; نصائح تأصيلية في الانتخابات البرلمانية | مجلة المجتمع

العنوان نصائح تأصيلية في الانتخابات البرلمانية

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أغسطس-1992

مشاهدات 45

نشر في العدد 1013

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 25-أغسطس-1992



 

نصائح تأصيلية في الانتخابات البرلمانية

 

الإطار الشرعي للمشاركة الانتخابية

من المسلم به أنه ما من عمل يقوم به المسلم في حياته اليومية والعملية إلا وهو يخضع للميزان الشرعي من حيث وجوبه أو ندبه أو حرمته كراهته أو إباحته.

 والمشاركة في المجلس من خلال الترشيح أو الانتخاب جزء من حياة المسلم العملية الخاضعة للأحكام الخمسة، وهذه قد تم بيانها في كتاب "للدعاة فقط"، والحمد لله.

 

التحرك البشري بين الدنيا والآخرة

إن التحرك في العملية الانتخابية محور يتحرك فيه معظم الشباب في هذا البلد؛ لأنهم هم مادة الحياة، فالتحرك إذًا سمة عامة يشترك فيها صاحب الخير وباقي البشر. وهي بذلك طبيعة بشرية كما قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلْإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَٰقِيهِ﴾ (الانشقاق: 6)، وكقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث (1) مسلم: «كل الناس يغدو». فالإنسان مطلق الإنسان كادح من الصباح إلى الليل لأنه طبعه متحرك. وهذا لا يختلف فيه مسلم عن فاسق، ولا بَرّ عن فاجر؛ لأنهم جميعًا يشتركون في إطار الطبيعة البشرية، ولكنهم بعد ذلك يختلفون في النتيجة الحقيقية لهذا التحرك.

 

فهناك كدح في النار وهناك كدح في الجنة، وهناك غدو يوصل صاحبه إلى الجنة، وآخر يوصل رفيقه إلى النار. وبهذا قال الله تعالى بعد ذكره العموم للكدح مبينًا للنتيجة: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ* فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ مَسْرُورًا﴾ (الانشقاق: 7-9). هذه نتيجة من سعى وهو مؤمن، أما الصنف الآخر وهو من سعى وهو فاسق: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (*) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا﴾ (الانشقاق: 10-11). وهذه النتيجة هي التي عبر عنها الحديث بعد ذكره للاشتراك في الغدو فقال -صلى الله عليه وسلم-: «كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها».

 

وبناء على ما ذكرنا، نذكر النصائح التالية:

 

النصيحة الأولى: وهي للناخب والمرشح - بفتح الشين: «الإخلاص في القصد والعمل مع موافقة الشرع في الأعمال».

 

وهذان الأصلان كثر فيهما الكلام واستفاض، ولكننا نكتفي بالقول إن العمل لا يُقبل إلا إذا كان خالصًا لوجهه تعالى وموافقًا لشرعه، فلو تخلف أحد هذين الأصلين بطل العمل. ولذلك فعلى كل متحرك في مجال الانتخابات أن يخلص نيته عند كل حركة - فالمرشح - عليه أن يجدد النية دائمًا أنه ما أتى إلى هذا المكان لمغنم دنيوي أو مكسب بشري، ولكن بنية تبليغ دعوة الله والعمل على إقامة الحياة وفق شرع الله. أما الناخب، فعليه أن يجدد النية لانتخاب من توفرت فيه صفات النائب الصالح المستقيم على منهج الله المتوفرة فيه الصفات التي سنذكرها، مبتعدًا بذلك عن روح التعصب.

 

النصيحة الثانية: وهي كذلك للاثنين - الناخب والمرشح - «بفتح الشين»: «الابتعاد عن الكسب الحرام».

 

من المعروف أن الألفاظ تعرف بحسب وضعها وسياقها في الكلام، ونحن هنا عند الحديث عن الانتخابات يكون مرادنا بالكسب هو الأصوات الانتخابية التي بها ينجح المرشح، وهذا الكسب في الميزان الشرعي إثمه عظيم.

