; خطباء المساجد في الميدان | مجلة المجتمع

العنوان خطباء المساجد في الميدان

الكاتب د. عمر سليمان الأشقر

تاريخ النشر الثلاثاء 28-أكتوبر-1975

مشاهدات 76

نشر في العدد 272

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 28-أكتوبر-1975

خطباء المساجد في الميدان كان الحديث الدائر بين زملائي المدرسين في طليعة اليوم الدراسي الأول من الأسبوع حول بعض خطباء المساجد وبما أننـي خطيب جمعة في مسجد فقد شد انتباهي حديثهــم. لقد كانوا يركزون في حديثهم على أولئك الخطباء الذين لا يجيدون في خطبهـــم إلا شتيمة الحاضرين والغائبين من المسـلمين متهمين إياهم بالعجز والفسق والفجور، ولا تنتهي الشتيمة إلا بتوجيه سهام النقد والتبكيت إلى السامعين وغير السامعين، وينتهي الأمر بدعوة المصلين إلى أعمـــال هي إلى الخيال أقرب منها إلى الحقيقة، وقد ذكروا نماذج لأمثال هذه الخطب التي تردد في كل أسبوع لم يكن هذا الهجوم من هؤلاء الزملاء هو الهجوم الوحيد على بعض الخطبــاء، بل قرأنا في أكثر من صحيفة يومية أكثر من هجوم على هـؤلاء أسف بعض الكاتبين فيها إسفافًا شديدًا ووصفوا الخطباء فيهـــا بما لا يليق أن يقال. فما هي دوافع هؤلاء الناقدين؟ وما الذي ينقمونه على الخطباء؟ وكيف يكون العلاج؟ الدوافع لا أشك أن دوافع الناقدين متباينة: فصنف من الناقدين سليم الطوية صافي النية يسمع خطباء فيجدهم دون المستوى الذي ينبغي أن يكونوا فيه يرددون كلامًا لا روح فيه، فيأسفون ويألمون ويشكون من هذه الحال، ويرجون أن يتبدل الأمر إلــى حال أفضل، لما يرونه من أهمية الخطبة في توعية المسلمين وتثقيفهم وأحسب أن زملائي المدرسين من هذا الصنف وصـنف آخــر: حاقد على الإسلام اتخذ الهجوم على الخطباء والعلماء غرضًا يستر به التهجم على الدين نفسه، وهذا أسلوب عرف به أتباع ماركس ولينين، وضحايا الغزو الثقافي الاستعماري، وقد استعمل هذا الأسـلوب غير هؤلاء من الحاقدين على الإسـلام. وصنف ثالث: ليس من الفريق الأول ولا الثاني، بل هم ببغاوات يكررون ما يسمعونه من نقد بدون أدنى تفكير. أين الخطباء من هذه الحملة؟ ومهما تعددت الدوافع التي تدفع إلــي هذه الحملة فلن يؤثر في الحقيقة، وعلينا أن نجيب على التساؤل: هل الخطباء جميعًا مبرؤون مما يقال فيهم من أنهم ليسوا أهلًا للخطابة وأنهم يطرقون موضوعات هي لأهل العصور الخالية… إلخ؟ أقول: إن تعميم الحكم في هذه القضية ظلم شنيع، وتبرئة الجميع مخالف للواقع. فالذي نعلمه أن في الكويت فئة جيدة من الخطباء، ولا ننكر أن من الخطباء من ليسوا أهلًا لأن يكونوا في مثل هذا الموضـع. أتنهى عن خلق وتأتي مثله؟! لقد عاب الناقدون خاصة الكتاب عــلى بعض الخطباء الإغراق في وصـف الـــداء والسباب والشتيمة من غير أن يصفوا العلاج الناجع. وانساق الناقدون في وصف حالة الخطباء ناظرين إليها من الجانب المظلم فقط متجاهلين الصالحين منهم ومع ذلك كال بعضهم السباب والشتم لهم ولم يضعوا يدهم على موطن الداء ولم يقدموا الحلول لهذه المشكلة فوقعوا في العيب الذي عابوه. موطن الداء: 1-الجهل: 2- فبعض الخطباء بضاعتهم في العلم مزجاة وأقصد بالعلم هنا العلـم الإسـلامي الناصـع الصافي المأخوذ مـــن الكتاب والسنة، فترى بعضهم لا يجيد قراءة الآيات القرآنية من الخطبة المكتوبة ومنهم من يورد الأحاديث الضعيفة فـــي تضاعيف الخطبة، بل قد يقرر الخرافـــة ويدعو إليها… إلخ. 3-ضيق الأفق: وهذا جانب آخر فسعة الأفق أمـر ضروري للخطيب الناجح، سعته: فـــي التصور والفهم ومتابعة المشاكل العالمية، وقضايا المسلمين، والأحداث التي يمر بها العصر الذي يعيش فيه المسلمون.. 4-الأداء الضعيف: قد لا يحسن البعض النطق الصائـــب، ولا الأداء السليم، واختيار الألفاظ المناسبة لحال السامعين، وكل هذا يحول بــين السامعين وما يرمي إليــه الخطيــب، فيبعدون عنه بفكرهم إذ لم يستطيعوا متابعته وقد يغطون في نومهم. 5-الموضوعات: اختيار الموضوع المناسب ذو أهمية كبيرة في الخطبة الناجحة، فكلما كان الموضوع المتحدث فيه له علاقة بالمخاطبين كلمـا شـد الأسماع إلى الخطيب، وبعض الخطباء قد يتناول خطبًا كانت صالحة لعصور خلت ولكنها لا تصلح لعصرنا الحاضر.. وقـد يكون الموضوع صالحًا لمسجد دون مسجد ولبلد دون بلد وفي وقت دون وقت مهمــة الخطيب أن يتبين قدر جهده الموضوعات التي تصلح للذين يتحدث إليهم «فلكل مقام مقال» 6-السباب والشتم: وهو أسلوب يلجأ إليه من قلت بضاعته، وهذه الطريقة لا تصلح النفوس ولا تغرس الفضائل والقيم والطريقة السليمة أن يعرف المسلمين بالداء ويصف لهم الدواء ويكشف عن ذلك كله بالأسلوب المبين فإذا أحـس أثناء الوصف إلى اللفظ الحازم والوصف اللاذع الذي يقتضيه الموضـــوع فلا بأس بذلك. أما أن يكون السب والشتم مـــادة الخطبة فلا لأن الرسول صلى اللـه عليـه وسلم قال «لم أبعث لعانا…» سبيل الإصلاح: إصلاح هذا الجانب يكون بإدراك الأمر على وجهه والعمل الجاد للإصلاح ومما يعين على ذلك: 1-تقليل عدد المساجد التي تقام بهــا الجمعــة: فالحي الواحد تقام فيه مساجد عدة كي تؤدى بها الصلوات اليومية، على أن يكون في وسطها مسجد كبير تؤدى فيه صـــلاة الجمعة، وإلا فما مزية الجمعة على غيرها إن أقيمت كما تقام الصلوات اليوميــة، والجمعة لها من اسمها نصيب فهي العدد الكبير الذي لا يجتمع في الصلوات المفروضة وبذلك يسهل على الوزارة المختصة أن تهيئ فئة ممتازة يتصدون للخطابة في تلك المساجد التي تقام فيها الجمعة. 2-تحسين المستوى العلمي والثقافي للخطبـــاء: بأن تكون لهم دورات تعالج الجوانب التي يحتاجون إليها في هذا الجانب. وقد قامت وزارة الأوقاف بفتح معهــد للخطابة والإمامة تخرجت منه دفعات مـن الأئمة والخطباء ثم افتتحت معهدًا لتحفيظ القرآن ولا ننكر ما لهذين المعهدين من تأثير ملموس في رفع مستوى الأئمة والخطباء، ولكنني أرى أن تحقق الفكرة في نطاق أضيق وبطريقة أجدى، وذلك بأن يختار أفضل الموجودين من الأئمة والخطباء من حيــث الذكاء ومدى الاستعداد والقدرة على النمو والتكامل، وتكون هذه الفئة المختارة موضع عناية الوزارة بأن تقام لها دورات علمية وثقافية وتوجيهية حتى تصبح في المستوى المطلوب.. أما الذين ليس لديهم القدرة على النمو أو نموهم بطيء فإن تهنئتهم لهذا الميدان سعي في غير مكانه، إذ الخطابة موهبة واستعداد وعلم وثقافة... أي هي حصيلة أمور كثيرة يجب أن تتوفر في المتقدم لها أو عنده استعداد جيد لها حتى يمكن أن يرقى إلى درجة الخطيب الناجح. 3-احترام الخطباء والأئمة وتقديرهم: يجامل الكثير من الخطباء والأئمة المصلين والسامعين لأنهم يعلمون أن الشكاوى قــد تطوح بهم بعيدًا خاصة إذا كان الإمام غير كويتي والشاكي كويتيا وهذه المسألة يجب أن يوضع لها حد فمراعاة أذواق المصليـن وأهوائهم أمر لا يمكن إدراكه وقـد آن للمسؤولين أن يقفوا بجانب الحـــق في القضايا التي تحدث بين الأئمة والمصلين، لا أن يكون الأمام أو الخطيب هو الكسيــر الجناح فيستسهل نقله مرة ومرة ومرة وقد يكون هو المحق... هذا التصرف يجعــل الخطيب أو الإمام لا يشعـر بالحماية والأمن وبذلك يندفع إلى تملق أهــواء المصلين وإرضائهم. وبعد: فإنني لا أزعم أنني أحطت بالمشكلة من كل جوانبها وحسبي أن ألقي ضوءًا علـه يساهم في العلاج ويكشف طرفًا من هذه القضية ومعذرة للإخوة الخطباء فما قصدت إلا الخير والحق أحق أن يقـــال والله المستعان.
الرابط المختصر :