العنوان هندسة التأثير - الوعي السياسي .. لماذا ؟
الكاتب د. علي الحمادي
تاريخ النشر السبت 21-يناير-2006
مشاهدات 64
نشر في العدد 1685
نشر في الصفحة 58
السبت 21-يناير-2006
قبل عشرات السنين سخر الشاعر العراقي معروف الرصافي من واقع الأمة العربية، وأبان سبب تخلفها وتراجعها، ولكن بأسلوب تهكمي لطيف، فكان مما قال:
يا قوم لا تتكلموا.... إن الكلام محرم
ناموا ولا تستيقظوا..... ما فاز إلا النوم
وتأخروا عن كل ما..... يقضي بأن تتقدموا
وتثبتوا في جهلكم..... فالشر أن تتعلموا
أما السياسة فاتركوا.... أبدا والا تندموا
إن السياسة سرها..... لو تعلمون مطلسم
إن قيل هذا شهدكم..... مر فقولوا علقم
أو قيل إن نهاركم...... ليل فقولوا مظلم
أو قيل إن ثمادكم..... سيل فقولوا منعم
أو قيل إن بلادكم..... يا قوم سوف تقسم
فتحمدوا وتشكروا.... وترنحوا وترنموا
إن ابتعاد صانع التأثير عن واقع أمته ومجتمعه وعدم إدراكه له لهو خطأ جسيم يجعله عرضة لألاعيب اللاعبين ومكر الماكرين، بل ربما أصبح أداة لهم وبأيديهم من حيث لا يشعر، ولربما أساء من حيث يظن أنه يحسن. من هذا المنطلق، فإنه يلزم بمن يود هندسة الحياة أن يكون عنده قدر معقول من الفهم السياسي، وأن يتابع المستجدات، ويقرأ التحليلات السياسية، ويستمع إلى الحوارات السياسية. ولقد أجاب الداعية والمفكر الإسلامي الدكتور فتحي يكن عن خمسة أسئلة مهمة متعلقة بموضوعنا هذا، رأيت من تمام الموضوع ذكرها في هذا المقام فقال:
1 - ماذا نعني بالوعي السياسي؟
عرف علماؤنا الأجلاء «سلفًا وخلفًا»، الوعي السياسي بأنه إدراك لواقع المسلمين وواقع العالم بكل ما يعنيه ذلك من معرفة طبيعة العصر، ومشكلات البشر، والقوى الفاعلة والمؤثرة الظاهرة والخفية، في مواقع القرار، لتكون هذه المعرفة مساعدة في حسن رعاية الأمة لمصالحها، وفي دفع المفاسد والأخطار عنها، فإذا كان معنى السياسة في الإسلام رعاية شؤون الناس فيكون الوعي لازمًا لحسن القيام بهذه الرعاية.
٢- ما أهمية الوعي السياسي؟
إن غياب الوعي السياسي يعني اضطراب وتعثر شؤون الناس، وهو حالة شبيهة بحالة فقدان الوزن وانعدام الرؤية، ونتيجته ضياع مصالح المسلمين وتفاقم وتعاظم المفاسد بينهم وحولهم، وبالتالي ضعفهم وانهيارهم. وتعطل دورهم كأمة ظاهرة بين الأمم، أمرة بالمعروف ناهية عن المنكر، شاهدة على الناس.
يقول الله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ (البقرة: 143) وفي لفتة سريعة إلى دور الأمة الإسلامية في الحياة يقول تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ (آل عمران: 110)
يقول الأستاذ الشيخ محمد الغزالي رحمه الله إن الفكر السياسي عند جمهرة المتدينين يتسم بالقصور البالغ، إنهم يرون الفساد ولا يعرفون سببه ويقرؤون التاريخ ولا يكشفون عبره، ويقال لهم كان لنا ماض عزيز فلا يعرفون سر هذه العزة، وانهزمنا في عصر كذا فلا يدركون سبب هذه الكبوة.
3. ما دور الوعي السياسي في معرفة العصر؟
يجب أن يكون معلومًا أن الوعي السياسي هو المدخل الأساسي لمعرفة العصر.
