العنوان واشنطن والإرهاب.. اعتراف بالفشل ومواصلة إنتاج أسلحة الدمار الشامل
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر السبت 09-نوفمبر-2002
مشاهدات 54
نشر في العدد 1526
نشر في الصفحة 26
السبت 09-نوفمبر-2002
كشفت المخابرات المركزية الأمريكية الأسبوع الماضي عن وثائق وجهتها لأعضاء الكونجرس في أبريل الماضي تقول إن الحرب الأمريكية على ما يسمى بالإرهاب في العالم فشلت في الحد من هذا الخطر المزعوم بسبب تركيز الحملة على ظواهر المشكلة، لا على الأسباب الحقيقية لأعمال الإرهاب من وجهة نظر واشنطن.
وعلى الرغم من التعاون الذي أبداه كثير من دول العالم مع الإدارة الأمريكية في حربها في افغانستان، تشير هذه الإدارة إلى إخفاقها في القضاء التام على «جماعات الإرهاب». وكانت الحملة الأمريكية – البريطانية على تنظيم القاعدة وحركة طالبان، قد أدت إلى اعتقال أكثر من ۱۳۰۰ من الإسلاميين من أكثر من ٧٠ بلدًا تزعم الإدارة الأمريكية وجود صلة لهم بالقاعدة أو طالبان، ويقول المسؤولون الأمريكيون إن اعتقال هؤلاء جاء ثمرة تعاون متزايد بين الولايات المتحدة وأجهزة استخبارية أجنبية.
ولأول مرة تعترف المخابرات الأمريكية «سي أي إيه» في إجاباتها عن الأسئلة التي قدمها أعضاء الكونجرس بأن الحملة الأمريكية على «الإرهاب» لم تجلب الاستقرار حتى الآن لأفغانستان، على الرغم من عنف الهجمات الأمريكية على ذلك البلد، كما تقول إن تحديات كبيرة ما زالت موجودة في شبه الجزيرة، إضافة إلى استمرار محاولات كل من إيران وسوريا تعزيز ترساناتهما العسكرية، وتفاقم النزاع في الأراضي العربية المحتلة، وهي «سي أي إيه» إنها ستعزز التوجه الراديكالي في العالم الإسلامي، وهو ما تسعى واشنطن للقضاء عليه.
وقد تجنبت «سي أي إيه» في إجاباتها تحديد مدة الحرب أو الحملة التي بدأتها الإدارة الأمريكية على ما تسميه بالإرهاب، والتي يبدو من سياق الأحداث المتتالية أن واشنطن تسعى لتصعيدها من خلال حشد دول روسيا كثيرة للانضمام إليها، ومن خلال ربط بعض العناصر غير ذات الصلة مع بعضها لكي تبدو وكأنها تصب كلها في مجرى محاربة الإرهاب العالمي، فقد حاولت الإدارة الأمريكية جاهدة، إيجاد صلة بين النظام في العراق وتنظيم القاعدة، بزعم أن أفرادًا من القاعدة يتدربون في مناطق في العراق، وأن بغداد توفر مأوى لهم على أراضيها. وليس غريبًا أن تستفيد الإدارة الأمريكية من تفجيرات وقعت في بالي بإندونيسيا، والهجوم على السفينة الماليزية «ليمبرج» التي تحمل علمًا فرنسيًا قبالة السواحل اليمنية، لكي تحشد التأييد لها في توسيع دائرة حربها، وتنفيذ مخططاتها في ضرب العالم الإسلامي وتقطيع أوصاله.
على أن ما يثير الريبة الموقف الأمريكي من استعمال القوات الروسية الخاصة لغازات غامضة، قالت موسكو: إنها مواد مخدرة خلال عملية تحرير الرهائن في أحد المسارح الشهر الماضي، والتي ذهب ضحيتها حوالي ١٨٠ شخصا منهم حوالي الخمسين من المقاتلين الشيشان. فالسكوت الأمريكي عن استعمال روسيا لمواد يحرمها القانون الدولي في عملية المسرح قد يكون متصلًا بحسابات استرضاء موسكو لتغيير موقفها من قرار لمجلس الأمن يجيز للقوات الأمريكية ضرب العراق، وهو القرار الذي ما زال يلقى معارضة من فرنسا وروسيا، إضافة إلى العالم العربي والإسلامي ولا يريد الأمريكان أن يظهروا أمام المجتمع الدولي على أنهم وحدهم المستهدفون مما يسمونه بالإرهاب العالمي، ولذلك يريدون إقناع العالم بأن الكل هدف لهذا الإرهاب.
واشنطن تطور أسلحة بيولوجية
وتتزامن التهديدات الأمريكية بضرب العراق، وتوسيع دائرة الحرب على «الإرهاب العالمي» مع قيام واشنطن بتطوير جيل جديد من الأسلحة البيولوجية يخالف المعاهدات والمواثيق الدولية. وقد نسبت صحيفة الجارديان البريطانية إلى علماء بريطانيين وأمريكيين قولهم: إن وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون»
وبمساعدة من مختصين في الجيش البريطاني، يعملون على إنتاج أسلحة «غير قاتلة» شبيهة بالغاز الذي استخدمته القوات الروسية لتحرير رهائن المسرح، على الرغم من أن هذا الغاز ويدعى «الفنتانيل» أودى بحياة قرابة ١٨٠شخصًا تقريبًا غالبيتهم من الرهائن (!)
فواشنطن مستمرة في إنتاج أسلحة دمار شامل، على الرغم من أنها تستعد لضرب العراق، بدعوى أنه يمتلك أسلحة دمار شامل وينتهك القوانين الدولية.
ونسبت الجارديان إلى البروفسور مالكولم داندو من جامعة برادفورد شمال إنجلترا قوله: إن «سي أي إيه» تحاول الآن عمل نسخة من القنبلة العنقودية السوفييتية المصممة لنشر مواد بيولوجية، كما أن البنتاجون يقوم الآن ببناء مصنع للأسلحة البيولوجية من مواد متوافرة في الأسواق، لكي يثبت أن «الإرهابيين» يستطيعون عمل الشيء نفسه(!)، وأضاف داندو أن وكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية تجري أبحاثًا في هندسة الجينات لإنتاج مضادات حيوية للجمرة الخبيثة «الأنثراكس».
ومن المعروف أن الولايات المتحدة تعمل على إضعاف معاهدة الأسلحة البيولوجية الموقعة عام ۱۹۷۲م. وفي شهر يوليو الماضي أجهضت الولايات المتحدة محاولة دولية لإضافة صلاحيات جديدة للمعاهدة تتعلق بأعمال التفتيش على الأسلحة البيولوجية حتى تستطيع الدول الموقعة على المعاهدة التأكد من أن الدول الأخرى ملتزمة بالمعاهدة.
كما أن للولايات المتحدة تاريخًا «عريقًا»، في تجربة الأسلحة البيولوجية على البشر في أكثر من مكان حتى داخل الولايات المتحدة نفسها.
وفي عام ١٩٨٧م، أرغمت وزارة الدفاع قضائيًا على كشف حقيقة استمرارها في إجراء أبحاث على الأسلحة البيولوجية والكيميائية في ١٢٧ موقعًا داخل الولايات المتحدة.
كما اضطر البنتاجون عام ١٩٩٦م إلى الإقرار باحتمال تعرض أكثر من ٢٠ ألف جندي أمريكي إلى أسلحة كيماوية خلال حرب الخليج عام ۱۹۹۱م، نتيجة لتلقيهم حقنًا مضادة للأسلحة البيولوجية.
وإذا ما صحت الأخبار التي أشارت إلى عزم القوات الأمريكية تجربة قنبلة كهرومغناطيسية على العراق، فإن الولايات المتحدة تعتبر شعوب العالم العربي والإسلامي حقول تجارب لابتكاراتها العسكرية بعد أن جربت أسلحتها وقنابلها الضخمة في أفغانستان وفلسطين وغيرهما.
التسلط الأمريكي على منطقتنا مرشح للاستمرار والتمدد، وهو بالتأكيد لن يحقق للإدارة الأمريكية مصالحها على المدى البعيد، بل سيغذي مشاعر الكراهية والعداء تجاهها، وهو ما اعترفت «سي آي إيه» بأنه جذر المشكلة التي فشلت واشنطن حتى الآن في حلها.