العنوان حب الأوطان.. دلالات وعلامات
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 17-نوفمبر-2012
مشاهدات 53
نشر في العدد 2027
نشر في الصفحة 45
السبت 17-نوفمبر-2012
الدول المتحضرة لها نكهة أخرى تختلف كثيرًا عن غيرها في دول العالم الثالث، ففي الصورة الأولى في الولايات المتحدة وبعد انتهاء الانتخابات الأمريكية، وإعلان النتائج صبيحة الأربعاء، يقول المراقبون: وقف «ميت رومني» أمام جمهور ناخبيه وأقرَّ بالهزيمة، وقدم التهاني لمن وصفه برئيسه الذي كان حتى قبل لحظات خصمه اللدود ونده، وبعد أن أنهى كلمته انسل مع عائلته بهدوء ليبتلعه باب في أقصى المنصة يلج منه إلى عمق التاريخ الأمريكي، وينسحب من خلاله من حياة الأمريكيين، يحمل صفة مرشح الجمهوريين الخاسر أمام الرئيس الأمريكي «باراك أوباما»، هذه هي الصورة الأولى.
أما الصورة الثانية، فهي صورة الرئيس الأمريكي الذي ينتخب لدورتين ک «بوش»، و«كلينتون»، والآن «أوباما»، وحتى الذي ينتخب لولاية واحدة ک «بوش الأب»، و«كارتر»، فإنهم وبعد انتهاء ولايتهم يفعلون الفعل الأول ذاته، ينسحبون وينسلون إلى حياتهم الخاصة برضا عظيم واكتفاء ذاتي كبير، إلى أن يُطلَبوا لنشاط أممي أو دولي أو انتخابي أو حتى ديني كـ «كارتر» مثلًا، هذا الرئيس الذي تفصله لحظات انتخابية قليلة عن كونه يشغل منصب رئيس أكبر دولة في العالم وصاحب الكرسي الأكثر رغبة هذا الرئيس تفصله هذه اللحظات ليتنحى جانبًا وينسل بهدوء مطلق إلى التاريخ تاركًا كل أسباب القوة التي كان يتمتع بها قبل لحظات لمن سيخلفه في منصبه.. هذا وبعد نجاح «باراك أوباما» أطل على الآلاف من أنصاره في شيكاغو ب خطاب النصر بالانتخابات الرئاسية الأربعاء، معربًا عن تفاؤله بمستقبل أفضل للولايات المتحدة، كما شكر خصمه الجمهوري «ميت رومني»، وأكد نيته الاجتماع به خلال الأسابيع المقبلة للنظر في «كيفية السير قدمًا».
وتوجه «أوباما» بالشكر للناخبين قائلًا: إن حملته الانتخابية تماسكت وتقدمت؛ لأن الجميع أدرك في أعماقه أنه «بالنسبة للولايات المتحدة فإن المستقبل سيحمل الأفضل»، وأعرب عن الشكر لكل أمريكي شارك في هذه الانتخابات، وخص بالذكر الذين انتظروا تحت الشمس لساعات طويلة.
وأشاد «أوباما» بالذين صوتوا له، وكذلك بالذين اختاروا «رومني»، مشيرًا إلى أن شراسة المعركة الانتخابية تعود إلى رغبة كل طرف في خدمة البلاد، وأضاف «أوباما»: «لكل منا رأيه واعتقاداته، وقد تسبب ذلك بإثارة التناقضات والجدل، وهذا لن يتغير بعد هذا اليوم، ويجب ألا يتغيّر؛ لأنه جزء من حريتنا وديمقراطيتنا، وهناك من يقاتل في دول أخرى لمجرد نيل حق النقاش».
وتابع بالقول: المهم أننا نريد الأفضل لبلدنا وأولادنا ونريد الوصول إلى أمة هي الأفضل، ويحميها أقوى جيش في العالم، وكذلك دولة تتحرك بثقة بعد الحروب لبناء سلام يقوم على احترام كل إنسان.
وأكد «أوباما» نيته العمل على تحسين معدلات توفير الوظائف، كاشفًا عن توجهه للقاء قادة كل القوى السياسية من أجل بحث تحسين أوضاع الاقتصاد والتوصل إلى طرق للاستغناء عن النفط المستورد من الخارج في قطاع الطاقة وحل مشكلات الهجرة.
هذا وقد توجه «رومني» بالشكر إلى زوجته قائلًا: إنها كانت لتصبح «سيدة أولى ممتازة»، كما شكر أولاده وزوجاتهم وأولادهم وأنصاره على الدعم الذي قدموه، ودعا قادة البلاد إلى تجاوز الانقسام السياسي لأجل المصلحة العامة.
هذا، ويرى المراقبون أن هذه الصورة إذا ما وضعناها أمام صورة الانتخابات في عالمنا العربي حتى ما بعد ثورات «الربيع العربي»، فإننا لا بد أن تتملكنا الدهشة والاستغراب، ففي مصر وفي تونس وفي ليبيا تلك الدول التي أزاحت فيها الثورات حكامًا متسلطين «تملكوا» البلاد والعباد لثلاثين وأربعين سنة، لا يزال الأبناء الأيديولوجيون لتلك الأنظمة البائدة على مختلف مسمياتهم «اليسارية والقومية والليبرالية... إلخ» غير مسلَّمين بقرار الشعوب التي انتخبت غيرهم لقيادة البلاد، فرغم أن الانتخابات في مصر على سبيل المثال قد أتت بالإخوان المسلمين لقيادة البلاد «وقد تأتي بغيرهم» فإن كل مخلفات النظام السابق وهم الذين يمثلون الفضاء العام للنهج البائد بمسميات مختلفة ومتنوعة، ما يزالون يراوحون مكانهم ويدَّعون الحقيقة والأحقية في حكم البلاد، رغم أن الشعب قد فصل وقرر وقال كلمته ونصب رئيسه لماذا لا ينسجم هؤلاء مع أسس النظام الذي يدعون أنهم يريدونه أن يحكم البلاد، وهو النظام الذي يضمن عملية تبادل السلطة كل فترة انتخابية تحدد مدتها أنظمة الدستور المعمول بها فيها؟ لماذا لا ينسحبون بهدوء من حياة شعوبهم ويوفرون المناخ والأجواء الإيجابية للرئيس المنتخب وفريقه لخدمة البلد كما تفعل غيرهم من الشعوب؟ وعندما تقترب الانتخابات فليصحوا وليروجوا لبرامجهم ولينتخب الشعب خياراته مجددًا، ولكنهم بدلًا من ذلك يعلنون تمردهم ويقلبون الحقائق ويشككون في نزاهة الانتخابات بتزوير النتائج وإعلان فوز مرشحهم «أحمد شفيق».
وبعد، فهل هؤلاء يستحقون أن يتولوا سدة الحكم في بلد ناهض تائه أكثر من نصف قرن من الزمان في دهاليز الفوضى والدكتاتورية؟ وهل هؤلاء لهم ضمائر أو عقول يمكن أن تراجع النفس وترشد إلى الطريق وتبني الأمم والشعوب؟