العنوان آفاق في الثورات العربية الجديدة رؤية نهضة مصر «أم الدنيا» بناء رؤية أمنية جديدة لمصر محددات الرؤية الأمنية (٢)
الكاتب ا. محمد سالم الراشد
تاريخ النشر السبت 13-أغسطس-2011
مشاهدات 55
نشر في العدد 1965
نشر في الصفحة 8
السبت 13-أغسطس-2011
بعد أن ناقشنا في أعداد سابقة الأولويات الأربع.
سطرنا في العدد السابق الأولوية الخامسة، وهي بناء رؤية أمنية جديدة لمصر وتحدثنا عن مفاهيم الرؤية الأمنية وتكلمنا عن أهمية إعادة إنتاج المفاهيم الجديدة للرؤية الأمنية من تحرير مفهوم «السلطة» في الجهاز الأمني وإنتاج مفهوم جديد للولاء» وتحديث الانضباط»، وسنتابع في هذه الحلقة الحديث عن إعادة إنتاج بعض المفاهيم الجديدة للرؤية الأمنية، وسنتحدث أيضًا عن محدداتها.
واستكمالا للعدد السابق؛ فإن إعادة إنتاج مفاهيم جديدة للرؤية الأمنية بات أمراً معيارياً لبناء منظومة أمنية سليمة، فبالإضافة إلى ما سبق من مفاهيم نتابع ما يلي:
٤- تعزيز الإنسانية والرحمة في البناء الذاتي للمؤسسة الأمنية:
إن تجريد المؤسسة الأمنية من إنسانيتها؛ لتتحول إلى وحش يلتهم حقوق الإنسان المصري، ويستبيح دمه وماله وعرضه هو في حد ذاته خيانة للعمل الأمني وللأمانة التي أوكل إليها هذا الجهاز، وعادة ما تعزز المؤسسات الأمنية روح الإفراط في التوغل اللاإنساني في التصرفات والسلوك في مناهج إعداد الأفراد والضباط بما يصنع شخصيات المنتمين لهذا الجهاز على النحو الذي يسيغ استخدام العنف والتعذيب والإضرار بالناس.
إن إعادة صياغة مناهج وأدوات التدريب في الأجهزة الأمنية بما يعزز الرحمة والإنسانية في المرحلة القادمة من عهد مصر النهضة الجديدة، والتعرف على مبادئ حقوق الإنسان والحقوق الشرعية للإنسان في الشريعة الإسلامية لمن ضروريات الإعداد اللازم لرجال المؤسسة الأمنية، وفي التاريخ ما روي أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قد عزّر ابن عمرو بن العاص عندما كان والياً على مصر بعد فتحها ؛ بسبب ضربه لفتى قبطي «نصراني»، واستقدم «عمرو» وابنه، وطلب من القبطي ضرب الابن قائلا له: «اضرب ابن الأكرمين»؛ حتى لا يضيع حق إنسان على يد السلطة وأبنائها بالتبعية، وحتى أمن الناس حقوقهم ممن هم يفترض أن يكونوا حماتهم، وبات الناس في راحة وهناء وسعادة، وكان التعزير في بعض كتب الفقه لا يتجاوز ثلاث وبعضها عشر ضربات؛ لما في العقاب والتعزير في الإسلام من رحمة، ولما حد أحدهم في عهد النبي ﷺ، وهرب بنفسه من الرجم فإنه لم يطلب منهم تتبعه، بل إن محاولة تسمع عمر المجموعة من الرجال في نزل خاص بهم مجتمعين على معصية لم ينزل بهم العقاب؛ لأنه اختراق قواعد الخصوصية الشخصية والتي يمنعها الإسلام.
لذا فإن التعذيب في الإسلام محرم ومنع الضرب على الوجه، وأكد على التأديب بالحكمة ومنع رفع السلاح في وجه المسلم.
٥- الخدمة الأمنية من أجل المواطن:
إن إعادة مفهوم العلاقة بين المواطن ورجل الأمن مهمة أساسية، تبدأ أساساً برسم صورة ذهنية جديدة عن رجل الأمن الحقيقي الذي يجمع بين الحزم وأداء الخدمة والرحمة، فهو حازم بالقانون وفي إطار القانون ولا يخرج عن نظامه، وفي الوقت نفسه يبذل قصارى جهده لخدمة المواطن، لا أن يقوم المواطن بخدمة رجل الأمن بأن يقدم له المعلومات، ويسعى له بالنميمة، ويسانده في الغش والاحتيال.
لقد رسم رجال الأمن عبر عقود من الزمن، وبالممارسة العملية صورة ذهنية عن طبيعة الخدمة التي يقدمونها للمواطن المصري، فالمواطن المصري يُذل ويُهان وتُداس كرامته من أجل أن يحصل على جزء بسيط من حقه من أي مؤسسة أمنية حتى بات المواطن المصري يخشى على نفسه، ويتنازل عن حقه على أن يتقدم بين يدي المؤسسة الأمنية؛ ليطالب بحقه. إن إعادة صياغة مفهوم الخدمة الأمنية بأن يكون «رجل الأمن في خدمة الشعب» هو الأصل الذي يجب أن يسخر له جهود العاملين في المؤسسة الأمنية، وأن تقوم برامج الإعداد الأمني بالارتقاء بمستوى الخدمة فيها بما يعزز هذا المفهوم المهم، وينسج علاقة إيجابية بين رجل الأمن والمؤسسة الأمنية والمواطن المصري.
٦- الاصطفاء في التقليد والارتقاء:
منذ أن يتدرج رجل الأمن في المؤسسة الأمنية (منتسبًا ومتدربًا وخريجًا شرطيًا أو ضابطًا) تعتمد عادة المؤسسات الأمنية سلمًا معياريًا للارتقاء، ولوزن الحقيقة الأمنية لدى رجل الأمن وعلى أساسه يتقلد المهام والتدرج القيادي في المؤسسة الأمنية، وكثيراً ما تكون كما وصفنا سابقا قضية الولاء والانضباط أساساً للارتقاء والاختيار، وهذا أوجد تنافساً غير شريف لارتكاس الجهاز الأمني في تعزيز الأفضلية العصبية (السياسية، والحزبية، والمصلحية) على حساب الكفاءة والاقتدار والمبادرة والشجاعة والرجولة، واحترام الذات وحفظ الحقوق وتنفيذ القانون، والالتزام بالمبادئ الوطنية، وتقديم الوطن على القائد والمؤسسة، لذا فإن إعادة النظر في مصفوفة الاصطفاء للتقليد والارتقاء القيادي مرهون بأخلاق المؤسسة الأمنية الجديدة، والتي تضع لمعيار الأخلاق والكفاءة والاقتدار والمساواة في المنافسة القيادية لحساب الوطن بما يعزز روح الشرف والأمانة والصدق والتضحية وروح خدمة الوطن في رجال الأمن وقياداته.
محددات الرؤية الأمنية
وبعد أن تناولنا بشيء من الاختصار بعض المفاهيم الأمنية؛ لإعادة إنتاجها بشكل إيجابي للمصلحة القادمة في تأسيس رؤية أمنية جديدة، فإنه من المهم أن نتناول ماهية المحددات للرؤية الأمنية، أي ما هي المواجهات التي من خلال إطارها نستطيع رسم رؤية أمنية متكاملة لمصر النهضة.
أولًا: تحليل واقع المجتمع المصري وربط العلاقات والعناصر الرئيسة فيه:
لقد أوجدت النظم السياسية منذ عقود الحكم العسكري الدكتاتوري في مصر، وإلى اليوم واقعاً اجتماعياً وسياسياً سيئاً من الفقر والجريمة والبطالة والاستغلال ونقصان العدالة وانتهاب الثروات، وأوجدت حالة من الضياع الاجتماعي وتدهور الأمن النفسي والمعيشي بما خلف حالة من التحفز لثورة جياع وثورة بطالة وثورة ظلم، وقهر اجتماعي.
إن هذه الطاقة السلبية المستنفرة لأمراض الذات في نفوس ملايين من طبقات الشعب المصري، لا بد من أن يتم تحليلها بشكل سليم، إذ إن الجوع والمرض والبطالة وخوفه من المستقبل ومن التشرد والعيش في مواطن السفالة والعشوائيات؛ يخلق تيارات اجتماعية وموجات اجتماعية من الانقلاب على النظام الأمني والسياسي والاجتماعي بما يفتت طاقة المؤسسة الأمنية، ويلهيها عن واجباتها الحقيقية، ويستنفر كل جهودها لمعالجة تلك الحالات المتورمة والتي تنذر بانفجار رهيب يدمر الحالة الاجتماعية والأمنية في مصر الثورة، لذا فإن دراسة تحليلية للواقع ووضع مسارات الحركة المتكاملة مع المسار الأمني؛ لهي فريضة وضرورة لرسم رؤية أمنية جديدة لواقع قديم وجديد يتكرر.
ثانيًا: ضبط اتجاهات حالة الحراك المالي:
منذ عقود هناك تحالف بين السلطة السياسية المحتكرة للقرار السيادي وبين رجال أعمال محددين لا يتعدون مجموعة من المئات، امتلكوا المال في مصر بما أسس جرائم احتكارية للاقتصاد المصري، وملكية للمال والأصول العامة للدولة، وعمليات غسيل أموال وفساد مالي في المؤسسات الحكومية.
هذا الحراك المالي وضع أجهزة الدولة بما فيها الجهاز الأمني تحت تصرف حركة المال الفاسد، ورجـالـه، بل تم صناعة مؤسسات مالية وإدارية وتجاررية وإعلامية خادمة لهذه الطبقة.
إن وجود طبقة فاسدة تتحكم بحركة المال في مصر؛ لهو من أخطر التحديات التي تواجه نمو وصحة الاقتصاد المصري، والذي يفترض أن يبني نمواً عالياً في الإنتاج القومي، بل يخلق طبقات اجتماعية متوسطة ومحدودة، ويقلل من حجم الطبقة الفقيرة في المجتمع المصري، ويوزع الثروة والعمل والفرص بالعدالة.
إن هذا الجهد مهم؛ لأن ذلك يخلق فرصة إيجاد اقتصاد قادر على الاكتفاء الذاتي، ويوفر سبل العيش الكريم للمواطن المصري ويطعمه من جوع، يصنعه مسار الحراك المالي الفاسد.
ثالثًا: احتواء نتائج الاستراتيجية الأمنية الداخلية للعقود الماضية:
لقد ولدت الاستراتيجية الأمنية لعقود السلطة السابقة نتائج رهيبة وقمعية ومدمرة على المجتمع المصري، وانعكست تلك الاستراتيجية على أولويات غير حقيقية للأمن، وركزت على عدة اتجاهات مدمرة منها:
- تدمير الروح الوطنية في الشعب المصري، وتسخيره للنظام السياسي والأمني.
- تجزيئ المجتمع المصري بتوظيف الخلافات الطائفية بين المسلمين والأقباط بما عزز احترابًا طائفيًا مازال مستمرًا، ويشكل خطرًا بينًا وواضحًا لا تخطئه عين المصريين.
- تجسير العلاقة النفسية المعنوية بين المواطن المصري و«إسرائيل»، ومحاولة تطبيع الفكر الوطني لذلك.
- الارتهان لمفهوم الإرهاب الدولي الذي صنعته الولايات المتحدة على مدى ثلاثة عقود ماضية، بل ونفذت جزءاً كبيراً من أجندته، وخصوصا فيما يتعلق بعمليات
التعذيب واستنطاق المعتقلين.
- مواجهة التيارات الإسلامية، وتخويف المجتمع منها، وخـصـوصــا تــيــار الإخـوان المسلمين، بما خلق حالة احتراب قتالي كما حدث في السبعينيات والثمانينيات ومطلع التسعينيات مع الجماعات السلفية الجهادية بما أزهق أرواحاً، وتم سجن الآلاف من شباب مصر وشرد الآلاف منهم. - دفع ملايين من المصريين للاقتراب وهجرة العقول خارج مصر بما أوجد تفريغا فكريا وعمليا سبب حالة من التخلف والتردي في التعليم والتنمية والريادة. إن احتواء نتائج الإستراتيجية الأمنية للنظام السياسي السابق التي سجلت حالة من الشحن والخوف والتوتر والضحايا والآلام الجديرة بأن تكون أحد محددات الرؤية الأمنية المطلوبة.
يتبع العدد القادم
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل