; الديموقراطية لعبة | مجلة المجتمع

العنوان الديموقراطية لعبة

الكاتب راشد السالم

تاريخ النشر الثلاثاء 19-مارس-1985

مشاهدات 74

نشر في العدد 709

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 19-مارس-1985

الديمقراطية كنظام سياسي أو وسيلة للمشاركة الشعبية في اتخاذ القرار، أصبحت في العصر الحديث لفظة محببة ومقياسًا لصلاح أنظمة الحكم من فسادها عند مختلف الشعوب، ولدى ذوي المذاهب السياسية المختلفة.. فهناك الديمقراطيات الغربية الرأسمالية والديمقراطيات الشعبية الاشتراكية.

وفي المجتمعات الإسلامية أصبحت لفظة الديمقراطية شعارًا يُرفع ومطلبًا يتمنى الجميع تحقيقه بغض الطرف عن مدى صواب الديمقراطية كنظام وصلاحيته للتطبيق في هذه المجتمعات، خاصة وأن الجميع يؤمن على تفاوت بتفرد النظام السياسي الإسلامي وكماله. ومطلب الديمقراطية بمعنى حقوق المشاركة السياسية لم يعد حكرًا على التيارات الفكرية المتأثرة بالغرب أو الشرق فحسب، بل أصبح مطلبًا لدى معظم تيارات الفكر الإسلامي وجماعات الدعوة الإسلامية.

ظاهرة الثمانينيات

والشاهد على ذلك مشاركة التيارات الفكرية والسياسية المختلفة بهمة ونشاط في انتخابات المجالس الشعبية أو الاستشارية التي شهدت المنطقة عودتها للعمل منذ مطلع الثمانينيات.

ولعل تطبيق هامش من الديمقراطية يختلف من بلد لآخر من أهم الظواهر التي صاحبت عقد الثمانينيات، خاصة وإن إحياء المجالس الشعبية لم يقتصر على البلدان التي طبقت ذلك كالأردن ومصر والكويت والعراق، بل جرى الإعلان عن النية لخطوات مشابهة في بعض الدول الأخرى كالسعودية والإمارات والبحرين وغيرها. والحقيقة أن إحياء المجالس الشعبية المصحوب بهامش آخر من الحريات يعتبر ظاهرة صحية على أية حال، وخاصة بالمقارنة مع عقد السبعينيات الذي تميز بوأد الحريات ومصادرة الحقوق وتعدي ذلك للتعذيب والسجون والمعتقلات والاعتداء على الأعراض والممتلكات ولكن هل إحياء المجالس الشعبية في المنطقة العربية على التباين فيما بينها يعتبر توجهًا ديمقراطيًّا صحيحًا؟

المدقق في الظاهرة يجد أن لها أسبابًا تجعلها لا تزيد عن كونها لعبة، وإذا كانت الديمقراطية كما وضعها أهلها لعبة تستخدمها الأغلبية أو الأحزاب القوية لإضفاء طابع الشرعية على سلطانها بشكل معقول ومقبول، فإنها في منطقتنا العربية لعبة كذلك، ولكنها لعبة مختلفة. إنها لعبة ليس فيها مخاطرة فالغالب معروف ومقصده معروف مسبقًا. وإذا كان الأمر كذلك، وهو كذلك فعلًا، فلماذا اللعبة؟ ولماذا يلعب اللاعبون؟

اللاعب الرابح هو هذا النظام العربي أو ذاك على تباين بالطبع من حيث المشرب أو الانتماء. وتلجأ الأنظمة للعبة الديمقراطية لعدة أسباب:

ديمقراطية على المقاس

  • لأنها هي التي تحدد لباس الديمقراطية وتفصله بالمقاس الذي يعجبها أو يُقال لها أنه لباس جميل، وهي بهذا الوجه ليست كالديمقراطية في المجتمعات الرأسمالية الغربية حيث إن الديمقراطية هناك هي التي تأتي بالنظام على العكس تمامًا، لما يحدث عندنا نحن معشر العرب أو معشر العالم الثالث.

أما عن ضمانات الحفاظ على مقاس الديمقراطية المطلوب فيتم بأساليب مختلفة. يتم عن طريق الحزب الواحد أو الطائفة أو الولاء القبلي أو الإغراء والإغواء.. وقد يكون بتقسيم الدوائر الانتخابية أو التوازن بين التيارات والقوى السياسية المتنافسة. ففي حالات كثيرة مضت أو ما تزال قائمة تتمثل الديمقراطية الممنوحة في صراع جانبي يشتد أواره حينًا ويخف حينًا آخر بين هذا التيار السياسي أو ذاك، أو هذا التيار الفكري وذاك، ويتوهم الناس أنهم بخير ويمضي الركب آمنًا مطمئنًا خاصة وأن عيونه على الشعب بالمرصاد.

  • وتلجأ الأنظمة للعبة الديمقراطية لأنها بدأت تشهد حالة من الاستقرار سواء من جاء منها بالوراثة أو الملك أو عن طريق انقلاب عسكري.. الأمر الذي ينعكس على تنامي الوعي الشعبي وتزايد مطالبته بالحريات والحقوق السياسية. الأمر الذي يجعل هذه الأنظمة تلبي بعض تطلعات الشعب طمعًا في ولائه أو بالأحرى عدم غضبه إلى الحد الذي يجعله يخرج على الإمام.
  • وتلجأ الأنظمة لهامش الديمقراطية كذلك لأنها أدركت من واقع التجربة أن البطش والإرهاب الذي سلط على رقاب الشعب منذ فجر عهد الاستقلال لم يفد في اجتثاث التيارات الفكرية والسياسية التي تعتبرها الأنظمة «متطرفة» أو «هدامة»، بل على العكس من ذلك تمامًا وخاصة بالنسبة للحركة الإسلامية فقد وجدت الأنظمة العسكرية الديكتاتورية بشكل خاص أن البطش والإرهاب لم يزدها إلا منعة وقوة وانتشارًا.

ووجدت أنظمة الحكم المستقرة نسبيًّا أن شعوبها بدأت تنمو ثقافيًّا وسياسيًّا بفضل امتزاجها بالمجتمعات الأخرى، خاصة وأنها عمدت إلى ابتعاث شبابها للدراسة في الغرب الأمر الذي جعل هذه الأنظمة تفكر في زمن راجت فيه أفكار «الواقعية»، «والمرونة» بإعطاء هامش من الديمقراطية يحفظ لها تأبي الناس عن الخروج عليها.

  • وأخيرًا تلجأ الأنظمة للديمقراطية «اللعبة» وربما يكون هو السبب الأهم وهو الإصغاء والاستجابة لنصيحة من أنظمة الحكم الغربية الحليفة أو الصديقة، كما ذكر تقرير المعهد الدراسات الاستراتيجية بلندن في أوائل الثمانينيات.

أما اللاعبون الآخرون وهم الأحزاب والقوى السياسية التي رحبت وشاركت ممنونة في لعبة المجالس الشعبية وخاصة الحركة الإسلامية فلهم أسبابهم الخاصة.

حرية بعد كبت

  • فلقد أدركت معظم التيارات السياسية والفكرية أن هامش الديمقراطية الممنوح لها مهما كان صغيرًا فهو خير بالتأكيد من الكبت والملاحقة ومصادرة الحريات. وكما يقول المثل عصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة وسيف خشبي في اليد غير من مهند مصقول لا يأتي.
  • وقد وجدت بعض التيارات وبالأخص التيار الإسلامي أن هامش الحرية الممنوح بالرغم من ضيقه إلا أنه الجو الصحيح الذي تنبت فيه شجرة الدعوة الإسلامية، كما أنها وجدت نفسها في بعض الحالات كمصر مثلًا مجبرة على ارتداء زي غير زيها للاستفادة من هامش الحرية الذي نتج من لعبة الديمقراطية.
  • والحرية بلا شك هي مطلب كل مذهب فكري مخلص، ومنية كل إنسان سوي فقد خلق الله الإنسان حرًّا وطلب إليه أن يعيش حرًّا وأن يموت من أجل أن يكون حرًّا.. ولله در ابن الخطاب- رضي الله عنه- عندما قال قولته المشهورة «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا».

وإذًا فاللاعبون كل له دوافعه الخاصة للمشاركة في اللعبة، ولكن هل تستمر اللعبة هكذا مضمونة النتيجة مرسومة الأهداف؟

حذار من الغفلة

إننا نؤمن ونأمل أن تتطور اللعبة نحو الأفضل والأكمل، ولكننا من واقع التجربة المريرة لا نملك إلا أن نقول بأن الديمقراطية في ديارنا العربية ما زالت لعبة بأيدي الحكام يلعبونها كيفما شاءوا ومتى أرادوا...

والخوف كل الخوف أن تغفل التيارات الواعية وبالأخص تيار الحركة الإسلامية في لذاذة الحرية بعد طول كبت وقهر، وفي خضم التنافس مع التيارات الفكرية الأخرى، نخشى أن تغفل الحركة الإسلامية عن ميدان عملها الأساسي وهو الدعوة إلى الله ونشر الفكر والخلق الإسلامي في أوساط الشعوب المتلهفة لذلك...

وعلينا أن ننتبه للمصيدة ولا نغتر بسراب خادع.

ولا يعني هذا أبدًا أننا ندعو لعدم المشاركة السياسية في حدود الهامش الذي تسمح به اللعبة الديمقراطية، بل ذلك ما يجب أن نتمسك به في كل الظروف، ولكن الذي نريد أن ننبه إليه أن ننشط في ميدان الفكر والعمل والتوعية الشعبية العريضة وألا يقتصر العمل على التنافس السياسي الذي صاحب المعركة الانتخابية في أكثر من قطر عربي.

الرابط المختصر :