العنوان المجتمع التربوي (1492)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 16-مارس-2002
مشاهدات 57
نشر في العدد 1492
نشر في الصفحة 54
السبت 16-مارس-2002
خواطر عائد من الحج.
قال لي الأخ الكشميري بعد انتهاء الصلاة: نحن قلقون على المسلمين في مصر وتركيا.
هل تبيت على هم المسلمين؟ وهل اعتبرت من فعل أهل العزائم؟
د. حاتم شلبي
انتهى موسم الحج، وعاد كل حاج بحصيلة وافرة من الخواطر والذكريات وتمر الأيام، لكن مذاق هذه الخواطر والذكريات يبقى ملتصقاً بالقلب والذاكرة لا يغادرهما طوال الحياة.
هذه خواطر وانطباعات عائد من رحلته النورانية لأداء هذه الفريضة... ندعو الله سبحانه وتعالى أن يكون الحج وسيلة لتوحيد ثقافة المسلمين، وتقريب أرواحهم ومشاعرهم، وجمع كلمتهم وصفوفهم.
هل تعاهدني على الرجم؟
بينما اعترتني رهبة شديدة وأنا أرى الزحام الهائل في اليوم الثاني لأيام التشريق بعد الزوال أخذت أخاطب ربي سبحانه وتعالى: «اللهم إن هذا امتثالاً لأمرك وهدي نبيك ﷺ وتمثلاً لفعل نبيك إبراهيم مع الشيطان وهو يوسوس له» وكنت أتلو طوال سيري من العزيزية إلى الجمرات بمنى آيات عداوة الشيطان وكيده وأحاول قذفها في قلبي وإيجاد أكبر قدر من التأثير لها في نفسي ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (فاطر: 6)، ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (يس: 60) وأردد بعد ذلك كل ما ورد من صيغ الاستعاذة من الشيطان الواردة أو المأثورة «بسم الله ذي الشأن عظيم البرهان شديد السلطان ما شاء الله كان أعوذ بالله من الشيطان، أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ......».
عند اشتداد الزحام وأنا أقدم على موقف فيه مظنة الهلكة خاطبت نفسي، والرهبة تتملكني: «أنت مصر مع ذلك على إتمام الرجم برغم كل هذه الصعاب والمشاق واحتمال الهلاك، بينما عندما يأتيك الشيطان وأنت في راحة ورخاء لا ترجمه أو ترد عن نفسك خواطره ووساوسه، وقلت لنفسي هل تعاهدينني على الرجم؟ هل تعاهدينني على ذلك طوال حياتك الباقية؟».
توقفت و سألت الله العون على ذلك واستعنت على شدة الزحام بـ«لا حول ولا قوة إلا بالله» عشر مرات عند كل رجمة صغرى ووسطى وكبرى وقلت لنفسي: إن عاهدت على الرجم فامضِ فإنك إن مت فأنت تعرف ما فعلت.. ووقفت بعد خروجي سالماً أدعو لنفسي وأولادي وأهلي وذريتي وأولاد المسلمين أن يقينا الله همزات الشياطين، وأن يرزقني الوفاء بذلك العهد.
كيف تبيت لأتألم لألمهم؟
بینما كنت أجلس ببيت الله المحرم، إذا بوجه باش يقبل عليَّ بعد أن ضمتنا صفوف الصلاة، قدماً بقدم، وكتفاً بكتف، وقلباً بقلب.. وسألني بعد أن بادرته بالتحية: من أي البلاد أنت؟ أمن مصر؟ فقلت: نعم؟ ومن أين أنت؟ فقال: من كشمير؛ فاعترتني هزة تحمل ألم الجرح الغائر في كشمير، ولم أمنع عيني أن تتملى بنظرة من الحب والحنين بوجهه وكأنني أحتضن في نظرتي کشمیر كلها بعجائزها المثقلين وأطفالها المكلومين، وكأن جلوسي إليه صار بلسماً يلطف جرحي. سألني دون مقدمات: كيف حال الإخوان المسلمين في مصر؟ ولماذا كل هذا الإيذاء وهذه المحاكمات؟ إننا قلقون عليكم في مصر وفي تركيا قلقاً شديداً، ملكت كياني رجة كبرى لم أستطع إخفاءها وعجبت لهذا المشمر الذي يدير معركة جهاد في كل الميادين فكرياً وتربوياً وعسكرياً ويعاني أهله الأمرين ويضامون في أموالهم وأعراضهم ومع كل ذلك يعيش هو وإخوانه قلقاً على مصر وتركيا!!.
قلت في نفسي: كم من الناس يدّعي الإسلام ولا يلقي لكشمير ولا بورما ولا الشيشان بالًا، وقلت لنفسي أيضاً: كيف طاوعتك نفسك على أن تبيت ليلة لا تألمن لألمهم؟ طمأنته وقلت له: برغم كل ما يعاني الإخوان المسلمون في مصر وغيرهم من الأحرار فالأوضاع في مصر غير تركيا بكل تأكيد. والإسلاميون وخاصة الإخوان في مصر لهم مكتسبات على أرض الواقع وفي نفوس الشعب المسلم الكريم، وكلنا أمل بأن الله لن يضيعنا، وسيمضي وعده غاية البذل مع الإخلاص والتجرد.
وقلت له: هل قرأت للإخوان؟ ومن تعرف منهم؟ فقال: أعرف البنا وقطب وعودة وقرأت كل كتبهم فعرفت كم لحمتنا قوية صلبة، وعرفت اسمه وسألته: أتعرف ورد الرابطة؟ فقال: نعم، فتعاهدنا ألا ينسى أحدنا الآخر عند الغروب، وأن يدعو لأخيه بظهر الغيب، وأوصاني بالدعاء للمجاهدين في فلسطين وطمأنني على جهادهم وعزمهم ألا يتركوه حتى التحرير أو الشهادة، وافترقنا بالأجساد ولكن قلبي لم يفارق تلك المشاعر التي أودعها لقاؤه في، فهل تبيت معي على هم المسلمين وتدعو لهم وتستشعر أخوتهم ولحمتهم؟
هل تراك متخففاً؟ نظرت لفعلنا في الحج وأيامه المباركة، التي كنا نستكثر فيها على أنفسنا وقت النوم والطعام وقضاء الحاجة، ونستعذب المشقة رجاء المثوبة ونصرف عن نفوسنا خواطر الدنيا ونزعاتها وقلت: هل تعود فتشمر وتتخفف؟ هل تتذلل إلى الله وتطلب منه أن يجعل كل حياتك مثل أيام الحج تخففاً من الدنيا ومتعها واستثماراً للوقت رجاء المثوبة، وبذلاً للجهد طلباً للرضا؟
هل تعود ذاكراً؟
رأيتنا في عرفة نرطب ألسنتنا بذكر الله ودعائه وحمده والثناء عليه ونكثر فيه وفي غيره من الأوقات من تلاوة القرآن وحفظه ومراجعته والاستغفار والتوبة وسؤال الله بلهفة وتذلل: اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وقلت لنفسي: هل تعود لتجفو ذلك كله؟ هل ترتد خاسراً على عقبيك؟ فرجوت الله الثبات ومداومة الذكر وسألته العون والتسديد.
هل تراك عوناً للناس محتملاً أذاهم محباً للخير لهم؟
رأيت مشاهد من العون كما رأيت مشاهد من الجفوة، فأحببت أن أغلب في نفسي مشاهد العون والتناصح والرحمة ورأيت كيف يرفعها أهل الخير من الناس «خير الناس أنفعهم للناس»، وتذكرت الصحابي الجليل الذي تصدق يوماً على المسلمين بعرضه حين لم يجد ما يتصدق به وتذكرت وصية الأخ عمرو خالد أن يذهب الواحد منا الداعية متصدقاً بجسده وما يعاني على المسلمين فاستغفرت الله أن قابلت الإساءة بالإساءة، أو طلبت لنفسي القصاص عند الضرر، وعرفت أن عليَّ أن أقابل كل فعل بالإحسان إكراماً لمن جئنا من أجله سبحانه وتعالى، وتعلمت ذلك عملياً من أحد الحجاج الكرام جزاه الله عني خير الجزاء. وعلمني آخر حين آثرني بمجلسه في الروضة الشريفة لأصلي بها حين لم أجد موضعاً، كيف تحب للناس الخير وتعمل بقوله صلى الله عليه وسلم: «ولا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، فاطمأننت لتلك الخيرية التي شهد بها حبيبنا ﷺ لأمته إلى يوم القيامة.
حتى لا تعتذر
بحكم عملي كطبيب، سئلت أكثر من مرة من أصحاب أعذار عن مقويات من العلاج أو الدواء ليؤدوا المناسك وهم مرضى مثقلون وعرفت عن بعض النساء تناولهن لأقراص تمنع عنهن ما عذرهن الله به، وكيف يلححن على ذلك رجاء تمام المناسك وأداء الواجبات، فقلت لنفسي: هل لك بعد ذلك من عذر؟ وتذكرت قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ ( القلم: 43)، وقلت: ما ترك أهل العزائم لنا من عذر وليتنا نعتبر فنؤدي هذا الأداء في كل موطن يرجوه الله لنا، من امتثال للطاعة وانتهاء عن المعصية.
هل عرفت نفسك؟
بين كل المشاهد، وفي جميع الأوقات كنت أحاول أن أتعرف ضعف نفسي وأداءها في مختلف المواقف وعرفت فيها بعض ما أعانني الله عليه من الخير وعرفت منها بعض ما دفعتني إليه من الشر، فوقفت وعددت الخير لأسأل الله التوفيق إلى المزيد منه وعددت الشر سائلاً الله العافية والعون والتسديد على السلامة من فعله واقترافه.
كن سيد نفسك
تناول السلف الصالح والتابعون النفس الإنسانية بالدراسة والتحليل، فتوصلوا إلى أنواع عدة لها مستعينين بالكتاب والسنة ووجدوا أنها:
النفس اللوامة:
قال تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ (القيامة: 2) هي التي تلوم على ما فات وتندم فتلوم نفسها على ما فعلته من الشر، وعلى الذي لم تفعله من الخير.
٢ – النفس الأمارة بالسوء:
يقول تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (يوسف: 53) أي لا أزكي نفسي ولا أنزهها، فإن النفس البشرية ميالة إلى الشهوات.
٣-النفس المطمئنة:
يقول تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (الفجر: 27-29).
وقد أودع الله عز وجل النفس بعض الصفات منها: القدرة على التكليف، التطويع، الوسوسة، والتسويف.
والنفس الإنسانية في حاجة دائمة إلى التقويم والتربية والتي من أول وسائلها الخوف من الله عز وجل، فإن الإنسان إذا خاف الله تعالى لن يفعل ما يغضبه، وكذلك تشجيع النفس بالخير المعد لها في الآخرة، ومكابدة النفس، وجهادها والتقرب إلى الله تعالى بالنوافل، والإكثار من قراءة القرآن الكريم، والتدبر في آياته والعمل بما جاء فيه وحفظ الجوارح، كما أن صلاح القلب متعلق بصلاح هذه الجوارح لقول الزاهد أحمد عاصم الأنطاكي: «إذا أردت صلاح قلبك فاستعن عليه بحفظ جوارحك».
وكذلك التمثيل للنفس، فإنه من طرق التربية والتأديب، وذلك عن طريق التصور، فلقد كان عابد الكوفة القدوة التابعي إبراهيم التميمي يقول: «مثلت نفسي في الجنة.. آكل من ثمارها، وأشرب من أنهارها وأعانق أبكارها، ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها وأشرب من صديدها، فقلت لنفسي: أي نفس: أي شيء تريدين؟ فقالت: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحاً قلت: فأنت في الأمنية فاعملي».
وهكذا نجد أن الإنسان بتدريبه نفسه يسمو بروحه، ويكسب دنياه وآخرته، ويترك أثراً طيباً في دنياه ويصبح قدوة للناس والأهم من ذلك أنه يكون سيد نفسه.
أما أولئك الذين لم يتعهدوا نفوسهم بالتربية فلن ينالوا سوى الخيبة والخسارة في الدنيا والآخرة لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (الشمس: 10).
منى محمد إدريس- ماليزيا
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل