العنوان الدولة القومية بين الترويج العلماني والتحجيم الإسلامي .. الحلقة «٥»
الكاتب عبد الجليل الغربللى
تاريخ النشر الثلاثاء 01-نوفمبر-1983
مشاهدات 55
نشر في العدد 643
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 01-نوفمبر-1983
دراسات سياسية
•سلامة المجتمع مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بصيانة وإقامة حقوق الله
•مع العودة إلى الإسلام يجب أن تكون الخطوة الأولى تسليط الضوء على مواطن الخلل.
مع إشراقة شمس الهداية... وعودة الناس بمختلف فصائلهم إلى الدين الإسلامي يكتشفون يومًا بعد يوم حجم تسييب مجتمعاتهم للمبادئ الإسلامية... فكانت الخمسينيات والستينيات فترة التيه عن العقيدة... ولم نكن نشعر بالانحراف الكبير عن المبادئ الإسلامية، ولم تكن هذه الأمور محور تفكير الفئات المثقفة حتى تكتشف مثل هذا التسيب. وبرجوع الأمة إلى العقيدة وتكتشف يومًا بعد يوم الحاجة الماسة إلى إصلاح المفاهيم التي تحكم علاقاتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية. كذلك الحاجة إلى تغيير في الأهداف لمثل هذه السياسات، لكي تواكب المبادئ الإسلامية، فلا عجب أن تظهر مجموعة من المنظرين يحاولون أن يسبغوا على سلوكيات الواقع الأليم شيئًا من الشرعية ليصلوا إلى نتائج يريدونها مسبقًا، ويدعون أن هذا الواقع لا يتناقض مع الدين. كان مثل هذا الأمر في الخمسينيات والستينيات يعبر عن مظهر من مظاهر التقدم، وحصل ذلك على قبول جماهيري، وخير دليل على ذلك مفهوم الاشتراكية العربية والترويج لها، والوصول إلى أنها لا تتناقض مع الدين الإسلامي وتقبلت بعض الجماهير في تلك الفترة الحرجة من حياة الأمة مبادئ الاشتراكية على أنها تمثل المبادئ التي تحقق الرفاه وتقيم مجتمع العدل. وكان للتسيب العقائدي دورٌ كبيرٌ في ترسيخ هذه المفاهيم في أذهان مثقفي هذه الأمة. ومع انحسار التيار العلماني، وبداية المد الإسلامي اتضح أن هذا التخبط في المجال السياسي والاقتصادي مرده تبني سياسيات بعيدة كل البعد عما جاء به القرآن وتعاليم رسولنا الكريم. وتبين للقاصي والداني أن الواقع الإسلامي بعيد كل البعد عن مجتمع المدينة بما يمثله هذا المجتمع من مظهر الإسلام الحقيقي فالفجوة كبيرة... ومتسعة لتشمل جميع سلوكيات الفرد من بداية عمله في الصباح إلى خلوده إلى النوم. ولتشمل كذلك سلوكيات المجتمع الذي تغلب عليه الجوانب المادية دون أن تكون هناك حوافز تحريك الموارد البشرية والمادية وإعلاء كلمة الله، فأصبحت الحروب على سبيل المثال ليست إعلاء لكلمة الله بل لأمور أخرى بعيدة كل البعد عن ذلك الهدف.
فلقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: « جاء رجلٌ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: الرَّجلُ يُقاتِلٌ حميَّةً ويُقاتِلُ شجاعةً ويُقاتِلُ رياءً » و«يمكن أن نضيف في هذا السياق أن تكون الحرب لتحقيق الهيمنة وبسط النفوذ وقهر الشعوب وغيرها من المسميات الدنيوية» فأنَّى ذلك في سبيلِ اللهِ ؟ قال: ( مَن قاتَل لتكونَ كلمةُ اللهِ هي العليا فهو في سبيلِ اللهِ »(ابن حبان : (4636 فلا عجب أن رأينا الأعداء
يكسبون الجولة تلو الأخرى والتنازل المستمر في مواقع الأنظمة العربية أمام أعدائها.
أيها السادة مع العودة إلى الإسلام، فإن الخطوة الأولى تتمثل في كشف هذا التسيب في شتى المجالات، والتعرف على مدى الانحراف وليس في ذلك تعصبًا، بل إنه من أولويات عمل الطبيب أن يحدد حجم الإصابة وموقعها ثم يبدأ مرحلة العلاج التي قد تطول إلا أن الخطوة الأولى تتمثل في تسليط الضوء على مواطن الخلل المهملة خلال حقبة الخمسينيات والستينيات واعتبارها من الأمور العادية التي لا تستحق أن نضيع وقتنا حولها.
الحاكم وإقامة حقوق الله
هل للحاكم أن يتدخل في إقامة حقوق الله من عبادات، أم أن الأفراد أحرارٌ في أن يقيموا هذه الحقوق أو يتركوها؟
يدعى منظرو الدولة القومية أن الحاكم ليس له أن يتدخل لإقامة هذه الحقوق ومعاقبة تاركيها. ولنأخذ حقًا من حقوق الله في العبادات وهي الصلاة، فعندهم أن ولي الأمر ليس له أن يأمر بالصلاة المكتوبة لأنها مسؤولية فردية.
ونحن نقول لهم: إن حقوق الله من المسؤوليات الفردية، إلا أنها لا تعفي ولي الأمر من معاقبة تاركيها، بل واجب ولي الأمر أن يراقب مدى التزام الأفراد المسلمين في المجتمع المسلم لحقوق الله وحقوق العباد. ونحن إذ نقدم لهم الدليل على ذلك نود أن نشير إلى أنهم لم يقدموا دليلًا واحدًا على مفهوم الحرية الشخصية في العبادات.
وقد قدمنا في الحلقات السابقة أن الخلفاء الراشدين التزموا عند توليهم السلطة بكتاب الله وسنة رسوله. هذا الالتزام لم يكن شكليًا للوصول إلى السلطة، بل كان نابعًا من فهمهم لما جاءت به سنة الرسول من أقوال حول منزلة الحاكم الجائر والحاكم العادل. هذا الفهم كان المحور الرئيسي لاجتهادات الصحابة رضي الله عنهم في إدارة المجتمع الاسلامي، فترك حقوق الله تبعًا لذلك لم تكن مسؤولية فردية.
لأن سلامة المجتمع مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بصيانة وإقامة حقوق الله، وعلى العكس فإن التسيب في مسألة العبادات وظهور هذا التسيب من شأنه أن يلحق بالمجتمع العقوبات الإلهية والتي قد تعصف به فيصيب الإفلاس أصحاب الأموال وتشتعل فتيل حروب أهلية، وتكون الكوارث الطبيعية شكلًا من أشكال هذه العقوبات الربانية.
هكذا فهم الصحابة أقوال رسول الله حول القيام بحقوق الله وحقوق الناس فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن:
« إنَّ النَّاسَ إذا رأَوُا المنْكرَ فلم يغيِّروهُ أوشَكَ أن يعمَّهم اللَّهُ بعقابِ من عندِهِ »(ابن تيمية:307/28). «إن المعصية إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها، ولكن إذا ظهرت فلم تنكر أضرت العامة»
وهذا ما يريده دعاة الدولة القومية حين يقولون: مال ولي الأمر وتاركي الصلاة والصيام. إنها من حقوق الله وليس للحاكم أن يتدخل لإقامة مثل هذه الحقوق. إذا ما أراد ولي الأمر اتقاء غضب الله عليه أن يسعى جاهدًا لإقامة حقوق الله وحقوق خلقه وهما وجهان لعملة واحدة، فإقامة حق الله يستلزم بالضرورة إقامة حقوق الخلق وهو الأمر الذي ينطبق على الفرد المسلم وعلى المجتمع. أما الأخيرة فإن مسؤولية إقامتها هي مسؤولية ولي الأمر وبقدر هذه المسؤولية وجسامتها يكون الجزاء والثواب. فإذا ما اجتهد ولي الامر في القيام بحقوق الله وحقوق عباده صنف بالحاكم العادل، أما إذا تهاون في هذه الحقوق، فعلاوة على ما سيصيب المجتمع من عقوبات ربانية إذا ما ظهرت المعاصي والمنكرات فإن هذا الحاكم سيصنف بالحاكم الجائر بحقوق الله وحقوق عباده. ولنرجع إلى أقوال الرسول حول كل من هذين النوعين من الحكام لنرى منزلة كل واحد منهم في المعايير الربانية يقول الرسول صلى الله عليه وسلم :«يومٌ مِن إمَامٍ عَادلٍ أفْضَل مِن عِبَادة ستين سنة»(أبي نعيم:16).