والعنصر الأهم في نجاح المشروع الإسلامي، ولا أكون مبالغًا إذا قلت إن كثيرًا من التداعيات التي تشهدها الساحة الإسلامية وتتعرض لها الحركات والقوى الإسلامية في العالم تعود أسبابه إلى غياب الوعي السياسي، وبالتالي إلى التخلف عن معرفة وإدراك واقع العصر.
إن المتغيرات السريعة والدائمة التي تمر بالمجتمعات البشرية والثورات التي قامت وتقوم، والتطورات التي طالت مختلف مناحي الحياة، لتؤكد ضرورة المتابعة اليومية للمجريات، واستكشاف مدى أثرها على العمل الإسلامي بشكل خاص، وما يتطلبه ذلك من تعديل وتطوير.
فلا بد من معرفة الواقع، ورصد الجوانب والقوى المؤثرة فيه، ولا بد من رصد الأحداث وتحليلها واستكشاف خلفياتها وأبعادها وآثارها. ولا بد من معرفة تقاليد العصر وأعراقه وثقافته وعلومه والقوانين السائدة والبائدة التي توالت وتتوالى عليه.
ولا بد من معرفة مشاريع الآخرين أصدقاء وأعداء، والتحارب التغييرية المختلفة، واستكشاف أسباب نجاحها إن نجحت أو فشلها إن فشلت. ثم إنه لا بد من معرفة مصطلحات العصر ولغاته السياسية والأدبية والعلمية، إضافة إلى قراءة خطابه هذا بالإضافة إلى الكثير مما تجب معرفته التي قد تصل حيازتها إلى مستوى فروض العين أو الكفاية الشرعية.
4- هل الوعي السياسي شرط للصحوة الإسلامية؟
قد نظلم الحالة الإسلامية عندما نطلق عليها صفة الصحوة، إن لم تكن على مستوى عال من الوعي السياسي والإحاطة بالعصر، وهذا ما دفع ويدفع بكثير من الدعاة والعلماء إلى التأكيد دائمًا على ضرورة تأهيل أبناء الصحوة بكل ما تتطلبه الصحوة، بل إن هذا ليؤكد وجوب إعادة النظر في مناهج التربية والتكوين ووسائل ووسائط بناء الشخصية الإسلامية، وصدق من قال، رحم الله امرءًا عرف زمانه واستقامت طريقته.
5. ما الآثار المترتبة على غياب الوعي السياسي؟
أ. عدم فهم اللغة السياسية التي يتخاطب بها الناس من حولنا، سواء على مستوى الألفاظ ومدلولها، أو على مستوى الأساليب وأبعادها. كمصطلحات النظام الدولي الجديد، والشرق الأوسط، والتطرف والأصولية، ومقاومة الإرهاب، واللوبي، وصدام الحضارات، والعولمة... إلخ.
ب . عدم القدرة على استقراء اتجاهات الأحدث في العالم.
ج. العجز عن وضع الخطط المناسبة للتحرك.
د. تنفيذ خطط القوى المعادية وخدمة أهدافها دون الشعور بذلك.
هـ. الوقوع في تناقضات حول الخطوات المناسبة للمواجهة. والسقوط في مصيدة الاختراق السياسي الفكري، وهذا مما يبلبل المسيرة.
ز. عدم الاستفادة من الفرص المتاحة ونقاط الضعف في جسم العدو.
ح. الانشغال بغير العدو الحقيقي، والاشتباك مع التيارات الأخرى السياسي الموازية أو الحليفة المفترضة.
ط. فقدان الثقة بالعمل الشعبي المنظم كأداة صراع ضد الخصوم.
ي. ضياع الفرص المناسبة، مع عدم الانتباه إلى الخسائر الراهنة والبعيدة المدى.
وأخيرًا، فإنه لابد من التأكيد على ضرورة الاهتمام بالوعي السياسي النجاح المشروع الإسلامي والعاملين فيه، وعلى أن يتحقق هذا الاهتمام عبر محاضن التربية، ومناهج الإعداد، وبرامج التكوين، من خلال دورات تنظم خصيصًا لهذا الغرض، والله المستعان، وعليه التكلان.
(*) رئيس مركز التفكير الإبداعي والمشرف العام على موقع إسلام تايم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل