; الراحل العزيز.. حالة ما بعد اليقين | مجلة المجتمع

العنوان الراحل العزيز.. حالة ما بعد اليقين

الكاتب إبراهيم منير

تاريخ النشر السبت 16-سبتمبر-2006

مشاهدات 66

نشر في العدد 1719

نشر في الصفحة 17

السبت 16-سبتمبر-2006

بقلم: إبراهيم منير 

 رئيس المركز الإعلامي للإخوان المسلمين - لندن

نبكي ويبكي غيرنا، ونكتب ويكتب أمثالنا عن الراحل العزيز، أستاذًا وأبًا وشيخًا وأخًا وصديقًا، ليس من باب الإنصاف، وليس من باب الرثاء الحبيب تعلقت به قلوب من أحبه في الله عز وجل، وإنما من واجب من يحمل على كتفيه أمانة الوفاء لعبد من عباد الله.

مثلت رحلة عمره في هذا الزمان قدوة للناس الذين عاش مثلهم، يسعى بينهم ويعيش أسواقهم، ويرتاد مساجدهم، يشاركهم أتراحهم وأفراحهم، يحمل هم قومه ويخوض معاركهم، منشغلًا بأمته متصديًا لأزماتها، خافضًا جناحه للمؤمنين، يسع الخلق بروحه قبل أن يسعهم بما أفاء الله عليه من رزق، وفيًا لعهوده، وفيًا لمعارفه وأصدقائه، وإخوانه في الله ومن عمل معه، بارًا برحمه دائم الترحم على والديه، لا يدعي العصمة، مترفعًا عن الشبهات، غاضًا بصره، حافظًا لسانه، شاكرًا لنعم الله عليه، صابرًا على ما ابتلاه الله سبحانه به من بلاء.. حتى إذا ووري جثمانه التراب أدرك الجميع قيمة غيابه.. سهلًا ممتنعًا.. غاية ما يمكن أن يقال فيه أنه بشر وأنه من أتباع سيد الخلق كلهم محمد صلى الله عليه وسلم.

نكتب عن الأخ الحبيب «أبو بدر» يرحمه الله رحمة واسعة بما علمناه عنه كبشر، ونشهد أمام الله سبحانه بما أدركته أسماعنا وأبصارنا أنه كان عبدًا صالحًا، وإذا كانت الكتابة أو شهادات الخلق التي تتلمس مأثر الفقيد الراحل لتطلب الرحمة له من الله بها، فإنه وحده الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور الذي يجازي الحسنة بأضعاف أمثالها بجوده وفضله وكرمه، وبعد أن غاب عن دنيانا فإن من حق الناس على من تعرف على هذا الرجل أن يسوق إليهم ما رأه منه وما علمه عنه وكيف صاغته عبادة الله وخشيته لتجعله نموذجًا وحجة على غيره تحتاجها الإنسانية في زماننا وكل زمان ومكان لتتجدد رسالة الإسلام وتتجسد تعاليمه حية نابضة بروح قرآنية لا تتجاوز المرتبة البشرية التي يستطيعها الجميع، ولكن بشرط المجاهدة التي يتذوق فيها المؤمن حلاوة الإيمان.

صفة ربانية وهبه الله إياها من بين صفاته التي شكلت جوانب شخصيته في حياتنا الدنيا، هذه الصفة التي شعرت أنها بارزة فيه هي تعامله مع الغيب تعاملًا يتجاوز اليقين به إلى حد التعامل المعاش والذي يلمسه بجوارحه ويمسكه بيديه ويراه بعينيه، لا يعتريه شك ولا يضل معه اليقين، وحوادث كثيرة ومواقف عديدة كان يقف فيها أمام خيارات متعددة كتاجر وإنسان وداعية وسياسي ورب أسرة وفرد في عائلة، وما أحسب أنه بذل وقتًا للتفكير بأي الخيارات يأخذ إذا كان الأمر متعلقًا بشؤون المال، وهي أكثر نقاط أصحابه ضعفًا، فيقف أمام الحلال البين الذي لا شبهة فيه وبين أمر آخر فيه شبهة أو غموض، أو نقص في إجماع المجتهدين، فلم يكن خياره يرحمه الله إلا الالتزام بالحلال الواضح البين حتى ولو كانت فيه احتمالات الخطر التي لا تأتي في يقينه بغير قدر الله الذي يرضى به ولا يضيق، وتتعدد الأمثلة والمواقف وتتكرر الحوادث ويتأكد له في كل مرة أنه هو الرابع طاعة لله أولًا ثم ماديًا في عمله وتجارته حتى أصبح سلوكه ونهجه يقينًا بصحة خياراته التي يستحضر فيها مشاهداته للإرادة الربانية، يعيش في داخلها وتلتزم بها رغباته وحركاته وسكناته، فيعيد تذكير المسلمين بواقعة حدثت في عهد النبوة عندما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أحد أصحابه رضوان الله عليهم جميعًا وعلى فقيدنا الراحل، فسأله رسول الله سؤال المعلم «كيف أصبحت؟» فرد الصحابي الذي تملؤه ربانية العبد المؤمن: «أصبحت مؤمنًا حقًا» فسأله الرسول: «وما علامة إيمانك؟» منطق الإيمان على لسان العبد الصالح «أصبحت وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا، وأنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها وإلى أهل النار يتضاغون فيها» فجاء فورًا التوجيه الرباني على لسان نبيه الهادي بهدى السماء والمرشد إلى هذا الدين «عرفت فالزم».

سلسلة ذهبية من العارفين بالله لن تخلو منها الأرض بإذنه سبحانه إلى قيام الساعة نحسب أن فقيدنا الراحل ولا نزكي على الله أحدًا.. حلقة من حلقات هذه السلسلة الكريمة رفعه ثبات اليقين بخالقه عز وجل وبشرعه وأحكامه إلى درجات معرفة توصل العبد إلى حال مشاهدة دون ابتداع واجتهاد في عبادته وتنفيذًا لما علمه عن صحيح الدين في حدود ما أمر، وتزكية للنفس في حدود ما شرع، وتعاملًا في الحياة ومتاع الدنيا كثر أو قل في حدود ما فرض.

درجات لا ينالها إلا العارفون الذين يتزودون بزاد الطريق الطويل الذي يبدأ حين يخمد الجسد وتنطفئ الشهوات وتعود نفخة الروح إلى بارئها وتنبئ وقع أقدام الناس وهم منصرفون عن القبر إلى دنياهم أنه لم يبق مع الحبيب الغالي من أمثال فقيدنا الذي كانت نفوس الآلاف ممن عرفوه على استعداد لفدائه لو كان في قدر الله عز وجل أن يرد الموت بذلك عن أحد من خلقه... ينبئ وقع هذه الأقدام أنه لم يعد معه تحت التراب إلا عمله وما استزاد به استعدادًا ليوم الحساب.

أبا بدر... أيها الحبيب الغالي ابتلاك الله في الدنيا بالجاه فأديت حقه نصرة لمن لاذ بك من الضعفاء والمظلومين، وابتلاك بالمال فما ملك قلبك وما تجاوز يديك المبسوطتين، وابتلاك بإغراءات الزيادة فيه فما غرك الشيطان وما تجاوزت حرمات الله البينات وما وقعت في الشبهات، وابتلاك بفقدان الأحبة والولد بدر ومحمد «ولديه رحمهما الله» فما تجاوز قولك: إنا لله وإنا إليه راجعون، وابتلاك بالمرض فكنت صابرًا شاكرًا، وابتلاك بأقصى ما يمكن أن يبتلي الله به إنسان مسلم وهو انشغال في الحياة الدنيا - وكلها فيما أباحه الله لعباده - فما قصرت في نسكك وما ثقلت قدماك عن بيوت الله وما توانيت عن المشاركة في أي عمل تدعى إليه لنصرة دين الله، عشت بين الناس كواحد منهم وكنت ذليلًا على المؤمنين عزيزًا على مخالفي شرع الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وكنت معلمًا ومعلمًا ومجددًا لجيل الصحابة والصالحين لتكون حجة على الناس والمقصرين من أمثالنا.

فاللهم ارحمه برحمتك، وتجاوز عن سيئاته، ووسع مدخله واجعل قبره روضة من رياض الجنة، وغسله بالثلج والماء والبرد، واخلفه في أهله وفينا خيرًا، واجمعنا به في الآخرة مع النبيين والشهداء والصالحين، ولا تجعل ما قلناه عنه حجة عليه بل حجة له، واقبل اللهم شهادتنا وشهادات الخلق فيه يا أرحم الراحمين... اللهم آمين.. اللهم أمين.. اللهم آمين.

الرابط المختصر :