« إنَّ أحبَّ النَّاسِ إلى اللَّهِ يومَ القيامةِ وأدناهم منهُ مجلسًا إمامٌ عادلٌ وأبغضَ النَّاسِ إلى اللَّهِ وأبعدَهُم منهُ مجلسًا إمامٌ جائرٌ »(الترمذي:1329).
«أهلُ الجَنَّة ثلاثةٌ: سُلْطان مُقْسِط، ورَجلٌ رحيمُ القلب بكل ذي قُرْبى ومُسْلم، ورجلٌ غنيٌّ عفيف متصدق»(مسلم:2856).
«من أقام حقوق الله وحقوق العباد فهو ظلٌ الله في الأرض» ...
أما من اعتدى وتهاون في حقوق الله، ولم يقم الحدود الشرعية التي فرضها الله تعالى على كل من انتهك حقًا من حقوق الله مثل العبادات من صيام وزكاة وصلاة وحج فإنه يصنف بالأمام الجائر الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عن علي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر وليس له نصير ولا عاذر فيلقى في جهنم فيدور في جهنم كما تدور الرحا، ثم يرتطم في غمرة جهنم» (الشريف الرضي9/461).
لذلك لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا إلى اليمن قال: يا معاذ إن أهم أمر عندي الصلاة «وهي حق من حقوق الله»، وكان عمر يكتب إلى عماله: «إن أهم أموركم عندي الصلاة فمن حافظ عليها حفظها وحفظ دينه، ومن ضيعها كان لما سواها من عمله أشد إضاعة».
ونستطرد معًا لنجد أن رسول الله حث على إقامة حدود الله فيقول:
«حد يعملُ به في الأرض خيرٌ لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحًا»(النسائي (:4905. ويقول السيد سابق حول حد تارك الصلاة:
«الأحاديث ظاهرها يقضي كفر تارك الصلاة وإباحة دمه، ولكن كثيرًا من علماء السلف والخلف منهم أبو حنيفة، ومالك والشافعي على أنه لا يكفر، بل يفسق ويستتاب فإن لم يتب قتل حدًا عند مالك والشافعي وغيرهما. وقال أبو حنيفة: لا يقتل، بل يعزر ويحبس حتى يصلي».
بعد هذا الإسهاب تعجب لدعاة الدولة القومية حين يقولون: الحرية الشخصية «في مسألة العبادات» إنما تترتب عليها مسؤولية... يعني حين لا تصوم أو لا تصلي ما شأن الدولة في هذا».
ويقدمون حججهم في ذلك في قول الله تعالى:
﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم﴾ (الغاشية: ٢٥-٢٦) ويقول للنبي ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ (الغاشية: ٢٢) فالنظام الديني في الإسلام أن المسألة التي يكون فيها الحساب لله وتكون المسؤولية مسؤولية فردية طلب إلى النبي ألا يتخذ خطوة في سبيل محاكمة هؤلاء الناس، إنما يتركهم إلى الله فالحرية هنا إلى جانب المسؤولية متكاملتين».
هكذا يحملون الآيات القرآنية بمالم تأت به من مفاهيم، يدعون أنها من الكتاب وهي ليست كذلك، نعم إن النبي ليس له سلطان على هداية من أحب، حيث يبين الله تعالى أن الله يهدي من يشاء لكن هذا لا يعفى ولي الأمر من محاربة الكفر بجميع صوره وإقامة حد القتل على كل كافر جاحد بآيات الله مكذب برسالة رسوله، فقد روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نضرب بهذا- يعني السيف- من عدل هذا- يعني المصحف- ونختتم هذا البحث بقول الله تعالى ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: ٧٨)
•من محاضرة الدولة القومية والتيارات الدينية د. محمد خلف الله ألقاها في جمعية الأدباء الكويتية