 

وذلك لما سيترتب عليه من ضياع الأمانة التي هي شعار مميز لمجتمع الأمن والإيمان، فمن المقرر في نصوص الحديث أن أعظم صور ضياع الأمانة هي إسناد الأمر لغير أهله. فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «بينما النبي -صلى الله عليه وسلم- يحدث إذ جاء أعرابي فقال متى الساعة؟ قال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. قال وكيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة» (2).

 فعلى ذلك فكل صوت سيكون له أثر في إيصال من ليس بأهل لحمل الأمانة هو صوت مساهم في إسناد الأمر لغير أهله.

 

صور الكسب الحرام:

 

استخدام الكذب تحت ستار الحبكة الانتخابية، وهنا نذكر حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: «وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا» (3).

 فالذي يكذب من غير أن يشعر تجده ينساق وراء الكذب ليحصل على الكسب الرخيص حتى يصل إلى مرحلة يحتاج ليغسل سبع مرات إحداهن بالتراب، وهي مرحلة حتى «يكتب عند الله كذابًا».

 

النفاق: وهذا يلبس ثوبًا شرعيًا اسمه «الدبلوماسية».

 

الرشوة والهدايا: وهذه صورة ممجوجة اتفق المفتون على تحريمها.

 

النصيحة الثالثة: إخضاع عملية الاختيار لميزان الحق:

 

إن عملية الاختيار ليست بالأمر الهين السهل، بل تحتاج إلى تمحيص واختبار. ولذلك لا يسعنا هنا إلا أن نذكر بعض القواعد للاختيار.

 

القاعدة الأولى: القوة والأمانة، قال تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِين﴾ (القصص-26).

 

فهو قوي يهابه الرعاء فيفسحون له الطريق، قوي يقدر على العمل. وهنا يلاحظ أن القوة تقدر بمكانها واحتياجها. فقائد الجيش مثلًا يختار لقوة بدنه وشجاعته وحسن تخطيطه، والطبيب لقوة علمه وبحوثه في مهنته، والنائب في مجلس الأمة، يختار - بضم الياء، لقوته في مجالات متعددة: قوة في البيان، قوة في الفهم، قوة في المبدأ، قوة في الثبات. أما الأمانة فهي كلمة عامة - يدخل فيها الأمانة على المال، وعلى المبادئ، وعلى الأعراض، وعلى التشريعات والعقائد وغيرها من أمور الدين والدنيا التي تحتاج إلى الأمانة.

 

وهنا نقول إنه عند اجتماع الأمانة والقوة في الرجل فإن الفطرة السليمة تهفو إليه ما لم تدنس (بتلوث) تلوث جاهلي. كما أن توفر هذه القاعدة في النائب ستجعله رجل قضية ومبدأ، لا رجل شهرة ومنصب، فيكون أهلًا لتحمل المهمة، متمكنًا من المنبر الذي يتحدث منه. وكذلك كان يوسف عليه السلام عندما مارس حكم الله في المال في نظام وحكم الملك العام، كان رجلًا متمكنًا: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾.

 

القاعدة الثانية: الحفظ والعلم، كما قال تعالى في سورة يوسف: ﴿قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ ۖ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (يوسف:55). فالانتخابات القادمة بحاجة إلى الحفيظ العليم ليحفظ ما نحن فيه من خير ويصونه، ثم يكون عنده علم [لأدارته] (لإدارته)، وهو في حفظه نظيف لا يتهافت على نظرة رضى وكلمة ثناء.

