; واجبات الداعية أمام مسؤوليات العصر الجسام | مجلة المجتمع

العنوان واجبات الداعية أمام مسؤوليات العصر الجسام

الكاتب المستشار عبدالله العقيل

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أبريل-1989

مشاهدات 63

نشر في العدد 913

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 18-أبريل-1989


 

الحداثة أسلوب جديد لمحاربة المسلمين في عقائدهم ودينهم

أسلوب العلمانيين الجديد لمغالبة المسلمين هو التهويل والتضليل

ما زال الاستعمار يتسلط على المسلمين لحرمانهم من أدنى الحقوق الإنسانية

في العالم الإسلامي نذر للعاصفة المدمرة التي تستهدف اجتياحه

حال الأمة الآن يشبه حالها في فترة الهجوم الصليبي عليها

 

إن الدعوة واجبة على كل مسلم، وليست مختصة بطائفة دون أخرى، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «بلغوا عني ولو آية»، فكل مسلم مطالب بأن يفقه إسلامه ويعمل به ويدعو الناس إليه ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ومن الضلال إلى الهدى.

صورة من أحوال المسلمين

على أن المتأمل في أوضاع المسلمين اليوم وبعض أقطارهم، يجد أن الكثير من تلك البلدان مبتلاه بالاستعمار المتسلط الذي يحرم المسلمين من أدنى حقوقهم الإنسانية، ويرى انتشار الموبقات والمنكرات وشيوع الفاحشة، والاجتراء على الدين والمروق منه، والتحلل الخلقي، ويلاحظ تسلط الشركات الأجنبية والبنوك الربوية، وتحكيم القوانين الوضعية، واستبعاد الأحكام الشرعية.

إن حال المسلمين اليوم أشبه بحالة الأمة الإسلامية حين الهجوم الصليبي حيث كان لكل مدينة ملكًا أو أميرًا أو حاكمًا فقد ورد في كتب التاريخ أن «أنطاكية» كان يحكمها الأمير «سيان» و«حلب» كان يملكها الملك «رضوان» و«دمشق» كان يملكها الملك «دقاق» و«حمص» كان يحكمها الأمير «سلمان» فضلًا عن الدولة الفاطمية بالقاهرة والدولة العباسية بالعراق. ومثل هذا حصل بالأندلس حيث كان لكل مدينة أمير المؤمنين ومنبر والكل منهم يتهارش على السلطة ويستعين بالنصارى على إخوانه في الدين.

وصدق الشاعر في وصفها حين قال:

مما يزهدني في أرض أندلس *** ألقاب مملكة في غير موضعها

ألقاب معتصم فيها ومعتضد *** كالهر يحكي انتفاخًا صولة الأسد

نقطة الضعف

فكانت هذه الدويلات والحكومات والإمارات المتشرذمة المتقوقعة هي نقطة الضعف في الكيان الإسلامي، ومنها أوتى المسلمون وعن طريقها كان ضياع الإسلام والمسلمين لأن الإسلام لم يكن في يوم من الأيام إقليميًّا ولا قبليًّا ولا عنصريًّا، بل كان دعوة عالمية رحبة فسيحة تشمل الدنيا كلها والعالم كله (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء: 107)، وكان المسلمون هم القادة والرواد ولم يكونوا قط الأتباع والأذناب.

والمسلم كما يقول شاعر الإسلام «إقبال» هو الذي يقود ولا يقاد ويسود ولا يساد ويكون في مقدمة الركب لا في ذيل القافلة يذيب ولا يذوب يؤثر ولا يتأثر شأنه دائمًا معالي الأمور ينظر إلى الأمام ولا يلتفت إلى الخلف، يجاهد ولا يجبن يتقدم ولا يتأخر، ينطبق عليه قول القائل:

ولسنا على الأعقاب تدمي كلومنا *** ولكن على أقدامنا تقطر الدما

واليوم تتكرر المأساة فهذه نذر العاصفة المدمرة تجتاح العالم الإسلامي، وقد شرع الأعداء في الشرق والغرب في الهجوم على بلاد المسلمين وصارت الأرض الإسلامية تنتقص من أطرافها والخطط توضع لضرب القلب بعد قص الأجنحة..

