما خلقيا على أساس علمي كما استطاع الإسلام أن يفعل حينما أتى بفكرة القومية العليا: الأمة إنها لم تستطع أن تشيد صرحا اجتماعيا يتضاءل التصادم والاحتكاك بين أهله فعلا على مثال ما تم في النظام الاجتماعي في الإسلام، إنها لم تستطع أن ترفع قدر الإنسان، ولا تزيد في شعوره بالأمن، ولا في رجائه الروحي ولا سعادته. ففي جميع هذه الأمور نرى الجنس البشري في كل ما وصل إليه، مقصراً كثيرا عما تضمنه المنهج الإسلامي.. فأينما يبرر القول إذن بأن الإسلام قد ذهبت أيامه ؟ أذلك لأن أسسه دينية خالصة، والاتجاه الديني غير شائع اليوم؟ ولكن إذا رأينا نظاماً بني على الدين، قد استطاع أن يقدم منهاجاً عملياً للحياة أتم وأمتن وأصلح للمزاج النفساني في الإنسان، من كل شيء آخر يمكن العقل البشري أن يأتي به عن طريق الإصلاح والاقتراح.. أفلا يكون هذا حجة بالغةفي ميدان الاستشراف الديني؟

لقد تأيد الإسلام – ولدينا جميع الأدلة على ذلك – بما وصل إليه الإنسان من أنواع الإنتاج الإنساني، لأن الإسلام كشف عنها، وأشار إليها على أنها مستحبة، قبل أن يصل إليها الناس بزمن طويل. 

ولقد تأيد أيضاً – على السواء – بما وقع في أثناء التطور الإنساني من قصور وأخطاء وعثرات، لأنه كان قد رفع الصوت عاليا واضحا بالتحذير منها، من قبل أن تتحقق البشرية أن هذه أخطاء.. وإذا صرفنا النظر عن الاعتقاد الديني نجد – من وجهة نظر عقلية محضة - كل تشويق إلى أن نتبع الهدي الإسلامي، بصورة عملية، وبثقة تامة.

فإذا اعتبرنا ثقافتنا ومدنيتنا من هذه الناحية ضرورة إلى نتيجة واحدة، هي أن إحياء هما ممكن، نحن لا نحتاج إلى فرض إصلاح على الإسلام كما يظن بعض المسلمين، لأن الإسلام كامل بنفسه من قبل، أما الذي نحتاج إليه فعلا فإنما هو إصلاح موقعنا من الإسلام بمعالجة كسلنا وغرورنا وقصر نظرنا ومساوئنا نحن وخاصة بإغفال شبابنا وضياع عزمه الصاعد. 

وهذا هو الإسلام الذي يؤمن به «الإخوان المسلمون» يجعل الحكومة ركنا من أركانه ويعتمد على التنفيذ، كما يعتمد على الإرشاد وقديما قال الخليفة الثالث راه : «إنا الله ليزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن»، وقد جعل النبي ﷺ الحكم عروة من عرى الإسلام.

وقد يكون مفهوما أن يقنع المصلحون الإسلاميون برتبة الوعظ والإرشاد إذا وجدوا من أهل التنفيذ إصغاء لأوامر الله وتنفيذا لأحكامه، وإيصالاً لآياته وأحاديث نبيه ، وأما والحال كما نرى التشريع الإسلامي في واد والتشريع الفعلي في واد آخر، فإن قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم خطيئة إسلامية لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا الحنيف، هذا والإسلام هوا يدينون بأحكام الإسلام التاج الذي يوضع على جبين الأمة، فهل يعرف الساهون عن هذه الحقيقة؟ نسأل الله ذلك.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

176

الثلاثاء 24-مارس-1970

الرياضة كما نفهمها

نشر في العدد 114

78

الثلاثاء 22-أغسطس-1972

الشباب(114)