العنوان وجوه أخرى في مصارف الزكاة
عنوان تمهيدي جولة جديدة في النقاش الحوار مع الشيوعيين.. نتائجه وثماره (٢٥)
الكاتب عبدالحليم خفاجي
تاريخ النشر الثلاثاء 29-مايو-1973
مشاهدات 10
نشر في العدد 152
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 29-مايو-1973
• أصغر
صور اللامركزية.. وأوسع صور الاشتراك في المسؤولية
• عرفها
المسلمون في المال.. كيف يُجمع؟ وأين يُنفق؟
• الزكاة..
من مسؤوليات الإمام الأولى.. حتى ولو حارب عليها
الزكاة..
تُدخل على المجتمعات النامية والمريضة.. فتوهبها القوة والصحة وتدخل على المجتمعات
النشطة الناضجة.. فتضاعف من نشاطها وحيويتها
في
الزكاة.. عون على المهور.. وتسليح للجيش.. وفنادق مجانية
بعد
فراغنا في حلقة الأمس من مصارف «الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة
قلوبهم».
نأتي في
حلقة اليوم على مصارف «وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل» وقد غايرت
الآيات التي حصرت الزكاة في الأصناف الثمانية بين المصارف الأربعة الأولى والمصارف
الأربعة الأخيرة، فالأولون جعلت الصدقات لهم والأخيرة جعلت الصدقات فيهم.. فما سر
هذه المغايرة؟ ولماذا عبر عن استحقاق الأولين باللام التي هي في الأصل للتمليك،
وعبر عن استحقاق الآخرين بحرف في التي هي للظرفية..
يقول
الزمخشري: «إن العدول عن «اللام» إلى «في» في الأربعة الأخيرة للإيذان بأنهم أرسخ
في استحقاق الزكاة من الأربعة الأولى، لأن «في» للوعاء، فنبه على أنهم أحقاء بأن
توضع فيهم الصدقات ويُجعلوا مظنة لها ومصبًا».
وعقب ابن
المنير على الزمخشري قال: «ونعم سر آخر هو أظهر وأقرب، وذلك أن الأصناف الأربعة
الأوائل ملاك لما عساه يدفع إليهم وأنها يأخذونه ملكًا فكان دخول اللام لائقًا بهم،
وأما الأربعة الأواخر فإنهم لا يملكون ما يصرف نحوهم، بل ولا يصرف إليهم، ولكن في
مصالح تتعلق بهم».
●
كل هذا العمق والإلهام! ومع ذلك فما زال للسر بقية لم تتوهج جذوته بعد!
لعله
يوجد في الفرق بين ما يكون عليه جسم في حالة المرض أو النمو وبين ما يصير إليه نفس
الجسم من حال الصحة والاستواء.. فهو يعبر حالته الأولى ليستقر في حالته الثانية
حيث يفيض بالنماء والعطاء.. وقد رأينا برهان ذلك في المجتمعات التي عرفت طريق
الإسلام لأول مرة وكيف تخلصت بعد فترة وجيزة من حالات الفقر والمسكنة حتى لم يعد
يعثر عامل اليمن ولا غيره في عهد عمر بن الخطاب ولا عمال الأقاليم في عهد عثمان
ولا في عهد عمر بن عبدالعزيز ولا في عهود أخرى على مستحق للزكاة، ورأينا كيف لحق
سهم المؤلفة قلوبهم بأخويه.. أما سهم العاملين عليها فقد تعرض هو الآخر في عهد
عثمان بن عفان رضي الله عنه لمعاملة خاصة كان وراءها سر خاص -كذلك فقد ذكر
الكاساني رضي الله عنه- في البدائع: «أن عثمان رضي الله عنه عندما كثرت الأموال في
زمانه رأى المصلحة في أن يفوض الأداء إلى أربابها بإجماع الصحابة، فصار أرباب
الأموال كالوُكلاء عن الإمام.. ألا ترى أنه قال: «من كان عليه دين فليؤده وليزك ما
بقي من ماله» فهذا توكيل لأرباب الأموال لإخراج الزكاة ولا يبطل حق الإمام.. لهذا
قال أصحابنا أن الإمام إذا علم من أهل بلد أنهم يتركون أداء الزكاة فإنه يطالبهم
بها».
●
وإنها لدرجة من الثقة في دين الرعية بالغة السمو أثارت الكثير من الآراء الفقهية
حول مجال الأخذ بها في الأموال الظاهرة كالزروع والأنعام أو الأموال الباطنة
بالنقد وعروض التجارة..
ووجه
العجب هو في أن هذا المدى البعيد من أصغر صور اللامركزية وأوسع صور الاشتراك في
المسؤولية، قد حدث فعلًا على وجه الأرض وفي ماذا؟ ليس في النقاش الأجوف الذي ينعت
بالعمل السياسي وإنما في المال.. كيف يُجمع؟ وأين يُنفق؟ وهل تطمح أمة على وجه
الأرض أو يفكر حاكم مهما بلغ تساميه في أن يجعل الفرائض المالية موكولة إلى ضمائر
الناس يعرفون تلقائيًا الأموال الخاضعة لها والنسب المفروضة عليها وأوجه إنفاقها
ويكتفي هو بالرقابة من بعيد «فإن علم من أهل بلد أنهم يتركون أداء الزكاة فإنه
يطالبهم بها».
• على
كثرة ما قرأنا عن أحلام المدن الفاضلة فهل قابلَنا حالم بمثل هذا اللون من
العلاقات بين الحاكم والرعية، أو حالم بمثل هذا المجتمع الذي يفيض رخاء ودينًا
وحرية.. أليس تاريخنا ما زال مجهولًا لنا ولم يقدم إلينا كما ينبغي.. أليست هذه
مسؤولية المثقفين قبل أي تسول على موائد العاجزين؟
• من
الطبيعي أن نفهم أن هذه الدرجة الأخلاقية لم تخرج الزكاة عن كونها نظامًا ماليًا
من مسؤوليات الإمام الأولى حتى ولو حارب عليها كما حارب أبو بكر رضي الله عنه..
ولكنها مسؤولية لم تسلبه حقه في أن ينيب عنه متى شاء ما وجد من هم أهل لهذه
الإنابة الراشدة، ولعمري فهل يكون ذلك إلا في أمة من الأئمة.. وإن دوننا وعودة هذا
اليوم في حياتنا مرة أخرى أشواط كثيرة.
• أما
مصارف: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ
السَّبِيلِ﴾ (التوبة: 60)، فهي باقية ما بقي في الحياة حركة وأسفار وجهاد وتسارع
في الخيرات وتعاون على البر والتقوى إلى آخر خصائص الجسم السليم المكتمل النمو
بملامحه الإسلامية المشرقة على الدوام، وإذا ما كان لكل مجتمع أمل فهو في أن تزول
أو تخف الحاجة إلى الأربعة المصارف الأولى لتقوى دواعي الأربعة الباقية..
•
فالزكاة بمصارفها الثمانية تدخل أول ما تدخل على المجتمعات النامية أو المريضة
فتهبها القوة والصحة حتى تصل إلى كل خلية من خلاياها.. ثم هي تعمل بعد ذلك في
المجتمع وقد أصبح سليمًا وناضجًا فتضاعف من نشاطه وحيويته وتفتح أمام النفوس
مجالات الترقي لتتطهر بها وتعلو على المتاع القليل، وهو أمر مطلوب من النفوس أن
تزاوله دائمًا تحت أي ظرف ومطلوب من المجتمع المسلم أن يدرب أفراده عليه حتى من
خلال أحسن الظروف المادية.. بل إن ما تحققه الزكاة من أهداف مادية إنما هو قاعدة
ما ترجوه من أهداف أخلاقية في الدرجة الأولى بما تعود عليه الإنسان من بذل للمال
في سبيل ما هو أسمى من المال وعلى أن يظل مدركًا أن في الحياة ما هو أجدر بالطلب
من كل ما على ظهر الأرض.. وهذه من أهم درجات الصعود إلى التوحيد الخالص ﴿وَمَن
يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: 9).
أما
الذين ينقلبون عبيدًا للمادة فإنهم يبدلون خلق الله ويحرفون الفطرة في نفوسهم
ويبوءون بوعيد الرسول صلى الله عليه وسلم: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس
عبد القطيفة». فالبذل والإنفاق في كل أشكاله وفي كل الظروف حاجة إيمانية لا ينفك
عنها مسلم وما أعظم تربية الرسول صلى الله عليه وسلم لنا في قوله: «على كل مسلم
صدقة، فقالوا: يا نبي الله فإن لم يجد؟ قال: يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق، قالوا:
فإن لم يجد؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف، قالوا: فإن لم يجد؟ قال: فليعمل
بالمعروف وليمسك عن الشر فإنها له صدقة».
بهذا
التوضيح بين المجموعتين من المصارف ندخل إلى المجموعة الثانية..
5 - وفي
الرقاب:
لا زلت
أذكر ذلك السؤال الماكر الذي أشفعه أحد الزملاء بابتسامة ذات مغزى عن موقف الإسلام
من الرِّقِّ.
وقد
وقلنا له يومها: دعنا نسألك أولًا وقبل أن نجيب عن معاملة أسرى الحرب في عصرنا
الحاضر: هل تماري في أنها خاضعة -برغم بريق النصوص- لقانون واحد هو قانون الغالب
والمغلوب، لا فرق في ذلك بين دولة ودولة ونظام ونظام.. فالسخرة والإذلال وغسيل
المخ والبقاء في معسكرات الاعتقال سنين طويلة هي أهون ما يلقاه هؤلاء التعساء برغم
احتجاجات دولهم ومساومتها فكيف بهؤلاء الأسرى حين لا يكون وراءهم دولة تحميهم..
دعنا
نسألك مرة أخرى: ألا يحدث مثل ذلك مع أبناء الوطن الواحد تحت مبررات ثورية وتقدمية
ثمنًا لأي خلاف في وجهة النظر مع السلطة، ووجودنا هنا خير برهان على ذلك.
دعنا أيضًا
قبل أن نجيب على سؤالك نعرض عليك معاملة الإسلام للأسرى لأن ذلك له صلة قوية
بسؤالك..
• اعلم
أن الأمة الإسلامية كانت صاحبة السلطان الأوحد في العالم لحقبة طويلة من الزمان
وكانت هي المنتصرة على الدوام في حروبها مع الأمم الأخرى..
ومع هذا
لم تنبت معاملتها للأسرى من موقع الغالب مع المغلوب، بل من موقع فريد ليس من صنع
بشر، فيه كل الأخوة الإنسانية وكل الرفق والرحمة والواقعية أيضًا..
كان في
شريعتها العادلة المنُّ بلا مقابل.. وكان فيها أيضًا قبول الفداء.. وكان فيها لمن
يستبقون في الأسر معاملة من نوع فريد ليست فيها سخرة ولا سجون ولا معسكرات اعتقال
ولا غسيل مخ.. بل كانت لا تفرق بين الرجل وزوجته من أسرى، ولا بين المرأة وابنها،
ومن انعدمت أزواجهن وصرن سبايا كانت حركتهن بقانون.
أما
الرجال الأسرى فظلوا طليقين في الحياة لكن تحت إشراف وحراسة يباشرون من خلالها
آدميتهم كاملة من بيع وشراء ومعاملات وزواج، والواحد منهم في كل ذلك في أحضان أسرة
إسلامية يخدمها، لأنه أسير، ويتشرب أخلاقها وقيمها عن قرب بلا إكراه في الدين، وله
أثناء ذلك -وحتى يتحرر من هذا الأسر- معاملة خاصة توجبها التربية الإسلامية تارة
وفرضها التشريع تارة أخرى.
فبالتربية
يتعلم المنتصرون أن هؤلاء الأسرى هم إخوانهم: «فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما
يأكل وليلبسه مما يلبس ولا يكلفه ما لا يطيق فإن كلفه فليعنه»، ولا يقل عبدي وأمتي
بل فتاتي وفتاي؟
ويرى أن
أعظم القربات في دينه هي إكرام الأسرى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ
مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا
نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ (الإنسان: 8-9).
●
ولا يقف الأمر عند حدود المعاملة الطيبة بل تستهدف الشريعة في النهاية تحرير هؤلاء
مرة أخرى.. فبالغت في ثواب الإعتاق وجعلته من أفضل الكفارات لكثير من الذنوب.. وتتلمس
له الأسباب، فمن لطمه مولاه كانت اللطمة ثمن تحريره، ومن يدخر مبلغًا من المال ويريد
أن يفدي نفسه به تلزم الشريعة مولاه بذلك عن طريق المكاتبة أمام القضاء: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ
إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًاۖ وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾
(النور: 33).
●
وقبل كل هذا وبعد كل هذا يأتي النظام المالي للأمة ليخصص ثمن الزكاة لفك الرقاب كل
عام..
●
هذا هو الرق في الإسلام يا زميل، مصدره الوحيد المشروع أسرى الحرب! فهل تراه رقًا بالمعنى
الذي تقصده من سؤالك؟!
●
ومن عجب ألا يكون هناك خلاف بين الفقهاء حول مصرف الزكاة المخصص لإعتاق هذا النوع من
الأسرى ويكون بينهم الخلاف حول تخصيصه لفك الأسرى من المسلمين من أيدي الأعداء، فالمروي
في مذهب الإمام أحمد أن ذلك جائز لأن فيه فك رقبة من الأسير.
وقال
القاضي ابن العربي المالكي: اختلف العلماء في ذلك فقال أصبغ: لا يجوز، وقال ابن
حبيب يجوز.
ويحدثنا
التاريخ أن أسرى الفتوحات الإسلامية قد أخذوا يدخلون في دين الله أفواجًا بعد
معاشرتهم في فترة الأسر أو الرق لهذه البيئة الجديدة الفاضلة، وأنهم فضلوا بعد
إسلامهم وتحريرهم موالاة الأسر التي كانوا يعيشون فيها، فكان ذلك بداية نشأة
الموالي في التاريخ الإسلامي، وتبوأ أبناء الموالي هؤلاء أعلى المراكز بعد ذلك
وكانوا أئمة الفقه والحديث واللغة وسائر العلوم في الدولة الإسلامية.. وعندما أصاب
الضعف حياة المسلمين أصاب معها مدلولات الألفاظ كذلك، وبعد.. أهذه الأخوة
الإنسانية والرحمة العميمة من صنع بشر؟!
6 -والغارمين..
هذا
المصرف يعطى لصنفين من الناس..
أ -رجل
أصابته جائحة: أي كل من نزلت به نازلة مالية من حرق أو هدم أو آفة على الزرع أو
هلاك...إلخ.
ب -رجل
تحمل حمالة، أي غرم غرمًا ماليًا في شكل الديون... وقد فرق الفقهاء(1) بين من
استدان في مصالح نفسه كمن يستدين في نفقة أو كسوة أو زواج أو علاج مرض أو بناء
مسكن أو شراء أثاث أو تزويج ولد أو أتلف شيئًا لغيره خطأ.. فهذا المستدين في غير
سرف ينبغي أن يدفع له مع الفقر دون الغنى.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفي وعليه دين فعلي قضاؤه».
أما
المستدين في مصالح المسلمين فيدفع إليه مع الفقر والغنى قدر دَيْنه فقط..
●
بهذا العلاج الذاتي الإسلامي لا تثبت الحاجة إلى الكثير من ترقيعات النظام الرأسمالي
في صور شركات التأمين ومؤسسات الضمان الاجتماعي والملاجئ وغير ذلك من ضحايا الصراع
الطبقي وضياع الأمن وفقدان الأخوة بين الناس..
أكثر من
هذا أن تخصيص جزء من هذا المصرف لكل من استدان في مصالح المسلمين يعتبر شيئًا فريدًا
في عالم المجتمعات وتخصيصه من خصائص هذه الأمة الإسلامية. ويصرح الفقهاء بحق هذا
الغارم ولو قام بالإصلاح بين جماعتين من أهل الذمة.
●
ومن ثم فقد شاع في حياة المسلمين أن يجدوا من الزكاة عونًا لهم في المهور والنفقات
والديات.. كما أن المعنى العميق وراء تسديد دين من تحمل غرمًا ماليًا في تفريج كربة
أو تعزيز صلح إنما هو في إنهاء هذه المسؤولية الاجتماعية في نفوس الأفراد وإزهار الحياة
بجو التراحم والنجدة لا حياة اللامبالاة والأنانية والضياع..
7 -وفي
سبيل الله:
اختلف
الفقهاء في تعيين المقصود من هذا المصرف:
مذهب
الحنفية: عند أبي يوسف المراد الغزاة، وعند محمد المراد الحجاج، وقيل المراد طلبة
العلم، وقيل بل جميع القربات والطاعات..
ومذهب
المالكية: قال القاضي ابن العربي المراد الغزو والجهاد..
مذهب
الشافعية: المراد الغزاة المتطوعون للجهاد..
فهناك
اتفاق على أن الجهاد داخل في سبيل الله، واختلاف حول توسيع معنى في سبيل الله بحيث
يشمل كل ما يتعلق بسائر المصالح والقربات وأعمال الخير والبر من إصلاح طريق وبناء
مساجد ومدارس وإنشاء قناطر وسدود ومصاريف أخرى.
ويعمل
هذا السهم على ربط الأقاليم جميعًا ببعضها، لأنه السهم الوحيد المسموح بنقله من
إقليم لآخر لمصلحة أمن الأقاليم جميعًا، ويقول الماوردي: «لا ينقل سهم من عدم منهم
في جيران المال إلا سهم سبيل الله في الغزاة فإنه ينقل إليهم».
8 -وابن
السبيل هو المسافر:
وقد سبق
أن رأينا كيف كشف مصرف «في الرقاب» عن روح الأخوة الإنسانية..
أما مصرف
«ابن السبيل» فإنه يؤكد الأخوة الإسلامية في ربوع العالم الإسلامي بصفة خاصة بحيث
يشعر المسافر على الدوام أنه بين أهله وماله، وأن صفة دار الإسلام صفة حقيقية بكل
ما تشتمل عليه من مضمون السكن والأمان..
فمن هذا
المصرف يعطى للمسافر قدر كفايته إذا لم يكن سفر معصية سواء أكان المسافر مبتدئًا
بالسفر أم مجتازًا..
وقال أبو
حنيفة: ادفعه على المجتاز دون المبتدئ.
وفي كتب
الفقه تفصيل كبير حول طريقة العطاء ومداه، وهل يقتصر على بلوغه هدفه أم يكفيه ذهابًا
وإيابًا..
وفي كتب
التاريخ روائع عملية عن ظاهرة انتشار بيوت ابن السبيل في مداخل المدن والقرى مجهزة
بالمؤن والمال والعلف للدواب تستقبل المسافرين الذين انقطع بهم الطريق لتبلغهم
مقاصدهم لا لكي تجري معهم التحريات وتتحقق من تأشيرات الدخول والخروج وغير ذلك مما
ملأ حياتنا من أغلال.
يروي ابن
سعد أن عمر بن الخطاب اتخذ في عهده دارًا خاصة أطلق عليها دار الدقيق والسويق
والتمر والزبيب وكل ما يحتاج إليه يعين به المنقطع به والضيف ينزل بعمر، ووضع عمر
في طريق السيل ما بين مكة والمدينة ما يصلح به المنقطع ويحمل من ماء إلى ماء.
وفي عهد
عمر بن عبدالعزيز يحدثنا الإمام أبو عبيد أنه أمر الإمام ابن شهاب الزهري أن يكتب
له السنة في مواضع الصدقة فكتب كتابًا مطولًا قسمها فيه سهمًا سهمًا، ومما جاء في
الكتاب عن ابن السبيل قوله: «وسهم ابن السبيل يقسم لكل طريق على قدر من يسلكها
ويمر بها من الناس لكل رجل من ابن السبيل ليس له مأوى ولا أهل يأوي إليهم فيطعم
حتى يجد منزلًا أو يقضي حاجته، ويجعل في منازل معلومة على أيدي أمناء لا يمر بهم
ابن السبيل له حاجة إلا آووه وأطعموه وعلفوا دابته حتى ينفد بما بأيديهم إن شاء
الله»(2).
وقد كانت
هذه الروح وراء ما تميزت به الأمة الإسلامية من ظاهرة الترحال والتجوال في طلب
العلم والرزق بطريقة لم تسبق في أي أمة وبشهادة مراجعة تاريخ أي عالم من سلفنا
الصالح لتقف على ما كان يجوبه من البلاد والأمصار طولًا وعرضًا على زهدهم وقلة
مالهم بها لا يستطيعه اليوم أصحاب الثراء.. ولكن معرفتنا اليوم بما كانت توفره لهم
شريعة السماء في كل شبر على الأرض قد أذهب عنا العجب فقد كانوا حيثما حلوا أو
ارتحلوا في دارهم وبين أهلهم.
وهل تحلم
أمة بأن يصير في برنامجها المالي والإنساني مثل هذه الفنادق المجانية على مشارف
المدن لكل قادم.. مثلما حدث ذلك فعلًا في تاريخنا المجهول لنا؟!
●
وكأني بالمصرفين الأخيرين (في سبيل الله وابن السبيل) وراء نوع خاص من الحركة والانطلاق
في الثروة والمجتمع هيأه لهما مصرفا «في الرقاب والغارمين» بما أزالا عن الناس والحياة
من قيود وأغلال؟
التوزيع
وغاياته:
يقول
الإمام أبو عبيد: «ليس لولاة الأموال أن يقسموها بحسب أهوائهم كما يقسم الملك ملكه
فإنما هم أمناء ونواب ووكلاء وليسوا ملاكًا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني
والله لا أعطي أحدًا ولا أمنع أحدًا وإنما أنا قاسم أضع حيث أُمِرتُ».
وعن زياد
بن الحارث الصدائي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته، فأتى رجل فقال:
أعطني من الصدقة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لم يرض بحكم نبي
ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء
أعطيتك حقك».
ويرى
الشافعي التسوية بين الأصناف الموجودة فإن وجد الثمانية أخذ كل صنف الثمن، وإن لم
يوجد منهم في البلد سوى 4 أخذ كل منهم ربع ما جمع.. وهذه التسوية غير مطلوبة بين
أفراد الصنف الواحد حسب حاجة كل فرد.. وعن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
«لا بأس أن تعطي الصدقة في صنف واحد».. وهذا بالطبع في حالة انعدام الأصناف
الأخرى..
قال أبو
عبيد: «والعلماء مجتمعون على أن أهل كل بلد من البلدان أو ماء من المياه أحق
بصدقتهم ما دام فيهم من ذوي الحاجة واحد فما فوق ذلك.. وإن أَبَى ذاك على جميع
صدقاتها حتى يرجع الساعي ولا شيء معه منها.. عن فرقد السبخي قال: حملت زكاة مالي
لأقسمها بمكة فلقيت سعيد بن جبير فقال: ارددها فاقسمها في بلدك.. وعن سفيان الثوري
أن زكاة حملت من الري إلى الكوفة فردها عمر بن عبدالعزيز إلى الري».
ويقول
الإمام أبو يوسف: «يقسم سهم الفقراء والمساكين من صدقة ما حول كل مدينة في أهلها
ولا يخرج منها فيتصدق به على أهل مدينة أخرى، وأما غيره فيستعين به الإمام ما أحب
من هذه الوجوه التي سمى الله تعالى في كتابه وإن صيرها في صنف واحد مما سمى الله
تعالى ذكره أجزأه».
ويقول
الإمام أبو عبيد: «فإن جعل المصدق تحصيل الصدقة من بلد إلى آخر سواه وبأهلها فقر
إليها ردها الإمام إليهم كما فعل عمر بن عبدالعزيز وكما أفتى به جبير»، ثم ذكر صورًا
كانت تحمل فيها الزكاة إلى غير بلدها وعقب قائلًا: «وليس لهذه الأشياء يحمل إلا أن
تكون فضلًا عن حاجتهم وبعد استغنائهم عنها».
ومن
المتفق عليه أن أهل البلد إذا استغنوا عن الزكاة كلها أو بعضها لانعدام الأصناف
المستحقة أو لقلة عددها وكثرة مال الزكاة جاز نقلها إلى غيرهم إما إلى الأمام
يتصرف فيها حسب الحاجة وإما إلى أقرب البلاد إليه.
●
حسبنا هذه الإشارات التي ألقت الضوء كافيًا على ما تقوم به الزكاة من تطهير النفس والمال
وتزكيتهما باعتبارها حقًا من حقوق الله في المجتمع على أساس رباني صحيح.. ومن الطبيعي
أن تفي الزكاة في الظروف الطبيعية بجميع مقاصد الشرع، ولكن يثور السؤال عندما تمر بالمجتمع
ظروف غير طبيعية تتطلب مزيدًا من المال كحرب أو كارثة أو مجاعة: هل يكون في المال حق
سوى الزكاة؟ وهل يعني ذلك نوعًا من التشابه مع الضريبة؟
الهوامش:
(1) فقه
الزكاة -يوسف القرضاوي ص 613
(2) الأموال ص 580