العنوان المؤتمر العالمي الخامس للتجمعات الإسلامية (رؤية وآفاق)
الكاتب محمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 11-يونيو-1996
مشاهدات 100
نشر في العدد 1203
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 11-يونيو-1996
في «إسطنبول الفاتح» وبرعاية زعيم «حزب الرفاه» نجم الدين أربكان أقيم «المؤتمر العالمي الخامس للتجمعات الإسلامية» في الفترة بين «27-28 مايو الماضي» حيث شارك في هذا المؤتمر وفود من حوالي 50 دولة من أنحاء العالم في آسيا وإفريقيا وأوروبا وأمريكا وأستراليا، هذه الوفود تمثل تجمعات وحركات ومؤسسات وهيئات وأقليات مسلمة.
ويأتي هذا المؤتمر والتجمع الضخم الذي حضره ما يقرب من «300» شخص يمثلون أهم التكتلات والهيئات الإسلامية الشعبية، حيث تحيط بالأمة الإسلامية ظروف ومتغيرات إستراتيجية منها:
- ضعف الأُمّة العربية والإسلامية وأنها محاطة بسلسلة من المعادلات السياسية والعسكرية تفكك وحدتها وقوتها.
- مذابح إسرائيل في لبنان وما أفرزته من سيطرة على القرار في الشرق الأوسط من قِبَل إسرائيل.
- النتائج الأمنية لمؤتمر شرم الشيخ والذي حدد معايير ظالمة لدعم إسرائيل ضد الجهاد الإسلامي، وأفرز نتائج موجهة مباشرة ضد التجمعات الإسلامية.
- محاور إقليمية، خصوصًا المحور الأمني التركي الإسرائيلي.
- نتائج الانتخابات الإسرائيلية، والتي أجريت في نفس أيام المؤتمر، حيث فاز زعيم حزب الليكود بنيامين نتنياهو برئاسة مجلس الوزراء الإسرائيلي، وأكد بما لا يقبل الشك أن إسرائيل تريد سلامها وتفوقها الإستراتيجي على العرب والمسلمين.
- وقد طرحت في المؤتمر أحداث الساعة للمسلمين في فلسطين، والشيشان، والبوسنة، وكشمير، والهند والجزائر، وقبرص، وبنجلاديش، ومقدونيا، وغيرها، وتم مناقشة الأوضاع الداخلية لبلاد المسلمين خصوصًا مشكلة الحريات.
لكن الروح الإيجابية التي عايشها المؤتمرون في إسطنبول ألقت بظلالها على الحاضرين تستحثهم لفك عزلة الإحباط واليأس، وقد أحاط بالناس في هذا المؤتمر يقين للمزيد من العمل لاستنقاذ الأوضاع المتردية للمسلمين.. وللمؤتمر دلالات بارزة تستعرضها كما يلي:
التجمعات الإسلامية والتعامل مع الغرب:
بشكل واقعي انتقلت التجمعات الإسلامية لدراسة حالة التعامل مع الغرب، وظهر بشكل جلي أهمية تطور النظرة الواقعية للتجمعات الإسلامية تجاه الغرب وتمثلت من خلال الحوار والقرارات والخطب والبيانات الرسمية، والتي سادت أيام المؤتمر في تفعيل الاتصال بالمؤسسات والشخصيات التي تتفهم الحالة الإسلامية مع التوجهات السياسية لتخفيف الضغط الغربي على المسلمين من خلال اتباع سياسات محددة، وقد بذلت الكثير من التجمعات الإسلامية جهدًا مباركًا في توطين الإٍسلام في الغرب خلال العشر سنوات الماضية والتي أصبحت استراتيجية هامة للأقليات والتجمعات الإسلامية في الغرب، ويظهر من الخطاب الذي شهده المؤتمر هو أن التجمعات الإسلامية تسعى لدعم ومناصرة الأقليات والشعوب الإسلامية في جهودها المبذولة لإبقاء كينونتها الخاصة واستقلالها الذاتي في البوسنة والشيشان وقبرص وغيرها دون تجاهل المصالح المتبادلة لواقعها ومجتمعها المحيط بها.
