العنوان من الحياة.. أولادنا والإعلام
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 24-أبريل-2010
مشاهدات 85
نشر في العدد 1899
نشر في الصفحة 54
السبت 24-أبريل-2010
رأت ياسمين أختها الصغيرة سارة تتسلل من غرفتها في الصباح الباكر، فتابعت سارة أختها، فإذا بها تفتح باب الشقة، وتصعد إلى سطح البيت وفي يدها مظلة اليد، التي تحمي الإنسان من الشتاء وحرارة الجو.
صعدت ياسمين سطح المنزل لتطمئن على أختها الصغيرة - التي لم تتجاوز خمس سنوات فلما لحقت بها سألتها عن سبب ارتقائها سطح البيت في هذا الوقت، ففوجئت برد أختها الصغيرة: أريد أن أقلد بطلة الفيلم الذي شاهدته أمس، وهي تقفز بالمظلة من مكان مرتفع !!
صعقت ياسمين من وقع كلام أختها، وخشيت أن تهرول لإنقاذ أختها سارة فتبادر الأخيرة بالقفز، فاستخدمت حكمتها وقالت لسارة: إذن فلنجرب أولًا، ما رأيك تعلق مظلة اليد في التلفاز ونلقي به من سطح البيت إلى الأرض ثم ننتظر ماذا سيحدث للتلفاز؛ فإذا نزل سليمًا سمحت لك بالقفز بالمظلة، وإن تكسر امتنعت عن القفز فحياتك عندنا غالية. فوافقت سارة، وألقت ياسمين بالتلفاز بعد أن علقت به المظلة، فإذا به يتكسر، وتتناثر أجزاؤه في أرجاء المكان.
لعلك - عزيزي القارئ - أدركت رسالتي إن الذي همت سارة أن تفعله هو تأثير سلبي للإعلام، فإذا علمنا أن وسائل الإعلام وخاصة التلفاز تشكل - حسب الدراسات العلمية – الجانب الأكبر في ثقافة أولادنا لأدركنا حجم الخطورة فلقد أظهر إحصاء أجراه المكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية في العاصمة السعودية الرياض، أن ٩٦% من ثقافة المملكة العربية السعودية - مثلًا - تؤخذ من التلفاز قبل المدرسة لا شك أن لوسائل الإعلام إيجابيات ومزايا وليست كلها شرًا، فمن خلالها يستقي أولادنا الأخبار والمعلومات والمعارف، ومن خلالها نتعلم تلاوة القرآن باستخدام التقنيات الحديثة، كما أنها تعد من أهم روافد الثقافة الشرعية وثقافات الأمة، وكذلك فإن الاطلاع على الصحف يعرف أولادنا بوطنهم، ومشكلات البيئة والمجتمع، ومن ثم يؤدي إلى تنمية الانتماء للوطن، والوعي البيئي والاجتماعي.
الآثار السلبية للإعلام
لا شك أن لوسائل الإعلام الهدامة تأثيرات سلبية أهمها :
1 - انتشار الجريمة
فقد أشارت الدراسات العلمية المتخصصة إلى أن الأطفال والشباب يقلدون المجرمين، ومن ثم فقد فتحت وسائل الإعلام أمام الأطفال آفاقًا للعنف اللفظي والسلوكي، فقد نشرت جريدة «الشرق الأوسط» في العدد (٧٣٠٤) دراسة أكد فيها باحثون أمريكيون من جامعة «ستانفورد»، بأن طلبة المرحلة الثانوية الذين يكثرون من مشاهدة أفلام العنف التي يعرضها التلفاز هم أكثر عرضة من غيرهم للجريمة وإدمان المشروبات الكحولية.
ويقول «د. توماس روبنسون» - رئيس الفريق العلمي الذي أجرى هذه الدراسة إن كل ساعة إضافية يقضيها الفتى وهو يشاهد الأفلام الموسيقية الصاخبة، أو أفلام العنف تزيد من احتمالات إدمانه المشروبات الكحولية في العامين التاليين بنسبة 31%!!
٢ - الاختلاط غير المنضبط بالحيوانات:
فثمة حيوانات تضر بالإنسان كالكلاب والخنازير وغيرها، بل أدت أفلام الكرتون والمسلسلات إلى تألف الأطفال وهذه الحيوانات واعتبارها أصدقاء كالبشر، بل ربما أكثر ألفة وحبًا.
3- تضخيم النزوات والشهوات لدى الشباب والفتيات:
فعندما يشاهد أولادنا الأفلام الهابطة والمسلسلات الساقطة التي تبث علاقات غير شرعية بين الشاب والفتاة، وإظهار الممثلين والممثلات في ظمأ غريزي، كل همهم إرواء غرائزهم وشهواتهم.. فإن ذلك يحرك شهوات الشباب.
٤ - اضطراب القيم واختلال ميزان الأخلاق:
سألني طفل من أقاربي ذات يوم: ما الصواب؟ وما الخطأ؟: ندرس في التربية الإسلامية أن اختلاط الشباب بالبنات دون ضوابط شرعية إنما هو خطأ نهى عنه الشرع، بينما أشاهد في الأفلام والمسلسلات- الآباء والأمهات لا يعترضون على اختلاط ابنهم بصديقته، بل قد يخرجان معًا، ويأتيها زائرًا أو العكس، ويدرسان في غرفة واحدة تغلق عليهما !!
5 - تشويه صورة المتدينين:
وأوضحت الإحصائية أن للرسوم المتحركة والأفلام المدبلجة تأثيرها البالغ في الصغار منها زعزعة العقيدة الإسلامية لدى أطفالنا وتشويه صورة المتدينين، فغالبًا ما تظهر الأفلام والمسلسلات الأئمة والمتدينين والملتحين في صورة سلبية، ناهيك عن نشر الرسوم المتحركة للتبرج والغزل.
6- تقمص الشخصيات المنحرفة:
فمعلوم أن الأطفال شغوفون بالتقليد والمحاكاة، ما يرونه أو يسمعونه يقلدونه، بل يرددون ما يسمعونه من إعلانات في وسائل الإعلام، ويقلدونه حركة ونطقًا.
ومما يقلدونه أيضًا التدخين، والمقامرة بالمال، ومحاكاة المناظر الجنسية، فمنذ سنوات عرضت على كاتب هذا المقال مشكلة طفلين في الروضة كانت أسرة أحدهما ملتزمة بدينها، وكانت الأم غاية في القلق، وكان عمر كل من الطفلين لم يتجاوز أربع سنوات، وشاهدتهما المعلمة داخل صندوق زجاجي كبير.. ومعلوم أن الطفل في هذه السن لا تتحرك داخله شهوة، وأن السبب هو تقليد أحدهما لمنظر شاهده على إحدى الفضائيات.
7-تمرد الأولاد على الأمهات والآباء:
فكثير من الأولاد يقعون أسرى لأساليب التمرد التي يمارسها غيرهم في الأفلام والمسلسلات والـبـرامـج، بل تسمع كثيرًا منهم ينادون آباءهم بأسمائهم مجردة، وهذا سوء أدب مع الآباء. ولرب سائل يسألني: لقد تحدثت عن وسائل الإعلام بين المنافع والأضرار، فكيف نحمي أولادنا من أضرار وسائل الإعلام؟
هذا ما سأتناوله في المقال القادم بإذن الله تعالى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل