; دعاوى الصدق والموضوعية في الإعلام الغربي.. أين ذهبت؟ حملة كاذبة عن اضطهاد المسيحيين في البلاد العربية والإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان دعاوى الصدق والموضوعية في الإعلام الغربي.. أين ذهبت؟ حملة كاذبة عن اضطهاد المسيحيين في البلاد العربية والإسلامية

الكاتب د. محمد علي البار

تاريخ النشر الثلاثاء 24-يونيو-1997

مشاهدات 55

نشر في العدد 1255

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 24-يونيو-1997

من أكاذيبهم: السودان يختطف آلاف المسيحيين ويعذبهم ويبيعهم عبيدًا.. ومسلمو إثيوبيا يقتلعون أعين النصارى في طقوس تعبدية!!

أذاعت محطة «صوت أمريكا» باللغة الإنجليزية يوم ١٦ مايو ۱۹۹۷م حديثًا مع السيناتور ارلين سبكتور من ولاية بنسلفانيا، والنائب فرانك وولف من فرجينيا بالولايات المتحدة، يدور حول مشروعهما لفرض عقوبات اقتصادية ودبلوماسية على دول  إسلامية وعربية زعما أنها تعذب المسيحيين وتضطهدهم.

وقد بلغت الوقاحة والكذب حدًا لا يتصوره إنسان، حيث زعم هذان أن السودان تقوم باختطاف آلاف المسيحيين من جنوب السودان ثم تعذبهم ثم تبيعهم عبيدًا في دولة مجاورة، كما زعما أن المسلمين يقومون في إثيوبيا باقتلاع أعين المسيحيين في طقوس دينية تعبدية، ولعلهما لم يسمعا أن الحبشة بلد تحكمه أقلية مسيحية تعذب الأكثرية المسلمة، كما زعما أن مصر تقوم بتعذيب النصارى فيها وتضطهدهم، ولم يترك النائبان الكاذبان: باكستان، وإيران، ولبنان وسورية، حيث زعما أن النصارى هناك يواجهون التعذيب والتفرقة العنصرية والتعصب الذميم والاضطهاد المستمر!!

وتحدث المذيع مع امرأة تزعم أنها ترأس جمعية أنصار المضطهدين من النصارى في البلاد العربية والإسلامية، وأتت بخيالها المريض ما شاء لها الحقد الصليبي من أوهام. 

والغريب حقًا أن يكتشف المرء أن هناك حملة مدبرة في أجهزة الإعلام الغربية تتناول موضوع الاضطهاد المزعوم للمسيحيين في البلاد العربية والإسلامية، وكنت قد سمعت من إذاعة «صوت كندا الدولي» في أوائل شهر مايو الماضي حملة شرسة على السودان التي تعذب المسيحيين وتقتلع أعينهم وتشوه أطرافهم وأنوفهم، وأما من يصلحون للخدمة فتبيعهم حيث تم - حسب زعم هذه الإذاعة ـ بيع الآلاف من هؤلاء النصارى من جنوب السودان إلى دولة مجاورة، وفي جلسة الكونجرس ٢٤ مايو الماضي ادعى أحد الأعضاء أن النصراني يباع في السودان بأقل من ١٥ دولارًا.

ونشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الواسعة الانتشار سلسلة من المقالات للكاتب الصهيوني روزنثال تحدث فيها عن التعذيب والاضطهاد الذي يعاني منه المسيحيون في البلاد العربية، وطالب الحكومة والشعب بالوقوف ضد هؤلاء البرابرة الهمج الذين لم يتوقفوا عن تعذيب المسيحيين واضطهادهم منذ ظهور نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم إلى اليوم!! 

والحملة تأخذ أبعادًا جديدة كل يوم، ففي الرابع من شهر مايو ۱۹۹۷م عقد في واشنطن مؤتمر «أثر الأسلمة على العلاقات الدولية وحقوق الإنسان» حيث شن المتحدثون حملة صليبية حاقدة على الإسلام وأهله، وزعمت اليهودية «نيناشيا» مؤلفة كتاب في «عرين الأسد» أن المسيحيين في مصر والسودان وإيران وباكستان يواجهون اضطهادًا منظمًا ومستمرًا، وأنه الأسوأ في بشاعته ومنافاته لأبسط حقوق الإنسان، كما تحدث في هذا المؤتمر ستيفن أمرسون المعروف بعدائه الصليبي الحاقد على الإسلام والمسلمين.

حرية التدين والاعتقاد

وقبل عامين أي في عام ١٩٩٥م عقد مؤتمر في لندن تحت مظلة الأمم المتحدة بعنوان «حرية التدين والاعتقاد» وتحت مسميات حقوق الإنسان وحرية العقيدة نال الإسلام والمسلمون هجومًا كاسحًا من مجموعة منظمة من الصليبيين واليهود، وكان حظ السودان من الهجوم أوفرها وأشدها حقدًا. 

ولكن ما يميز الحملة الجديدة أنها مرتبطة بتهويد القدس وأنها مدعومة بقوة من أعضاء في الكونجرس الأمريكي المعروف بميول كثير من أعضائه إلى إسرائيل وارتباطهم بسياستها، ونتيجة لهذه الحملة عقدت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ أولى جلساتها في أول مايو ١٩٧٧م للاستماع للشهادات الصادرة من خبراء «حسب زعمهم» في حالات الاضطهاد التي يعاني منها المسيحيون في البلاد العربية والإسلامية، والغريب حقًا أن أهم من أدلوا بشهاداتهم هم من غلاة اليهود الصهاينة مثل نيناشيا وبات يؤور. 

وتهدف الحملة فيما تهدف إلى تصوير إسرائيل بأنها المدافع عن حقوق المسيحيين في منطقة الشرق الأوسط وأنها واحة الأمن والأمان لهم.

ومن السخريات أن إسرائيل التي تزعم الدفاع عن المسيحيين طردت عشرات الآلاف من المسيحيين من أهل القدس وبيت لحم وما جاورها، والواقع أن إسرائيل لم تفرق بين الفلسطيني المسلم والفلسطيني المسيحي بل عاملت الكل بنفس المعاملة من الاضطهاد والتضييق والطرد.

ولا أحد يجهل عداء اليهود للمسيح عليه السلام واتهامهم لأمه مريم العذراء الطاهرة بالزنى واتهامهم للمسيح عليه السلام بالسحر والشعوذة وإصدار حكم السنهدرين «المحكمة العليا» عليه بالإعدام ثم ذهابهم إلى الحاكم الروماني بيلاطس وإصرارهم على تحمل دمه في عنقهم وعنق أبنائهم إلى يوم القيامة، وافتخروا بأنهم قتلوا المسيح عيسى بن مريم رسول الله! ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ (النساء: 157)

وقد بقي العداء بين اليهود والنصارى زمنًا طويلًا حتى أن بطريرك القدس عندما سلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه مفاتيح القدس اشترط عليه ألا يدخل القدس يهودي ولا يسكن فيها. 

وقد وفى المسلمون بهذا الشرط حتى جاءت الحروب الصليبية ونقض الصليبيون كل عهد، وسفكوا الدماء البريئة حتى وصلت الدماء إلى الركب بأمر من البابا الحاقد أوربان الثاني، وتصف الباحثة والمؤرخة المنصفة زيجريد هونكه في كتابها «الله ليس كذلك»، هذه الأحداث فتقول: «وقد تجلى ذلك الحقد الأعمى في انتقام الصليبيين عقب وصولهم إلى هدفهم المنشود بيت المقدس، فقد طفت حماستهم فجرفت أمامها كل السدود، وانطلقوا سيلًا بشعا بربريًا يأتي على الأخضر واليابس، وقد أجج من كل ذلك صيامهم ثلاثين يومًا حماسة متعصبة ونذرًا للرب وتقربا، ولقي هذا كله رد فعل لدى سفاكي الدمار السفاحين من فرسان «الفرنجة» من فرنسيين ورومان وجموعهم التي انحدرت في طرقات بيت المقدس تحصد الأرواح حصدًا، لا تقع على إنسان إلا قتلته، أو ذبحته فجندلته، رجالًا ونساء، وشيوخًا وولدانا، وتذكر مصادرنا الغربية ذاتها أن ذلك الحصاد الوحشي المربع بلغ عشرة آلاف ذبيح».

 «ويصف المؤرخ الأوروبي ميشائيل درسير كيف كان البطريرك يعدو في زقاق بيت المقدس وسيفه يقطر دمًا، حاصدًا به كل من وجده في طريقه، ولم يتوقف حتى بلغ كنيسة القيامة وقبر المسيح «المزعوم»، فأخذ في غسل يديه تخلصًا من الدماء اللاصقة بها مرددًا كلمات المزمور: «يفرح الأبرار حين يرون عقاب الأشرار ويغسلون أقدامهم بدمهم»، ثم أخذ في أداء القداس قائلًا: إنه لم يتقدم في حياته بأي قربان أعظم من ذلك ليرضي الرب».

وتواصل الباحثة الألمانية الفاضلة زيجريد هونكه كلامها فتقول: «أما الميدان الذي يتحلق قبة الصخرة والمسجد الأقصى الذي لجأ إليه الأهالي المسلمون الهاربون هلعًا واحتماء به، فقد تحول تحت زحف الفرنجة المدمر المجنون إلى حمام دماء خاض فيها مهاجمو النصارى حتى الكعبين مواصلين الإجهاز على المسلمين. 

لقد كانت الحملة الصليبية الأولى التي أعلنها ذلك البابا أوربان الثاني في اليوم السابع والعشرين من نوفمبر لسنة ألف وخمس وتسعين «١٠٩٥م» بمثابة المقدمة الموسيقية الحزينة لواحدة من كبريات مآسي العبث في تاريخ الإنسانية، لقد حُفر ذلك اليوم حفرًا يتأبى على المحو أبدأ في ذاكرة التاريخ، ولقد بين دهاء البابا وتخطيطه الخبيث الذي يملأصفحات وصفحات.

«ولقد أيقظت تلك الحملة البربرية ما أيقظت في نفوس المسلمين في شتى بقاع العالم الإسلامي وكان لها صداها الذي لا يزال يحتل ركنًا في إدراك العربي ووعيه، ولا تزال تلك الحملة الصليبية الأولى بقعة عار وخزي لاصقة بالغرب مشيرة إليه بإصبع الاتهام».

«ورغم ما واجهه المسلمون في هذه الحروب الصليبية من هجمات وحشية تنعدم فيها كل تعريفات الأخلاق، حيث كان الصليبيون الحاقدون يذبحون النساء والأطفال والشيوخ والعجزة ذبح النعاج، كما كانوا يشنون الحملات لإبادة الحجاج الآمنين في طريقهم إلى مكة من الشام ضاربين عرض الحائط بكل الاتفاقيات والمعاهدات التي وقعوها بأنفسهم، رغم ذلك كله فإن المسلمين ظلوا متمسكين بتعاليم قرآنهم على العدل والإنصاف.

وكم يتملكنا العجب من هذه الروح العالية المنصفة حينما نقرأ رسالة بطريرك القدس تيودوسيوس إلى صديقه الحميم أسقف بيزنطة اجتاتيوس قبيل الحملة الصليبية الأولى حيث يقول: «إن العرب هنا هم رؤساؤنا الحكام وهم لا يحاربون النصرانية، بل على العكس من ذلك يحمونها ويذودون عنها ويوفرون قساوستنا ورهباننا وقديسينا» وتقول زيجريد هونكه معلقة على هذا الخطاب «ولا يكاد المرء يصدق هذا الذي يسمع، إذ كان ذلك إبان الأفق المعتم الذي يتربص فيه الموت بالمسلمين في كل مكان، كانت الساحة حبلى بالحروب الصليبية، وقد بلغ العداء لهم أشده في ذلك الجو المشحون بغضًا».

تحالف البابا مع جنكيز خان

ويحدثنا التاريخ أن البابا قد سعى سعيًا حثيثًا لدى جنكيزخان وأبنائه وأحفاده متحالفًا معهم في هجوم يشبه الكماشة على العالم الإسلامي للقضاء عليه قضاء مبرمًا، حيث هجمت جحافل جنكیزخان من الشرق وجحافل البابا من الغرب، وقد توسل البابا بكل وسيلة لتوطيد عرى التحالف بين الخاقان الأعظم جنكيزخان وأبنائه وبين القوى الصليبية التي يحمل لواءها، وأرسل أجمل فتيات روما هدية للخاقان الأعظم واستطاع بمكره ودهائه وبالفتيات الجميلات أن يحصل على مبتغاه حيث تنصر قره هولاكو، كما أن هولاكو نفسه أكد تحالفه مع البابا، وهكذا بدا للبابا أن كل الأمور تسير في صالحه وأنه سيستطيع عما قريب أن يقضي على دولة الإسلام والمسلمين في كل مكان، وأن يجتث جذورهذه العقيدة التي يحمل لها كل حقد وبغضاء. 

ولكن الأمور لم تأت بما يشتهي ويخطط له، فقد انهزمت جحافل هولاكو في عين جالوت على يد السلطان قطز وقائده الظاهر بيبرس، كما أن أحد أحفاد جنكيزخان ورئيس الأورد الذهبي بأكمله بركة خان أعلن إسلامه وانضم إلى صفوف المسلمين محاربًا بذلك أبناء عمومته. 

وبدلًا من هزائم المسلمين المروعة على يد جنكيزخان وهولاكو انقلب الأمر وانداحت رقعة الإسلام حتى وصلت إلى موسكو ووارسو، ولم يلبث أبناء هولاكو وأحفاده إلا قليلًا حتى انضموا هم أيضًا إلى راية الإسلام.

وهنا جن البابوات في روما وأخذوا يدبرون الحملات ويزعمون أن المسلمين قد هدموا كنيسة القيامة وهدموا قبر المسيح المزعوم، ونكلوا بالنصارى، وانبرى الخطباء والشعراء والكهان والرهبان ينددون بهذه الهجمة العربية الإسلامية، ويطوفون أوروبا ويذرعونها طولًا وعرضًا في دعوات حماسية متتالية لتهييج الممالك النصرانية من الملوك إلى الرعاع.

ونشهد اليوم الحملات المتتالية نفسها ضد الإسلام وأهله وضد العرب، خصوصًا في زخم من الأكاذيب والافتراءات التي تنشرها أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، ووسائل الإعلام لم تكن متاحة لبابوات روما وكرادلتها في القرون الوسطى، ويدعمهم في ذلك كله عمل منظم يشمل أعضاء الكونجرس وجمعيات حقوق الإنسان ومجموعة كبيرة من الكتاب والأدباء والصحفيين والإذاعيين والعلماء ورجال الدين.

ويصاب الإنسان بالدهشة وينعقد لسانه لما يرى ويسمع من الافتراءات الواضحة والأكاذيب الفاضحة التي يشنها الغرب على الإسلام وأهله رغم أن البشرية لم تشهد عدلًا ولا سماحة مثلما شهدته في الإسلام على مدى تاريخها الطويل، فرغم أن اليهود كادوا النبي صلى الله عليه وسلم وحاربوه إلا أن المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه لم يقم بإبادتهم كما كانوا هم يخططون لإبادة المسلمين، بل لم يعاقب اليهودي لبيد بن الأعصم الذي سحره ولا اليهودية التي قدمت له الشاة المسمومة، بل تجاوز عن ذلك كله وتزوج صفية بنت حيي بن أخطب ألد أعدائه، وأحسن معاملتها في صورة مثلى لا تخطر حتى بالخيال، وها نحن نرى ابنة ألد أعدائه والرسول يقوم بعد المعركة باصطفائها فإذا أرادت أن تركب الجمل أناخ لها البعير وجلس حتى تضع قدمها على فخذه الشريفة لتتمكن من الركوب «رواه البخاري في صحيحه».

ولم يكتف بذلك كله، بل عنف عائشة -رضي الله عنها- عندما قالت إنها قصيرة، وقال لها: «لقد قُلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته»، كما أنه صلى الله عليه وسلم وقف في صف صفية عندما قالت لها بعض زوجاته معيرة إنها ابنة يهودي حاقد، وعمها كذلك، فقال لها: «قولي أبي هارون وعمي موسى عليهما السلام.

وقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالإحسان إلى أهل الذمة ـ بما فيهم يهود خيبر ـ والعدل والنصفة، بل إن قرآننا نزل من السماء ليبرئ اليهودي زيد بن السمين الذي اتهمه بعض المسلمين من آل أبيرق والمنافقين بأنه سرق درعا لأحد المسلمين «رفاعة بن النعمان» وكادوا له حتى وضعوا الدرع في بيته لتثبت عليه التهمة، حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كاد أن يصدق ويوقع العقوبة باليهودي المتهم فنزلت آيات من فوق سبع سماوات تبرئ هذا اليهودي وتنذر الذين تمألوا عليه كما بينت ذلك سورة النساء «الآيات ۱۰۵ - ۱۱۳» 

الرابط المختصر :