 

النصيحة الرابعة: الاختيار بميزان التقوى لا العشيرة

النصيحة الرابعة: إن الاختيار لا يخضع لإطار العشيرة والقبيلة، بل هو خاضع لميزان التقوى بمفهومها الواسع. فالذي يكنس الشارع مطلوب منه أن يكون صاحب تقوى في عمله، والوزير كسلطة تنفيذية مطلوب منه أن يتقي الله، وكذلك النائب بصفته عضوًا في السلطة الشورية مطلوب منه أن يتقي الله. فالتقوى عامل مشترك مطلوبة من الجميع، ولكن يختلفون [بكيفية] (في كيفية) التقوى بحسب مكانهم في العمل. فالنائب يتقي الله في تبنيه أو رفضه لأي قضية تعرض في المجلس في عرضها على الميزان الشرعي، يتقي الله بألا يجعل مبدأه عرضة للمساومة والترغيب والترهيب، وغير ذلك من صور التقوى الضرورية للنائب.

 

النصيحة الخامسة: القيام بنصرة الرجل الصالح:

 

إن من المؤسف أن أهل الخير في المجتمع يكتفون بالإدلاء بأصواتهم في ساعة الانتخابات فقط ويظنون أنهم بذلك قد أدوا ما عليهم، وهم بذلك مخطئون. إن عملية الاكتفاء بالتصويت فقط فيها إخلال بمبدأ النصرة الإسلامية كما أنها صورة من صور السلبية التي هي بالضرورة معاونة على إظهار الرجل غير المناسب.

 

مبدأ النصرة من خلال النصوص:

 

حديث زيد بن خالد قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيًا في سبيل الله في أهله بخير فقد غزا» (1).

 فمنطوق الحديث يدل على الغازي المقاتل، أما مفهومه فإنه يدخل فيه كل من يقوم بنصرة الإسلام. فتجهيزه بأي صورة من صور التجهيز: الذهاب معه في الديوانيات، المنافحة عنه في غيبته، دعمه في مصروفاته، إلى غير ذلك من صور النصرة والدعم. وهذا ليس بدعًا من الفهم، بل هو متماشٍ مع روح الشريعة وأحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- التي منها: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله».

 

نصرة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لأبي بكر الصديق: تروي لنا السيرة أنه بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة، ليختاروا أميرًا منهم وكان التوجه إلى سعد بن عبادة، فقام فيهم أبو بكر قائلًا: "يا معشر الأنصار إننا لا ننكر فضلكم ونصرتكم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم، ولكن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال وأنت جالس: «إن الأئمة من قريش»". وهنا قام عمر -رضي الله عنه- وقال - وهذا هو الشاهد -: «أمدد يدك يا أبا بكر أبايعك»، ثم التفت إلى الناس قائلًا: "أيها الناس إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اختاره لديننا فكيف لا نختاره لدنيانا". فكانت هذه المناصرة السريعة من عمر -رضي الله عنه- قطعت الفتنة. وهكذا لو سارع كل مواطن لمناصرة القوي الأمين لقطعوا فتنة التوزع وتفرق الأصوات ولحسموا القضية في مهدها.

 

فإلى نصرة المرشحين الذين تنطبق عليهم القواعد السالفة الذكر، وإلى مزيد من الحركة والعطاء.

 

إطار العملالبرلماني في الشورى الإسلامية

وهنا لا بُدَّ من ذكر بعض القضايا المهمة في المجلس:

 

اتفق أهل العلم على أن كل ما نزل به وحي لم يجز مشاورة الأمة فيه لأنه لا اجتهاد في مورد النص.

 

إن هناك فروقًا بين مجلس الشورى ومجلس الأمة أو أي برلمان آخر ومن أهمها:

أ- أن المجلس البرلماني يسن القوانين والأنظمة التي تحتاجها الدولة في جميع مرافقها حسب ما يراه الأعضاء موافقًا للظروف.

ب- أما مجلس الشورى الإسلامي: فإنه يقوم بتنظيم ما ذكرناه بما يوافق روح الشريعة الإسلامية ولا يصطدم بنص وارد في القرآن الكريم والسنة النبوية. وهناك فروق أخرى نكتفي هنا بما يتعلق بموضوعنا.

 



 



الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 47

110

الثلاثاء 16-فبراير-1971

الوديعة بين الشريعة والقانون

نشر في العدد 189

121

الثلاثاء 26-فبراير-1974

أكثر من موضوع (189)