العنوان حقيقة المواقف السوفييتية من القضية الفلسطينية
الكاتب عبد المجيد العوضي
تاريخ النشر الثلاثاء 06-يوليو-1982
مشاهدات 61
نشر في العدد 578
نشر في الصفحة 23
الثلاثاء 06-يوليو-1982
● موسكو هاجمت «فتح» في بداية نشأتها لأن رجالها مدفوعون بمشاعر دينية.
● مصالح الاتحاد السوفييتي هي المحرك الأساسي لتعامله مع القضيةالفلسطينية.
● الاتحاد السوفييتي صوت إلى جانب قرار التقسيم عام ١٩٤٧ واعترف بإسرائيل عام ١٩٤٨.
● الاتحاد السوفييتي يتفق مع الولايات المتحدة في طرح مشاريع التسوية والتعايش السلمي بين اليهود والفلسطينيين.
● الغزو اليهودي الأخير يكشف حقيقة الموقف السوفييتي من الفلسطينيين.
كشف الغزو اليهودي لأرض لبنان بهدف تصفية الفلسطينيين من مقاتلين ومدنيين حقيقة ما يدبر للقضية الفلسطينية من مؤامرة كبرى عليها، وكان أحد عناصر تلك المؤامرة هو الاتحاد السوفييتي، ومع أن مواقف الاتحاد السوفييتي ومنظومته الاشتراكية العالمية من القضية الفلسطينية مفضوحة ودورها واضح إلا أنه يجب تسليط الضوء أكثر على حقيقة الدور السوفييتي في اللعب بالقضية الفلسطينية حسبما يشاء وفقًا لمصالحه.
● مؤامرة قديمة
كان الاتحاد السوفييتي هو الداعم الأساسي في بناء دولة إسرائيل التي اغتصبت أرض الفلسطينيين، فنحن لا ننسى أن الاتحاد السوفييتي صوّت إلى جانب قرار الأمم المتحدة رقم ٢٤٢ القاضي بتقسيم فلسطين بين اليهود والفلسطينيين عام ١٩٤٧، وتبعه بعد ذلك الاعتراف بدولة إسرائيل عام ١٩٤٨، ولم يقتصر الأمر على ذلك بل ساهم الاتحاد السوفييتي ببناء دولة إسرائيل ومدها بالطاقات البشرية، حيث فتح باب الهجرة الواسعة لليهود السوفييت إلى إسرائيل.
وكانت هذه هي السياسة السوفييتية تجاه القضية الفلسطينية من مهدها، واستمرت هذه السياسة حتى نشأت أول حركة للمقاومة الفلسطينية ممثلة بحركة «فتح» سنة ١٩٦٥، وكانت النشأة الثورية لحركة فتح ذات طابع إسلامي حيث أصدرت بيانها العسكري الأول مبدوءًا بعبارة «اتكالًا منا على الله وإيمانًا منا بالجهاد المقدس..» فكان رد الفعل السوفييتي هو مهاجمة تلك الحركة الثورية واتجاهها الإسلامي وأنهم مجموعة من الإخوان المسلمين، وقد أشار إلى ذلك ياسر عرفات في كتابه «مع فتح والفدائيين ص ٢٢»: «إن السوفييت يقولون عنا إننا متهورون مهووسون و مدفوعون بمشاعر دينية الجذور»، وفي ص ٤٨: «أعرف أن كثيرين يقولون علينا و يزعمون أن ما لقينا كلها إنما تأتي من «الرجعية العربية» لأننا- على حد زعمهم- إخوان مسلمون»،إلى أن قام ياسر عرفات بزيارة سرية للاتحاد السوفييتي عام ١٩٦٨، والتي رتبها جمال عبد الناصر الرئيس المصري وقتذاك، وأكد فيها عرفات للمسؤولين السوفييت أن حركته مناهضة للإمبريالية والصهيونية وأنه ليس من الإخوان المسلمين!
● العلاقات الدبلوماسية
وحاول الاتحاد السوفييتي ومنظومته الاشتراكية الدخول إلى الشرق الأوسط، عن طريق رفع لافتة تأييد الدول العربية ومناهضة إسرائيل؛ لكسب العرب إلى صفه، فقطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل في أعقاب هزيمة ٦٧ وكان الغرض من ذلك هو إيجاد السبل التي تتيح للسوفييت مشاركة الولايات المتحدة في تحقيق المصالح من هذه المنطقة الحيوية، فقد كتب «حاييم هيرتزوغ»- عضو الكنيست الإسرائيلي والمندوب السابق لإسرائيل في الأمم المتحدة- مقالًا في الجيروزالم بوست يوضح حقيقة العلاقات بين موسكو وتل أبيب فقال: «إنه كلما تقاربت العلاقات الإسرائيلية الأمريكية وتوثقت زادت المصلحة من جانب السوفييت في تحسن العلاقات مع إسرائيل»، ففي يناير ١٩٥٣ قطع الاتحاد السوفييتي علاقاته الدبلوماسية مع إسرائيل بسبب مهاجمة السفارة الروسية في تل أبيب، وبعد ذلك- وبصورة فورية تقريبًا- استؤنفت هذه العلاقات. ومرة أخرى بعد حرب حزيران عام ١٩٦٧ رغم قطع العلاقات الدبلوماسية وهي خطوة اعترف المسؤولون السوفييت بأنها كانت غلطة كبرى من جانبهم، لوحظ تحسن في العلاقات مع الاتحاد السوفييتي، وبالفعل فقد شهدت هذه الفترة أول موجة هجرة رئيسية لليهود من الاتحاد السوفييتي، وحتى بعد زيارة السادات للقدس عام 1977». وهكذا يتضح أن المواقف السوفييتية من إسرائيل لا تتحرك إلا من واقع مصالحها في منطقة الشرق الأوسط.
● استكمال المؤامرة
وجد السوفييت أن سبيل دخولهم إلى المنطقة الحيوية من الشرق الأوسط للبحث عن المصالح هو تقديم الدعم المشروط للقضية الفلسطينية، وهي القضية المركزية الأولى لشعوب المنطقة، عن طريق بيع الأسلحة السوفييتية التي وجدت لها في المنطقة العربية سوقًا رائجة؛ لتحصيل العملات الصعبة التي يحتاجها الاقتصاد السوفييتي المتدهور على مر السنين، وقد انخدع بعض قادة حركة المقاومة الفلسطينية وساروا في ركب السوفييت وطالبوهم بالدعم العسكري والسياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، فقدم الاتحاد السوفييتي بعض الدعم العسكري والسياسي، وضغط على منظمة التحرير الفلسطينية للاعتراف أولًا بإسرائيل وحق جميع دول المنطقة في العيش بسلام، ففي الاجتماعات السرية بين غروميكو وزير الخارجية السوفييتي وبين الوفد الفلسطيني الزائر برئاسة ياسر عرفات في شهر إبريل عام ۱۹۷٧ألح غروميكو على الوفد الفلسطيني، وطالبه بمسألة الاعتراف الفلسطيني بإسرائيل، كما ألمح إلى قرب استئناف العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل.
واندفع السوفييت بالاتفاق مع الولايات المتحدة إلى إرساء مشروع التسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين؛ مما يعني إقرار الغاصب على ما اغتصب، وحاولوا أن يشركوا الفلسطينيين في مؤتمر جنيف الداعي للتعايش السلمي بين الفلسطينيين واليهود، فأخذ السوفييت حصتهم من مشاريع التسوية في الشرق الأوسط التي رفضها الشعب الفلسطيني المسلم بكل أشكالها، فتبنى السوفييت مشروع قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على أية أرض من فلسطين ولو كانت صغيرة، واقترح بريجينيف مشروعًا لهذه التسوية موافقًا للمشاريع الأمريكية والعربية للتسوية السلمية، وقد وافق اليساريون الفلسطينيون على مشروع بريجينيف، ورفضوا المشاريع الأمريكية والعربية مع أنها متماثلة في مضمونها وفي هدفها بالتعايش السلمي بين الفلسطينيين واليهود، إلا أن ذلك يوضح أن اليساريين من الفلسطينيين وغيرهم يخضعون لاتجاهات السياسة السوفييتية ومصالحها، مثلما يخضع غيرهم لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية ومصالحها. وينبع هذا الحرص السوفييتي على تحقيق التسوية من أساس المحافظة على وجود إسرائيل وتعزيز أمنها، فقد صرح أندريه غروميكو في مؤتمر صحفي سنة ١٩٧٩ أن الاتحاد السوفييتي لا يعارض وجود إسرائيل، وليس من حق أحد أن يفكر في تدميرها أو يعتقد بأنه ليس من حقها البقاء.
● موقف السوفييت من الغزو الإسرائيلي الأخير
في عام ١٩٧٨ قبيل الغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان هدد الاتحاد السوفييتي إسرائيل أن أي عدوان على سوريا وعلى الفلسطينيين في جنوب لبنان، سيواجَه بموقف سوفييتي لم تشهده المنطقة والعالم من قبل، وحدث الغزو وانتظر الفلسطينيون فلم يفعل السوفييت شيئًا وكان تهديدهم جعجعة بلا طحين.
واليوم بعد أن غزت إسرائيل لبنان بهدف تصفية الفلسطينيين وتدمير منظمة التحرير، يقف الاتحاد السوفييتي مع الأنظمة العربية موقف الحياد، رغم التعهدات السوفييتية بدعم المقاومة الفلسطينية، وتبرز هنا مصالح الاتحاد السوفييتي حيث يرى أن الفوائد القليلة من دعم الفلسطينيين لا تتناسب مع المخاطر الكبيرة في ذلك، وكل ما يهمهم هو: لماذا كان أداء الأسلحة السوفييتية في الحرب سيئًا؟ فالسوفييت لا يرون في المنطقة العربية إلا ساحة للتجارب واختبار الأسلحة، وهذا الأمر هو إحدى المهمات الرئيسية للجنرال يغجيني سيوراسوف نائب قائد قوات الدفاع الجوي السوفييتية الموجودة حاليًّا في دمشق.
ومما يؤكد أن موسكو لا ترى في دعم الفلسطينيين إلا تحقيق مصالحها ذلك الإنذار المباشر الذي وجهه الاتحاد السوفييتي لإسرائيل بوقف عدوانها على لبنان، ذاكرًا أن الشرق الأوسط منطقة تقع في الجوار المباشر للحدود الجنوبية للاتحاد السوفييتي، وأن الأحداث لا بد أن تمس مصالح الاتحاد السوفييتي. ولقد كانت تصريحات القادة الفلسطينيين أنفسهم كافية لإدانة موقف الاتحاد السوفييتي وإثارة الشكوك حوله، واحتمال وجود تواطؤ دولي بين الدولتين العظميين على ترتيب المصالح وتوزيعها، وقد أدرك الفلسطينيون هذه الحقيقة وشعروا بخيبة أمل كبيرة، إذ وجدوا أنفسهم الضحية الأولى على مائدة التفاهم بين الكبار.
وعندما يرد السوفييت على تخاذلهم في مؤازرة الفلسطينيين بقولهم: إنهم لن يقاتلوا نيابة عن العرب.. يفتعلون مغالطة سخيفة، فأمريكا لم تقاتل نيابة عن إسرائيل، ولكن دعمها وتأييدها العسكري والسياسي وغيرها لإسرائيل كان ذا
تأثير كبير في مجريات الغزو ونتائجه، فماذا فعل السوفييت لدعم المقاومة الفلسطينية وهم يزعمون أنهم حلفاؤها؟!