العنوان أين نحن من ه هؤلاء؟ مصطفى المراغي.. شيخ حمل عزة الإسلام
الكاتب محمد عبدالله الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أكتوبر-1999
مشاهدات 89
نشر في العدد 1370
نشر في الصفحة 58
الثلاثاء 05-أكتوبر-1999
- رسالة العلماء هي رسالة الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام .. والعلماء ورثتها وحملة مشاعلها.
العالم الجليل الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الجامع الأزهر واحد من الأئمة الأعلام الذين أشرق بهم تاريخ الأزهر فهو صاحب علم يتصل بعمل، ومعرفة حقة ترتبط بسلوك ومواقف شجاعة وقوة وصراحة في الدفاع عن الإسلام، تعلمنا منها كيف يكون العالم الحق، وما دوره في الحياة، فالعالم الحق هو الذي يشعر بثقل الأمانة، وعظم المسؤولية، لكنه حين يحيد عن الطريق ويسخر علمه للدنيا، أو يجعلها ثمنًا لمنصب أو جاه، أو زلفى لغير الله، فقد وقع في مصايد الشيطان، وكان علمه حجة عليه «فالعلم علمان علم على القلب فذاك هو العلم النافع، وعلم على اللسان فذاك هو حجة الله على ابن آدم». يقول الرافعي رحمه الله :«إن علماء الشرع - امتداد لعمل النبوة في الناس دهرًا بعد دهر، وجيلًا بعد جيل، فهم ينطقون بكلمتها، ويقومون بحجتها وحين يفكرون في هذه الشريعة لا يغيب عن بالهم ابدًا صاحبها، فهو معهم أينما كانوا يسألهم ماذا يفعلون؟ وماذا يقولون أما علماء الدنيا فينظرون في كتب الشريعة - وحدها، ويغفلون أو ينسون صاحبها، وحينئذ يسهل عليهم التأويل والتبديل، والتحايل على النصوص، وحي القلم. روى الشيخان بالسند المتصل عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء. حتى إذا لم يبق عالمًا، اتخذ الناس رؤساء جهالًا فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» والإمام المراغي يرحمه الله نحسبه من الذين يصدق فيهم الأثر «العلماء ورثة الأنبياء» والأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم بكتاب الله دستوره الخالد، وحدوده، والحكم بما أنزل الله. علماء الأمس زانوا العلم وزانهم، وصانوه وصانهم، وآمنوا بأن العلم وسيلة شريفة لهدف نبيل، وغاية شريفة، وضعوا أمام أعينهم رضاء الله تعالى، وهداية الأمة إلى الطريق المستقيم، ولم يكونوا في يوم من الأيام يعملون لإرضاء المخلوق أو تبرير الأوضاع، أو كسب الشهرة ولم يكونوا من الذين يجيدون فن القول أو التنقيب عن كل رأي ضعيف ومرجوح، ويسبحون في بحر الشبهات والشهوات والتوريات، والرخص، والثرثرة في سوق الفتاوى بثمن بخس، وعرض زائل رخيص، وكانوا صادقين لا يعرفون الكذب ولا المراوغة، صرحاء لا يعرفون اللف والدوران، كانوا يعرفون ويؤمنون بشيء واحد الحق الذي قامت عليه السموات والأرض لقد كان - رحمه الله تعالى - يقود الأزهر في عهد فاسد واستعمار إنجليزي آية في الدهاء والمكر والخبث استعمار ظالم جبار في القسوة يكيد للإسلام والمسلمين، ويزرع من خلال عملائه في كل ركن بذور الشر والفساد، لتحطيم الأمة - والقضاء على كيانها، وحين نقص نبأ الإمام الأكبر، نقص خبرًا حديثًا قريب العهد، وعلى كلامنا شهود أحياء، والإمام من بلدة المراغة، إحدى مراكز محافظة سوهاج، في صعيد مصر
أمانة العلماء
ولم
يكن المراغي هذا فلقة، بل كان من حوله الكثيرون من العلماء الأمناء على هذه
الرسالة، ومن الغيورين عليها، ممن وفقهم الله لكي ينفوا عن هذا الدين تحريف
الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، ووقفوا حياتهم للدعوة إلى هذا الدين -
لتزكية النفوس وتطهير الأرواح، وتجديد الصلة برب الأرض والسماء واستنفار المسلمين
للكفاح والنضال، ودفع فتنة المال والجاه والولد، وزينة الحياة الدنيا، وكانوا قدوة
في بعث روح الشجاعة في الأمة، وحضها على فعل الخير والدعوة إلى : سيادة هذا الدين.
ولولا هذا الرعيل الكريم من رجالات الإسلام الذين واجهوا الموجات المتتابعة من هنا
وهناك، لذهبت هذه الأمة، ولكن الله عز وجل أراد لأمة الإسلام أن تبقى وأن تمتد،
وأن تجتاز العقبات - وأراد لأعدائها أن يذهبوا غير مأسوف عليهم واحدًا بعد الآخر. ولقد
كان الإمام الأكبر يعتبر نفسه بحق مسؤولًا عن كرامة المسلمين، ومسؤولًا عن
أوضاعهم، وأن مركزه تستشرفه كل الأبصار، فعمل طوال حياته على أن يعطي ولا يأخذ،
ويوجه ولا يوجه، ويقود ولا يقاد مهما كانت الظروف وعمل على إظهار وجه الإسلام
الصبوح المشرق ومكانة القرآن في الأمة، وحين كان يلقي دروسه، كان يتعرض لأحوال
امته، وما تمر به من محن خاصة في أوقات الشدائد، فحين بدأت الحرب العالمية
الثانية، والتي كان الحلفاء يحاولون إشراك مصر فيها، بعد ان أشركوا الهند وأشركوا
جنوب إفريقيا، ثم أدخلوا كل إفريقيا السمراء.. وهذه فكرة استعمارية فقد كان
الإنجليز يحاربون بجنود المستعمرات ويضعونهم في المقدمة ويظل جنود الإنجليز في ما
من ولقد أدرك الإمام هذا العمل، ومدى خسته واستهتار الإنجليز بالشعوب واستعبادهم
لها فكان تصريحه الذي قال فيه: «حرب لا ناقة لنا فيه ولا جمل»، وبهذه الصراحة واجه
الملك ومَن هم وراء الملك، وواجه الاستعمار وكشف عن أساليب الخسيسة، وحدث يومها أن
عاتبه رئيس الوزراء على هذ التصريح، فطلبه بعده مباشرة معاتبًا كيف تصرح هذا
التصريح السياسي دون أن تخبرني، فكان الرد القوي؛ قال الشيخ كنت أطلعك لو كان موضوعًا
خاصًّا بكوبري أو شق طريق أما في السياسة فهي أولى بي منك، ثم أحس بأن منزلته
وكرامته قد مُسَّت، فقال لرئيس الوزراء لا بد أن تدرك بصفتك رئيسًا للوزراء، أنني
أستطيع بخطبة واحدة في الأزهر أو الحسين أن أجعلك تفقد منصبك، وفي هذا يقول الشاعر
المسلم:
إن
الأكابر يحكمون على الورى وعلى الأكابر يحكم العلماء
جاء
في مجلة المختار الإسلامي: وزاره المندوب السامي في مكتبه -المندوب السامي الذي
كان يخلع الخديوي ويغير الوزارات- فقال بدهاء بريطاني: «يا فضيلة الشيخ إني رجل
أتقن صيد السمك، وأعرف أن السمكة تفسد من رأسها»، وهو يلمح في هذا إلى فساد الملك،
ولم يتلعثم الشيخ بل قال له: «إن كنت أنت تصيد في نهر «التيمز» ، فأنا أصيد في نهر
النيل، وأدرى منك بالسمك في مصر، إن السمك عندنا يتلف من بطنه، وليس من رأسه، وهو
يريد أن يقول إن مصر لا تفسد من الملك وحده، إنما تفسد من سكوت العلماء وتقاعسهم
عن قول كلمة الحق.
الحق
ما قاله الصديق أبوبكر-رضي الله عنه- «احرص على الموت توهب لك الحياة، وصدق مَن قال:
«أذل الحرص أعناق الرجال» وكان الإمام رئيسًا للمحكمة الشرعية العليا، وقبل ذلك
كان قاضي قضاة السودان، وقبلها كان قاضي محكمة الخرطوم بالسودان، وفي عام 1928م
ولي الأزهر، وتولاه مرة أخرى في سنة 1935م، وكان عمره ٤٥ سنة فقط، وشعر بأنه لا بد
من عمل برنامج إصلاحي للأزهر، ولما أحس المعارضة له استقال، ولم يمض عليه ثمانية
شهور، فكلمة استقال تبدو اليوم غير موجودة عند كثيرين.
وكان
الكبراء إذا زاروه في بيته قابلهم كما يقابل أي ضيف، وكان الملك فاروق لا يجرؤ على
استدعاء الإمام إليه، وحين مرض ولي العهد محمد علي استدعوا الطبيب من بريطانيا،
وذهب الإمام ليعوده، ففتحوا له بوابة القصر الكبيرة، ثم بعدها بعدها وجد أنه لا بد
أن يدخل من باب صغير يطأطئ فيه رأسه فعاد ادراجه دون أن يزور الأمير.
المراغي
والملك فاروق
وأما
فاروق فكان يسرع إلى دروسه، ويتلقى ويحافظ على صلاة الجمعة معه، هذا في فترة التي
سبقت انحرافه على أيدي عصابات الشر التي تجيد كل ألوان الانحراف، ثم تأتي مسألة
طلاق فريدة، فقد ذهب إليه الملك في مستشفى المواساة وقال له: إنه يريد أن يطلق الملكة
فريدة، وطلب أن يفتي الإمام له فتوى تحرم زواج فريدة من بعده.
ونظر
إليه الشيخ المراغي وقال: في صراحة أما الطلاق فهو أكره ما أكرهه، وأما التحريم
فلا أملكه، وعندما راجعه الملك في هذا الأمر مرة أخرى، صاح بأعلى صوته كيف تطلب
مني تحريم ما أحله الله.
وحين
كان بالسودان زارها ملك بريطانيا وقف المسؤولون في شرف استقبال الملك البريطاني،
وانحنى الجميع إلا الشيخ فإنه سلَّم عليه كأي إنسان عادي، وعندما عوتب في هذا قال:
«إن ديننا علمنا ألا نركع ولا نسجد لغير الله». وهذا الأسد المعتز بدينه، وبكرامته
وكرامة الأزهر، كان إذا خرج من الأزهر وقابله بائع الفجل أو بائع الليمون يشتري
منه، ويعطيه ثمنًا مضاعفًا؛ صدقة في صورة بيع وشراء، وكان يسكن في مدينة حلوان من
ضواحي القاهرة، فإذا وجد عاملًا أو فلاحا كادحًا، توقف وتبسط معه.
وكان
يتصدق بجانب كبير من مرتبه، ويوصي بالمظلومين والمستضعفين، ويرى أن هذا من صميم عمله
كشيخ للأزهر، وكانت تظهر عليه آثار النعمة في ملبسه ومظهره، وكان يرى أن رصيده في الحياة،
هو كرامته، وأن كرامته هي كرامة الإسلام، وأي تفريط في كرامة الإسلام جريمة. وكان
يقود ولا يقاد، وكان حوله من رجال الأزهر مَن يقتدون به، ويعملون لصالح الإسلام
والمسلمين.
رحم الله الإمام الأكبر، وتقبله في الصالحين وجزاه عنَّا وعن الإسلام ما هو أهل له.