وقد أيد الحوار الرسمي للمؤتمر الجهود المبذولة للحوار البناء بين التجمعات الإسلامية والغرب ليحل محل العداء، وأن يقوم هذا الحوار على المصالح المشتركة.
اللوبي الإسلامي:
وفي سبيل ذلك بدأت التجمعات الإسلامية باقتراح آليات ذات سعة وامتداد، من أهمها قُوى الضغط «اللوبي الإسلامي» في شكل كيانات اقتصادية وإعلامية، وتجمعات شعبية متواجدة في الغرب، وتظل تحارب اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة وأوروبا ناصية نفسها للعيان أمام المؤتمرين، وهذا يؤكد على تطور الوعي السياسي للتجمعات الإسلامية، والتي تمتلك الخيار السياسي لإيجاد مصالح مشتركة للمسلمين، وحيث إن المسلمين متواجدون في القارات الخمس سياسيًّا واقتصاديًّا وإعلاميًّا وشعبيًّا فإنه يمكن بالتنظيم والتنسيق إيجاد لوبي إسلامي ضخم يستثمر لتبادل المصالح مع الغرب من جهة، ولتخفيف الضغط على بلاد المسلمين من جهة أخرى، وهذا يشكل نقلة نوعية في العمل الإسلامي وتجربة جديدة يفترض لها النجاح لو أحسنت التجمعات الإسلامية الإعداد لها والعمل من أجل نجاحها.
ولذلك حظي مشروع الاتحادات البرلمانية على موافقة من اللجان السياسية المنبثقة عن المؤتمر، إذ إن مثل هذا الاتحاد يعد لَبِنة أساسية لمشروع اللوبي الإسلامي.
نقلة إستراتيجية جديدة:
التجمعات الإسلامية في هذا المؤتمر أبدت أيضًا اهتمامًا متزايدًا للتوجه لبناء تصوراتها وقراراتها على الدراسات الإستراتيجية، حيث قررت إقامة مراكز البحوث الإستراتيجية والاستفادة من المراكز الموجودة في تركيا وإيران وباكستان، وهذا التطور في العمل يشكل نقلة نوعية جديدة ومتطورة وتفكير جدي لتطوير آليات العمل، كما تؤكد الاتجاه نحو النهج التخطيطي في العمل بعيدًا عن السطحية والعفوية، وتؤدي إلى بناء السياسات الداخلية والخارجية والاقتصادية والسياسية في العالم الإسلامي على أساس علمي إستراتيجي.
حيث يُعتبر العالم الإسلامي في الحقيقة متخلفًا في هذا الجانب ولا تقل التجمعات الإسلامية عنه في ذلك، فلا زالت معظم الحركات الإسلامية تنهج نهج العفوية والسطحية لتحقيق أهدافها، وغالبًا ما تعالج المدخلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بالنظر الجزئي أو المحلي أو القُطري دون اعتبارات للنظر في آفاق المتغيرات العالمية والنظرات الاستراتيجية مما ولد على مرور الزمن تعاملات لا عقلانية وعاطفية، وغالبًا ما خطت كثير من التجمعات الإسلامية خطوات خاطئة تصادمت فيها مع الواقع الذي يحيط بها بكل مؤثراته ومعادلاته، وقد يفسر لنا هذا التخلف الكثير من المشكلات بين الحركات الإسلامية وخصومها وواقعها، وإن الالتفات إلى النهج التخطيطي والبحث العلمي في العمل الإسلامي يعتبر نقلة ربما ينجح المؤتمرون في تحقيقها.
مشروع مصالحة مع الحكومات:
لكن من أهم قرارات المؤتمر هو تشكيل وفد إسلامي عالمي للاتصال بالحكومات الإسلامية وعرض مشروع للمصالحة بينهم وبين الحركات الإسلامية في العالم، وتأتي هذه الخطوة بعد النتائج التي أفرزها مؤتمر «شرم الشيخ» والذي وحد جهود (30) دولة لمواجهة التحديات أمام تطبيع العلاقات بين العرب وإسرائيل، ومواجهة تحديات التيارات الإسلامية الجهادية في لبنان وفلسطين، وتتبع المجهودات المبذولة للدعم المالي لهذه المهمة الإسلامية، بالإضافة إلى التنسيق الأمني لمواجهة تيارات المعارضة بما فيها الإسلامية والتي تعارض اتجاهات التطبيع مع إسرائيل.
وتعتبر هذه الخطوة مبادرة إيجابية لإيقاف الصراع بين بعض الحركات الإسلامية وحكوماتها، كما يُوجِد أرضية مشتركة للاتصال والتفاهم حول قضايا الحريات واستبداد السلطة وانتهاكات حقوق الإنسان مع تبيان مخاطر التفرد الإسرائيلي في المنطقة استراتيجيًا، وقد يواجه هذا المشروع عوائق هامة خصوصًا فيما يتعلق بمفهوم الإرهاب الدولي الذي وصمت به مجموعة من الحركات الإسلامية في حين أن مؤتمر التجمعات الإسلامية رفض ربط قضايا المسلمين العادلة بالإرهاب فهم يؤكدون بأن الدفاع عن الحقوق والارتباط والانتماء للأرض ليس من الإرهاب، وأن للشعوب الحق بالمقاومة المسلحة لتحرير الأراضي، واستخلاص الحقوق، وهذه القضية من أهم القضايا التي قد يختلف عليها الطرفان، ومثال على ذلك، أن المؤتمر مثلًا رفض ربط السودان بتهمة الإرهاب وإيواء الإرهابيين، ورفض الحصار الذي فرضه مجلس الأمن الدولي على السودان.
أما قضية الحريات وحقوق الإنسان فربما ستكون من أهم النقاط التي تواجه جدلًا من حيث جدوى هذه المصالحة السياسية، إلا أن توجه هذه التجمعات لإيجاد مشروع مصالحة مع الحكومات يعتبر في حد ذاته تغيرًا في نهج الحركات الإسلامية في علاقاتها مع الحكام، وكان آخر وفد للجماعات الإسلامية والذي لم ينجح في وساطته، ذلك الوفد الذي فشل في تحقيق نجاح في إقناع النظام العراقي للانسحاب من الكويت عام 1990م، لكن ملامح هذا المشروع أو مرتكزاته الاستراتيجية لم توضح بعد، وهذا مرهون بقدرات الحركات الإسلامية في إعداد مشروع متكامل للمصالحة.
الرفاه القادم «الرائد»:
لكن من أهم الدلالات التي تلمسها الحاضرون والمراقبون والسياسيون ازدياد موقع حزب الرفاه الإسلامي في تركيا كمؤثر في ريادة الحركة الإسلامية العالمية، كما كان لشخصية قائده نجم الدين أربكان التأثير الأكبر في انتزاع الثقة والنجاح والاتفاق على أهم القضايا الإستراتيجية في هذا المؤتمر، ويعتبر الرفاه الإسلامي القادم الجديد لسيادة السياسة التركية الحالية رائدًا في تكوين هذا التجمع الذي بدأ في عام 1990م، حيث دعا البروفسير الدكتور نجم الدين أربكان قادة التجمعات الإسلامية لتكوين مؤتمرًا إسلاميًّا عالميًّا، تماسك هذا المؤتمر بعد خمس سنوات ليفرز بعد ذلك تنظيمًا عالميًا رائدًا للتنسيق بين التجمعات الإسلامية في مختلف أقطار العالم.
والرفاه القادم والذي فاز في الانتخابات البلدية التكميلية في تركيا بنسبة تعادل 35% هو الحزب الأول حاليًا والمؤهل محليًا في تركيا لتشكيل حكومة في الواقع أصبح مؤهلًا ليصبح عاملًا مهمًا ووسيطًا ناجحًا لحل الكثير من المشكلات التي تمر بها الحالة الإسلامية، فحزب الرفاه.
- يشكل طرفًا مقبولًا لحل مشكلة الشيشان مع روسيا، ويستطيع أن يكون وسيطًا لحل مؤثر يحقق المسلمون في الشيشان أهدافهم، وكذلك يحقق الروس مصالحهم بإيقاف الحرب.
- كما أن حزب الرفاه قادر على حل المشكلات والأزمات الحالية بين تركيا وجيرانها العرب وخصوصًا قضايا الحدود والمياه بين تركيا وسورية والعراق، خصوصًا وأن حزب الرفاه لا يتبنى القومية المتطرفة التي تمتلكها الأحزاب التركية الأخرى.
- أمّا العلاقات مع الغرب فإن حزب الرفاه أبدى مرونة في موضوع إلغاء الوحدة الجمركية مع الاتحاد الأوروبي كموقف تكتيكي، كما أنه يُعتبر نفسه حزبًا واقعيًا، فهو دخل في حوار مع الإدارة الأمريكية عام 1994م، وأبدى الرفاه تطمينًا للولايات المتحدة بتكافؤ المصالح عام 1994م، وأبدى الرفاه تطمينًا للولايات المتحدة بتكافؤ المصالح دونما المساس بالسيادة التركية، وقد يشكل الرفاه جسرًا حواريًّا ما بين الحركات الإسلامية والغرب مستقبلًا.
- كما أن حزب الرفاه ينظر إلى مسألة الأكراد، وهي مسألة تهتم الكثير من الأطراف العالمية، بأنها مسألة يمكن حلها دونما تلك الخسائر، وقد يمنح الأكراد في ظل حكومة الرفاه حكمًا ذاتيًّا في ظل كونفدرالية تركية، مما يساعد على استقرار الأوضاع في هذا الإقليم.
- الرفاه أيضًا كان وسيطً ما بين الحركات الإسلامية وحكوماتها كما في مسألة مصر والسودان، وما بين سورية والحركة الإسلامية وغيرها من المسائل.
- أمّا في الميزان الدولي فإن الرفاه الإسلامي قادر على خلق توازن مع إيران والتي تشكل تفلتًا من النظام الدولي، في حين أن علاقات إيران الإسلامية ستكون أكثر إيجابية مع حكومة الرفاه الإسلامي، مما يشكل تفاهمًا وجسرًا للحوار مع إيران.
- ولا يستعبد أن يكون للرفاه دور مهم في ترتيب حل الأوضاع المتردِّية في العراق وإحداث تغيير إيجابي للاستقرار في المنطقة.
ربما تلك الدلالات التي سردناها حول فعاليات المؤتمر تنشط الحركة والجهد عند التجمعات الإسلامية لكنها في المقابل تنشط أجندة خصومها للبحث في دلالات ذلك المؤتمر وآفاقه الإستراتيجية.
ومن عجائب الأمور أن وقّع رئيس تركيا اتفاقية تعاون أمني إستراتيجي مع إسرائيل في حين أيَّد الرئيس المتوقع للحكومة التركية القادمة نجم الدين أربكان اتفاقية إسلامية إستراتيجية للتجمعات الإسلامية لمواجهة ذلك التحدي.
ومن عجائب الأمور أيضًا أن يحتفل الرفاه بأيام فتح إسطنبول ونجاحاته في الحصول على أكبر نسبة في انتخابات البلديات في حين يحتفل المتطرفون الإسرائيليون بنجاحهم لتشكيل حكومة جديدة، والأيام المقبلة حُبلى بالأحداث.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل