; 3 ورطات تهدد مستقبل عرفات السياسي | مجلة المجتمع

العنوان 3 ورطات تهدد مستقبل عرفات السياسي

الكاتب هشام العوضي

تاريخ النشر الثلاثاء 10-فبراير-1998

مشاهدات 81

نشر في العدد 1287

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 10-فبراير-1998

فلسطين المحتلة

لندن: هشام العويضي

بالرغم من تزايد عوامل التعرية على عرفات وسلطته، فإن رئيس السلطة الفلسطينية يعول على ثلاث استراتيجيات لضمان بقائه السياسي وهي: أولًا: تقديم تنازلات مهمة "للإسرائيليين" على سبيل الحفاظ على شعرة معاوية، وثانيًا: التمسك بمواقفه كلما أمكنه ذلك، وثالثًا: تربص موعد الانتخابات "الإسرائيلية" القادمة علها تأتي بالعمل عوضًا عن الليكود، ومن المتوقع أن يبقى التوتر بين عرفات ونتنياهو على ما هو عليه العامين آخرين، مما ينذر باستمرار تصدع الثقة بين الفلسطينيين وسلطتهم بشكل يضيف العرفات استراتيجية رابعة ملحقة وهي إحكام قبضته البوليسية على الشعب قبل أن ينفجر ويسحب منه بساط الشرعية.

وربما أمكن اختزال تراكم «الورطات» المتعددة التي يعيشها عرفات حاليًا بشكل لم يعشه طيلة مجموع الـ ۲۸ عامًا في قيادة منظمة التحرير في ثلاثة محاور رئيسية حسبما ورد في تقرير صدر مؤخرًا عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية وهي:

١- ورطته مع "إسرائيل".

٢- ورطته مع حكومته ومجلسه التشريعي.

٣- ورطته مع حماس المتشعبة من ورطته مع الفلسطينيين أنفسهم.

بالنسبة "لإسرائيل"؛ فإن عرفات يقف اليوم عاجزًا عن أن يدير دفة المفاوضات باتجاه أوسلو بنفس المهارة والقدرة التي يديرها نتنياهو في الجهة المعاكسة تشهد على ذلك ثلاث سياسات "إسرائيلية" مهمة ومحورية لم يتمكن عرفات من أن يتخذ حيالها موقفًا قويًا باستثناء التصريحات المنددة المعتادة، وهذه السياسات هي:

 ۱- زيادة بناء المستوطنات على الأراضي التي احتلتها "إسرائيل" في حرب ٦٧ والتي ينص قرار الأمم المتحدة على عدم شرعيتها ووجوب الانسحاب منها وتشمل منطقتي جبل أبو غنيم وراس العامود في القدس الشرقية، ويهدف توقيت تزايد المستوطنات ومواقعها إلى قطع وعزل العاصمة برمتها من الضفة الغربية لتأكيد تبعيتها شرقًا وغربًا لليهود قبل أن تتم المفاوضات بخصوص القدس مستقبلًا، ولأن المستوطنات "الإسرائيلية" غير محصورة في القدس، ولأن السلطة الفلسطينية تتحكم في ٦٪ فقط من الضفة فالمجال مفتوح لأن تتوسع المستوطنات كالسرطان في الضفة نفسها لإحكام قبضتها على رقبة عرفات والشعب الفلسطيني الدرجة أن المراقبين يتوقعون أنه بحلول الانتخابات "الإسرائيلية" القادمة سيكون هناك حوالي ۲۰۰ ألف مستوطن يسكنون الضفة وعدد آخر في القدس الشرقية يجعل احتمال انسحابهم مستقبلاً ضعيفاً ولو جاء حزب العمل للحكومة.

٢- تخلي نتنياهو عن المزيد من سياسة الأرض مقابل السلام كناتج طبيعي عن سياسة التوسع في بناء المستوطنات، حيث لم يتم إلى الآن تطبيق ما اتفق عليه في أوسلو بخصوص المراحل الثلاث للانسحاب من الضفة ومن المتوقع أن تكون المرحلة الأخيرة في منتصف العام القادم والتي على أثرها ستتحكم السلطة الفلسطينية في ۹۰٪ من الضفة «بالحساب الفلسطيني» أو ٤٠٪ «بالحساب الإسرائيلي»، ولا يتوقع الكثير من المراقبين على ضوء الخطاب "الإسرائيلي" الحالي وجهود نتنياهو مع أولبرايت لترخيص المزيد من المستوطنات أن يتم الانسحاب المأمول، بل تستمر سلطة عرفات الذاتية على بقع صغيرة متفرقة في الضفة كماالحال الآن.

٣- الاستمرار في تطبيق سياسة تهجير الفلسطينيين من القدس بصمت وهدوء من خلال سن قوانين تشريعية تجيز حرمان ومصادرة الفلسطينيين من بطاقات العمل في القدس فيما لو غير العامل محل إقامته، ولا يستثني القرار "الإسرائيلي" الغامض الفلسطينيين الذين ولدوا وعاشوا حياتهم في القدس، لكنه يستثني اليهود وإن غيروا محل إقامتهم لأجل غير مسمى، وترمي السياسة "الإسرائيلية" بوضوح إلى إخلاء القدس بأقصى سرعة وأكبر قدر من الفلسطينيين قبل حلول موعد المرحلة الأخيرة للانسحاب المزمع وتسير السياسات "الإسرائيلية" الثلاث جنباً إلى جنب بنجاح هادئ حيال العجز العرفاتي والجهل الشعبي الفلسطيني بخفايا ما يجري.

وبالنسبة لورطة عرفات مع حكومته فلا تكمن فقط في الشخص الذي سيخلفه ولكن في تنامي الفساد على مستويات وزارية رفيعة جعلت البعض منهم يقدم استقالته من دون أن يقبلها عرفات في رسالة مستفزة تشير لرضاه عن الوضع القائم ولم تشفع استقالة حيدر عبد الشافي من المجلس التشريعي الفلسطيني في التذكير بوجود المجلس مهيمنًا على سير وسلوك السلطة الفلسطينية، على العكس زادته تهميشًا وتحييدًا، ويتوازى مع هذا التهميش تنامي مؤسسات الدولة البوليسية التي تحكمها عدة أجهزة أمنية نشر تفاصيلها أحد التقارير الغربية متوقعة أن تستمر المأساة السلطوية على ما هي عليه لعامين آخرين على الأقل.

أما بالنسبة لورطته مع حماس فلأن فضيحة «مشعل – جيت» جاءت في توقيت دل على أن "الإسرائيليين" حرصوا على إحراج السلطة الفلسطينية نفسها، ولم ينقذ فشل العملية عرفات من الإحراج أيضًا لسببين: أولًا أن الحادثة جاءت في الأسبوع نفسه الذي تعرضت فيه مؤسسات حماس للإغلاق بضغوط أمريكية و"إسرائيلية"، ولم تكن الـ ١٦ مؤسسة سوى هيئات خيرية مرخصة من وزارة الشؤون الاجتماعية لإعانة الشعب المنهار، الأمر الذي أثار الفلسطينيين أنفسهم قبل أن يثير قواعد حماس، وثانيًا: دخول الأردن وسيطًا بين حماس و"إسرائيل" لعلاج مشعل من المادة الكيماوية ومن بعدها إطلاق سراح الشيخ ياسين عوضًا عن وساطة عرفات، ولا ينظر عرفات لحماس على أنها بديل فعلي يهدد قيادته كما يهددها أبو مازن مثلًا لكنها قد تتحول لمصدر تهديد فعلي فيما لو أحكم قبضته مرة ثانية على الحركة أو في حالة إثارة استياء الفلسطينيين أنفسهم بعجزه المستمر حيال التعنت "الإسرائيلي"، وهذه هي ثلاثية ورطة عرفات.

الرابط المختصر :