; نحو وعي فقهي سياسي.. خاطرة من وحي الثورات | مجلة المجتمع

العنوان نحو وعي فقهي سياسي.. خاطرة من وحي الثورات

الكاتب سعد بن مطر العتيبي

تاريخ النشر السبت 02-يونيو-2012

مشاهدات 77

نشر في العدد 2005

نشر في الصفحة 39

السبت 02-يونيو-2012

في معرض حديثنا عن الثورات العربية، وفي سبيل وعي فقهي سياسي ثمة إشارات ينبغي ذكرها باختصار:
أولاها: الطغيان لا يدوم؛ لأن مبناه على الظلم الذي هو أهم أسباب سقوط الدول، وهو عكس العدل الذي هو أهم أسباب بقائها : وقد ذكر ابن خلدون أن الحكم الاستبدادي ( الطبيعي) سريع الانهيار بالنسبة لبقية أنواع الحكم، ونيه إلى أن الحكم العقلي كالديمقراطي) أطول عمرا، وزيادة عمره بقدر تأخره في التحول - مع الزمن - إلى حكم استبدادي، وأنه ما إن يدخل دائرة حكم الاستبداد حتى يكون أسرع إلى نهايته. ثانيها: أن الخيار السلمي في إنكار منكر الظلم والأمر بمعروف العدل هو الخيار الأصلح الأسلم في هذا العصر.
ثالثها: أن الطغيان لا يحتكم إلى شرع ولا إلى قانون، غير أن المسلم محكوم بدينه فلا يتخذ من الوسائل المحرمة وسيلة إلى الغايات وكم كان مؤسفا أن يقوم عدد من مواطني بعض البلاد العربية بإحراق أنفسهم، اقتداء بما جرى للشاب التونسي الذي أحرق نفسه لما لقيه من قهر وحنق، وربما قام بذلك جهلاً منه بالحكم الشرعي الذي يجرم الانتحار أو في حالة غضب عارم لم يشعر بعده ما يصنع وعلى كل حال، فأمره إلى الله، ولا نملك إلا أن نقول: يرحمه الله وعلى كل حال، فقد صحح الشعب التونسي الوسيلة، فانتقلوا إلى إحراق الطاغية بدل إحراق أنفسهم، كما يقول بعض المفكرين التونسيين؛ وذلك من خلال التظاهر السلمي المسموح به ولو شكليا في النظم التي تزعم الديمقراطية، وإنك لتعجب ممن يجرمون العمليات الاستشهادية في فلسطين ثم يبتهجون بالعمل الانتحاري حقا، وكان يسعهم أن يشيدوا بغضبة المقهور وإبائه للضيم لا بالدفاع عن فعل محرم بالاتفاق. رابعها: أن التيارات والأحزاب، ينبغي أن تكون على وعي بخطورة الفراغ السياسي فيجب لزعاماتهم - على اختلاف مشاربهم - أن يقدموا مصلحة وحدة المجتمع وسلامة الوطن على كل مصلحة شخصية أو حزبية فيدركوا خطورة الفراغ ويسارعوا بملئه بما يحفظ وحدة المجتمع ومكتسبات الأمة.. وقد أشار الفقيه السياسي الكبير إمام الحرمين الجويني إلى أن على العلماء ألا يسمحوا بوجود الفراغ السياسي الذي يؤدي للفتنة وأن عليهم أن يقوموا بواجبهم في الحفاظ على الأمة في المرحلة الانتقالية، درءا للفتنة حتى تتحد الأمة، وتأمن الفساد والخراب والتفكك.. ولعل من أهم وظائف العلماء في مثل هذه الحال في هذا العصر أن يبادروا إلى درء الفتن، وبناء الوحدة الوطنية الأصلح في تحقيق المصالح ودرء المفاسد، منطلقين من أصول الإسلام ومبادئه وموازنته الشرعية... وعليه؛ ففي مجتمعات تعمقت فيها الأحزاب غير الإسلامية فكراً، ينبغي أن يتم التعاون في المشترك الوطني الذي حفظ للأمة كيانها، ويعملوا قواعد التدرج في بناء دولة تدراً المفاسد، و تحقق ما أمكن من المصالح. وليس من المناسب طرح ما تقتضي السياسة الشرعية التأني في طرحه.. ففرق بين تقرير الأحكام الشرعية الثابتة والمتغيرة، الذي يجب أن يستمر وتتوارثه الأجيال، وخاصة ما كان من قبيل «فقه المنسأ أي: المؤخر لحينه»، وبين ظروف تطبيق ذلك وآليات تنزيله في الواقع التي تحكمها ظروف المرحلة وفق أسس شرعية معروفة عند علماء الشريعة. وهذا التعاون في المشترك المشروع هو ما يفتي به علماء الأمة وفقهاؤها الكبار، ومن ذلك ما نجده من ذلك في قرارات المجمع الفقهي وفتاوى اللجنة الدائمة في المملكة العربية السعودية.
خامسها: ينبغي على العلماء والدعاة أن تكون لهم جمعية تضمهم، أو مؤسسة تنتظمهم أو لقاءات يتواصلون فيها بينهم، حتى يكون لهم رأي عام يتفقون عليه ما أمكن، فإن لم يمكن الاتفاق، فالأكثرية مقدمة ما لم تكن معارضة لنص صحيح صريح أو قاعدة متقررة لا تتنازعها قواعد بمنزلتها، ولهذا أصل في قاعدة التغليب في الفقه الإسلامي. سادسها يا لخسران من مكن من حكم بلد ثم لم يكن حكمه له سببا لدخوله الجنة... وقد ثبت أن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله «إمام عادل»؛ فيا الخسارة من حكم شعبه بغير العدل الإسلامي الذي يشمل المسلم وغير المسلم، وفوت على نفسه فرصة نشر الإسلام والدعوة إليه، وفتح المجال الدعاته الصادقين الناصحين الملتزمين بالوسطية الإسلامية الحق.
ولقد أخذ بي التفكير مأخذه، وأنا أتأمل حال طغاة وقد مكن لهم من الحكم وظنوا أن حصونهم مانعتهم من الله، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا .. فهل يعي بقية الحكام الذين يسيرون ذات السيرة السيئة قبل أن يغادروا مناصبهم بطرد أو هلاك؟! فإن الثورات الشعبية كالزلازل، لا يمكن التنبؤ بوقوعها، وكذا الهلاك قدر لا يدري أحد متى أجله.. فهنيئا لمن وفقه الله فاستعمله في نصرة دينه.

الرابط المختصر :