أني اتجهت إلى الإسلام في بلد *** تجده كالطير مقصوصًا جناحاه

النجاح الصليبي

لقد نجح الصليبيون في تنصير الكثير من البلاد في جنوب شرق آسيا كإندونيسيا والفلبين وسنغافورة وفي كالهند والباكستان وبنجلاديش وفي أفريقيا كالصومال وأريتريا والحبشة ومعظم البلدان الأفريقية بلا استثناء، بل إن آلافًا مؤلفة من أطفال المسلمين أخذتهم البعثات التنصيرية إلى أوروبا باسم الرعاية وشرعت في تنصيرهم مستغلة الكوارث والمجاعات التي تصاب بها بلاد المسلمين، حتى إن كاثوليكيًّا واحدًا تبنى 30 ألف طفل مسلم في الصومال.

يقول أستاذنا الشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي في كتابه «تطهير المجتمعات من أرجاس الموبقات»: «إن من أكبر الكبائر الحكم بغير ما أنزل الله وموالاة أهل الكفر والشرك».

التغريب

ولهذا فحين ابتعدت بعض أقطار المسلمين عن تحكيم شريعة الله وأقبلت تقلد الغرب في قوانينه وتشريعاته وأخلاقه وعاداته وفنونه وآدابه نشأت طبقة من المضبوعين بالغرب المبهورين بحضارته دون تمييز للصالح منها أو الطالح، بل أخذوها بخيرها وشرها وحلوها ومرها كما جاء ذلك على لسان من أسموه بعميد الأدب العربي الذي يقول في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» ص 41 ما نصه:

«وإن الطريق واضحة بينة مستقيمة ليس فيها عوج ولا التواء وهي أن نسير سيرة الأوربيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادًا، ونكون لهم شركاء في الحضارة خيرها وشرها حلوها ومرها ما يحب منها وما يكره وما يحمد وما يعاب».

الحداثيون

بل بلغ الزيغ بأحد رموز الحداثيين وهو الشاعر الشيوعي عبد الوهاب البياتي أن يكتب قصيدة بخط يده وينشرها في مجلة «اليمامة» بعددها رقم (900) الصادر بتاريخ 30/ 7/ 1406هـ، (ص 81)، تحت عنوان «الولادة في مدن لم تولد» وكان مما قال فيها:

«أدفن في غرناطة حبي وأقول «لا غالب إلا الحب». تصوروا أيها الإخوان أن غرناطة التي كانت آخر معاقل المسلمين في الأندلس والتي كتب على جميع جدران القصر الحمراء فيها عبارة «لا غالب إلا الله» جاء هذا الصعلوك ليعارض هذه العبارة بقوله «لا غالب إلا الحب».

ثم يقول في مكان آخر: «في الأصقاع الوثنية حيث الموسيقى والثورة والحب وحيث الله فسيبقى صوتي قنديلًا في باب الله».

ويتحدث عن اللغة العربية متهكمًا ومستهزئًا وشانًا عليها حربه القذرة بهذا الهذيان الذي يثير الغثيان حيث يقول: «اللغة الصلعاء كانت تصنع البيان والبديع فوق رأسها باروكة، وترتدي الجناس والطباق في أروقة الملوك، وشعراء الكدية الحصيان في عواصم الشرق على البطون في الأقفاص يزحفون لينمو القمل والطحلب في أشعارهم».

يقول سماحة الشيخ العلامة عبدالعزيز بن عبدالله بن باز في مقدمته لكتاب الأستاذ القرني عن «الحداثة في ميزان الإسلام»: «أحمد الله الذي قيض لهؤلاء الحداثيين من كشف أستارهم وبين مقاصدهم وأغراضهم الخبيثة وأهدافهم الخطيرة بهذا الكتاب. فقد كشف لنا القناع عن عدو سافر يتربص بنا ويعيش بين ظهرانينا ينفث سمومه باسم الحداثة؛ نسأل الله أن يحفظ جميع بلاد المسلمين وأن يدفع عنها كيد الكافرين وحقد الحاقدين في الداخل والخارج؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه».

ويقول أستاذنا الشيخ الغزالي: «يبدو أن الهبوط عم الدين واللغة معًا. فهان الأدب هوان الإيمان ورسب المبنى والمعنى جميعًا في قاع بعيد القرار. فلقد قرأت مقالًا بعنوان «القلق والإبداع والأديب المعاصر» فأدهشني أن الكاتب ذكر اسم المتنبي في سياق واحد مع نزار قباني المتنبي الحكيم الذي يقول في تصوير المجد وتكاليفه:

لا يدرك المجد إلا سيد فطن *** لا وارث جهلت يمناه ما كسبت

لما يشق على السادات فعال ***ولا مسؤول بغير السيف سئال

فيحشر مقولة نزار قباني في رثاء امرأته:

«السيف يدخل لحم خاصرتي

وخاصرة العبارة،

كل الحضارة أنت يا «بلقيس» والدنيا حضارة».

والحق أنني استنكرت الجمع بين الحكمة والقمامة. بين الأدب في الأوج والأدب في القاع.

الأقزام في سوق الأدب

إن سوق الأدب اليوم صار المتصدرون فيه هم الأقزام المهازيل والملاحدة المارقون، يحدثنا الأستاذ عوض القرني في كتابه «الحداثة في ميزان الإسلام» عن مثل آخر من رموز الحداثة في اليمن هو د. عبدالعزيز المقالح صاحب الفكر اليساري حيث يقول في ديوانه (ص 139) تحت عنوان «قبلة إلى بكين»:

«أرسم قبلة على جبينك الأخضر يا بكين،

حمامة بيضاء

أطلق باسم اليمن الخضراء،

متى أسير ولو أمتار

رحلة النهار

رحلة ماو والأنصار

ورحلة كل الطيبين متى متى»

ويقول في قصيدة أخرى نشرتها له مجلة «العربي»:

«صار الله رمادًا، صمتًا، رعبًا،

في كف الجلادين حقلًا

ينبت سبحات وعمائم،

بين حرب الأغنية الثروة، والرب القادم

من هوليوود،

كان الله قديمًا حبًّا،

كان سحابة،

كان نهارًا في الليل،

أغنية تغسل بالأمطار الخضراء تجاعيد الأرض».

أرأيتم إلى هذه الغثائية؟ أسمعتم بهذا الكفر البواح؟ إن أحد تلامذته الحداثيين يخاطبه في مجلة اليمامة بعددها المرقم (897) بتاريخ 9/ 7/ 1406هـ تحت عنوان «إلى رمزنا الثقافي الجميل د. عبدالعزيز المقالح»: «ائذن لي أستاذنا أن أعبر لك عن إيقاع الثقافة بين جوانحنا وعما نكنه لك هنا من إكبار وابتهاج وبتكوينك النادر جدًّا الذي أشعل إعجابنا بك وتقديرنا واحتفائنا..».

ومثل آخر يحدثنا عنه د. عدنان النحوي في كتابه «الحداثة من منظور إيماني» وهو المسمى «أدونيس» واسمه بشهادة الميلاد علي أحمد عيسى نصيري الأصل من جبل العلويين منتم إلى الحزب القومي السوري الذي كان يرأسه أنطون سعادة صاحب الدعوة الغربية الخبيثة التي تربط بلاد الشام بأصول فينيقية وتقطع صلة البلاد والعباد بالإسلام يقول في كتابه «مقدمة في الشعر العربي» (ص 25): «.. الإنسان هنا لا الله هو مقياس الأشياء..».

ويقول في (ص 49): «وهذا ما يتيح لنا أن نستبق الوجود نفسه ونكون ما لا يقدر أن يكونه، البدء والنهاية الحياة والموت في لحظة واحدة».

ويقول في (ص 53): «إنه الإنسان الذي لا يواجه الله بدين الجماعة وإنما يواجهه بدينه هو..».

فما هذا الإسفاف المتناهي الذي يستخدم تعبير «يواجه الله؟» ويمضي هذا الدعي في مقولته حيث يقول: إن الطريق التي يرتسمها الإبداع حدسية إشراقية تبني الإنسان بجحيمه وجنته بشياطينه وملائكته... واللا محدود واللا نهائي هو مجال الإبداع في المد الخلاق نحو المجهول».

بل يبلغ به الإجرام في هدم العقيدة والدين حيث يقول ص131: «الله في التصور الإسلامي التقليدي نقطة ثابتة متعالية منفصلة عن الإنسان، والتصوف ذوّب ثبات الألوهية وأزال الحاجز بينه وبين الإنسان، وبهذا المعنى قتل الله وأعطى للإنسان طاقته، فالمتصوف يحيا في سكر يسكر بدوره العالم، وهذا السكر نابع من قدرته الكامنة على أن يكون هو والله واحدًا- تعالى عما يقولون علوًّا كبيرًا-» هذا هو منهج وأسلوب من يسمون أنفسهم بالحداثيين، وهو حلقة من حلقات الهدم للدين وصرف المسلمين عن إسلامهم، فهل يعي المسلمون ذلك وينهضوا للتصدي لدعاة الهدم الذين كرسوا هجومهم على دول الخليج والجزيرة في الآونة الأخيرة؟!

العلمانيون ومغالبة الإسلاميين

يقول د. القرضاوي: إن العلمانيين يحاولون أن يغالبوا الإسلاميين بالتهويل والتضليل والإرهاب الفكري والنفسي، إنهم يلقون حبالهم وعصيهم معتمدين على الغرب وقوته ومساندته لهم.

والإسلام الذي ندعو إليه هو الإسلام الذي يخاطب العقل، ويدعو إلى الاجتهاد والتجديد، ويتسم بالوسطية في كل شيء، ويتميز بالواقعية، ويكرم المرأة، ويرى أن الأسرة أساس المجتمع، وأن الزواج أساس الأسرة، وأن الإسلام يهتم بالتربية والتوجيه ويقيم المجتمع على أواصر الإخاء والوحدة بين أبنائه، ويؤكد حق الأمة في اختيار حكامها، ويحافظ على المال ويُعنى غاية العناية بالفئات الضعيفة، وأن المسلمين حيثما كانوا أمة واحدة يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم، وإنهم إخوة جمعتهم العقيدة الواحدة والقبلة الواحدة والإيمان بكتاب واحد ورسول واحد وشريعة واحدة، يعملون لتحرير الأرض الإسلامية من غاصبيها وفي مقدمتها فلسطين أرض النبوات ومسرى النبي «صلى الله عليه وسلم» وبلد المسجد الأقصى، وكذا أفغانستان أرض البطولات والتضحيات والشعب المجاهد الصابر الصامد الذي لا يكل ولا يمل والذي لقن طواغيت الكفر أعظم الدروس ومرغ أنوفهم في التراب.

مهزلة هيكل!

إن من المهازل أن جريدة «الليموند» الفرنسية نشرت قبل ثلاثة أشهر تقريبًا حوارًا مع الصحفي المصري محمد حسنين هيكل جاء في إجابته على سؤال الجريدة عن المتطرفين بمصر قوله: «إن الحكومة المصرية تشجع المتطرفين لأنها تذيع القرآن الكريم والأحاديث النبوية في إذاعة القرآن الكريم وهذا من أسباب التطرف».. وكلام هيكل هذا تكرار لما جاء في الصحف الإسرائيلية على مدى ربع قرن من الزمان. فقد جاء في جريدة «يدعوت أحرنوت» اليهودية قبل أحد عشر عامًا أي في عددها الصادر بتاريخ 18/ 3/ 1978م: «إن على وسائل إعلامنا ألا تنسى حقيقة مهمة هي جزء من إستراتيجية «إسرائيل» في حربها مع العرب، هذه الحقيقة هي أننا قد نجحنا بجهودنا وجهود أصدقائنا في إبعاد الإسلام عن معركتنا مع العرب طوال ثلاثين عامًا ويجب أن يبقى الإسلام بعيدًا عن المعركة إلى الأبد، ولهذا يجب ألا نغفل لحظة واحدة عن تنفيذ خطتنا في منع استيقاظ الروح الإسلامية بأي شكل وبأي أسلوب ولو اقتضى الأمر الاستعانة بأصدقائنا لاستعمال العنف والبطش لإخماد أية بادرة ليقظة الروح الإسلامية في المنطقة المحيطة بنا».

كما كتب الكاتب الغربي «يبرغرين دورستورن» في جريدة «الصنداي تلغراف» البريطانية بعددها الصادر بتاريخ 17/ 12/ 1978م:

«إن مجرد الاكتفاء بمراقبة الانتفاضة الإسلامية في الشرق الأوسط لن يفيدنا بشيء وإذا لم نبادر إلى مقابلة هذه الانتفاضة بعنف عسكري يفوق عنفها الديني فإننا نكون قد حكمنا على العالم النصراني بمصير مهين يجلبه على نفسه إذا استمر تهاوننا في مواجهة المسلمين المتطرفين».

رؤية إسلامية:

يقول أستاذنا الشيخ الغزالي: ولقد رأيت بني قومي لا يزالون يمضغون خلافات جوفاء، وتسيطر عليهم أفكار ضحلة وتسيرهم أهواء قاتلة وشهوات غبية فالعالم يبحث عن الحرية ونحن نصور الإسلام دين استبداد وفي عالم يحترم التجربة ويتبع البرهان نصور الدين غيبيات مستوردة من عالم الجن وتهاويل مبتوتة الصلة بعالم الشهادة.

ويمضي الشيخ الغزالي قائلًا: «إننا لا نستطيع فرادى أن نحقق شيئًا طائلًا. فالجماعة من شعائر الإسلام والجماعة رحمة والفرقة عذاب.

ومن أجل أن نصل إلى منهج يصل حاضرنا بغابرنا لا بد أن تصب الأمة كلها في تجمعات ذات أهداف حقيقية؛ تجمعات تشبه حلقات الإخوان التي قام عليها التحرك الإسلامي في نجد أو السودان أو مصر تتعارف على نصرة الإسلام وتتجاوب بروح الله وتتكاثر حتى تنتظم القرى والمدن».

يقول الإمام البنا رحمه الله: «إن القرآن الكريم وضح أن مقاصد الناس في الحياة متباينة فبعضهم همه من الحياة الأكل والمتعة حيث قال تبارك وتعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ) (محمد: 12).

والبعض الآخر همه في الحياة الزينة والعرض الزائل حيث قال تبارك وتعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ.) (آل عمران: 14).

والبعض الثالث همه في الحياة إيقاد الفتن وإحياء الشرور والمفاسد وهم الذين قال الله فيهم: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ {204} وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) (البقرة).

تلك مقاصد الناس باستثناء المؤمنين الذين براهم الله منها وألقى على عاتقهم واجب هداية البشر إلى الحق وإرشاد الناس جميعًا إلى الخير وإنارة العالم كله بشمس الإسلام. يوضح ذلك قول الحق تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ {77} وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) (الحج).

أين المسؤولية؟

إن المسؤولية على المسلمين جميعًا فكلهم راع ومسؤول عن رعيته، ولكنها تتأكد على من بيدهم الأمر من الرعاة أو الدعاة، فالأمراء بقوة السلطة. والعلماء بقوة العلم. والأغنياء بقوة المال هم المسئولون بالدرجة الأساس عن نصرة الإسلام وإصلاح حالهم والنهوض بهم من كبوتهم وتوجيههم إلى ما فيه رقيهم ونهضتهم على أن يكون الأمراء والعلماء والأغنياء هم القدوة الصالحة للأمة، يكونون في مقدمتها في الصلاة والجهاد، كما يقول المجاهد الشاعر العالم الجهبذ الشيخ محمد البشير الإبراهيمي الجزائري:

لا نرتضي أمامنا في الصف *** ما لم يكن أمامنا في الصف

بعد هذا الاستطراد نخلص إلى القول: إن الدعوة الإسلامية دعوة عالمية تنتظم العالم كله وتعم البشرية كلها وهي رسالة الأنبياء جميعًا ومهمة العلماء الذين هم ورثة الأنبياء؛ (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر: 28)، وأن أحسن الأقوال وخير الأفعال هي الدعوة إلى الله؛ (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إلى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت:33)، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان المثل الأعلى للدعاة والقدوة للمؤمنين أمره ربه بقوله: (ادْعُ إلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل: 125)، فكان الحكيم الحليم والداعية العظيم حثنا على العلم والتفقه فقال: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» ورغبنا في الدعوة وهداية الناس فقال: «لئن يهدي الله على يديك رجلًا خير لك من حمر النعم». وقال: «نحن معاشر الأنبياء لم نورث دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثنا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر».

وبين أن الصلاة هي عماد الدين والجهاد ذروة سنام الإسلام وأن الخيرية في هذه الأمة لا تنقطع وهي كالغيث لا يدري أوله خير أم آخره.

إن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق لغاية وهي عبادة الله وحده (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: 56)، وهو خالق الأنفس ومسويها؛ (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا {7} فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا {8} قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا {9} وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) (الشمس).

المضطلعون بالدعوة

أرى لزامًا عليَّ أن أذكر بعض المؤسسات والمنظمات والهيئات التي تضطلع بمهمة الدعوة إلى الله عز وجل في عصرنا الحاضر على سبيل المثال لا الحصر، وهي:

(1) رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة.

(2) الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالرياض.

(3) الندوة العالمية للشباب الإسلامي بالرياض.

(4) الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية بالكويت.

(5) جمعية الإصلاح الاجتماعي بالكويت.

(6) رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية في قطر.

(7) جمعية إحياء التراث الإسلامي بالكويت.

(8) إدارة إحياء التراث الإسلامي في قطر.

(9) منظمة الدعوة الإسلامية في السودان.

(10) الجامع الأزهر الشريف بمصر.

(11) جماعة التبليغ في القارة الهندية.

(12) الجماعة الإسلامية في الهند وباكستان وبنجلاديش.

(13) الجماعات الإسلامية والإخوان المسلمون في العالم العربي.

(14) الجامعات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي.

(15) وزارات الأوقاف والشؤون الإسلامية في العالم العربي والإسلامي.

(16) جمعية الإصلاح بدولة الإمارات العربية المتحدة.

(17) المنظمات الطلابية الإسلامية في أوروبا وأمريكا وآسيا وأفريقيا.

(18) جمعية الدعوة الإسلامية في ليبيا.. وغيرها كثير.

كما أذكر أهم الوسائل المتبعة في إبلاغ الدعوة وفق مقتضيات العصر، ومنها:

(1) الدعوة الفردية.

(2) الكتاب الإسلامي.

(3) الشريط الإسلامي.

(4) المحاضرات الإسلامية.

(5) الندوات الإسلامية.

(6) المخيمات الإسلامية.

(7) الخدمات التطوعية.

(8) السنن العملية.

(9) المؤتمرات الإسلامية.

(10) إقامة المراكز الإسلامية.

(11) الأندية الإسلامية.

(12) النقابات المهنية.

(13) الاتحادات الطلابية.

(14) الإغاثة والمعونات.

(15) العلاج الطبي.

(16) التعليم الإسلامي.

(17) تحفيظ القرآن الكريم.

(18) معارض الكتب الإسلامية.

(19) معارض الزي الإسلامي.

(20) رياض الأطفال.

(21) الروابط الأسرية.

(22) النشاط النسائي.

نتاج الدعوة

وأورد فيما يلي نماذج من نتاج الدعوة في العالم مثل:

(1) إقبال الشباب والشابات على الإسلام في المدارس والجامعات.

(2) انتشار الحجاب الإسلامي بين المسلمات.

(3) انتشار الكتاب الإسلامي والشريط الإسلامي.

(4) انتشار البنوك والشركات الإسلامية اللاربوية.

(5) انتشار الآداب والعادات الإسلامية في الزواج والمناسبات والوفاة وغيرها.

(6) امتلاء المساجد بالشباب في جميع أوقات الصلوات الخمسة.

(7) انتشار مراكز تحفيظ القرآن الكريم في أنحاء العالم الإسلامي.

(8) توقد روح الجهاد الإسلامي في أفغانستان وفلسطين والفلبين وأريتريا وغيرها وإشراقة النصر للجهاد الإسلامي بأفغانستان.

(9) الصحوة الإسلامية برمتها هي من نتاج الدعوة إلى الله وثمرة جهود الدعاة منذ أكثر من نصف قرن من الزمان.

(10) عودة الإسلام للبلاد التي حكمت بالعلمانية كتركيا أو بالشيوعية كالجمهوريات الإسلامية في روسيا الصين.

(11) تعدد الهيئات والمنظمات والجمعيات الإسلامية حتى تهتم بأمور المسلمين وقضاياهم في مختلف النواحي واضطلاع كل منها بواجبه.

(12) مطالبة الشعوب حكامها بتحكيم الشريعة الإسلامية وإحلالها بدل القوانين الوضعية.. إلى غير ذلك.

الرابط المختصر :