العنوان «منهج التابعين في تربية النفوس»
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الأحد 29-ديسمبر-1991
مشاهدات 40
نشر في 982
نشر في الصفحة 36
الأحد 29-ديسمبر-1991
المفلحون
والخائبون:
عندما خلق الله
تعالى النفس البشرية خلق معها قوة الاستعداد لفعل الخير أو الشر وجعل الإنسان
قادرًا على استعمال هذا الجهاز الذي أودعه فيه دون أن يكون مسيرًا لطريق ما، بل له
تمامًا الحرية في اختيار المنهج ﴿
وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (الشمس: ٧،
٨) (۱).
على هذه الحرية
في الاختيار الجزاء أو العقوبة يوم الحساب وذلك بقوله تعالى ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن
دَسَّاهَا﴾ (الشمس: ٩، ١٠).
فالنجاح لأولئك
الذين فهموا الغاية من الخلق وهي العبادة بمفهومها الشامل وعرفوا في ذات الوقت
العوائق التي تعيقهم عن تحقيق هذه الغاية، والتي من أبرزها هذه النفس التي بين
جوانحهم، فقاموا بتزكيتها وتقويمها حتى ذلت بعد كبرياء وألفت بعد وحشة وهدأت بعد
هياج، فأصبحوا هم السادة لتلك النفوس يقودونها حيث يريد مولاهم.
أما أولئك الذين
جزعوا من هياجها وذلوا لكبرتيها وخافوا من وحشتها، فأفلتوا لها الزمام وقبلوا
بالعبودية لها وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا، تقودهم هي حيث تريد من الهوى، فقد
خابوا وخسروا الدنيا والآخرة بعد أن تجاوزت نفوسهم بهم الحدود التي وضعها الله في
كتابه وبينها رسوله r
في سنته بإيثارهم الوسائل التي خلقها الله لهم لتعينهم على العبادة من أمور الدنيا
على العبادة ذاتها فاتخذوا هذه الوسائل آلهة من دون الله ﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ
تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ (الفرقان: ٤٣).
(۳)
فكانت الجحيم مأواهم
ودارهم التي سيأوون إليها في آخر المطاف ﴿ فَأَمَّا مَن طَغَىٰ، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا،
فإن الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ (النازعات: ٣٧، ٣٨، ٣٩).
(٤)
إن من الحماقة
والغباء أن يتمنى الإنسان شيئًا دون بذل السبب للحصول عليه ولا يختلف اثنان بحماقة
ذلك الإنسان الذي يرفع يديه إلى السماء طلبًا للمال ويصر على البقاء في بيته ويريد
من السماء أن تمطر ذهبًا أو فضة... وأحمق
الذي يطلب الدنيا ولا يبذل سبب الحصول عليها، ذلك الذي يريد النجاة في الآخرة ولا
يبذل أسباب النجاة يصفه مصطفى الرافعي رحمه الله بالفريق الأحمق، فيقول واصفًا
لهوه في وسط الموت «ويحه من غريق
أحمق يرى الشاطئ على بعد منه فيتمكث في اللجة مرتقبًا أن يسبح الشاطئ إليه ويثبت
الشاطئ ويدع الأحمق تذوب ملحة روحه في الماء!
اسبح ويحك وانج
فإن روح الأرض في ذراعيك، وكل ضربة منهما ثمن ذرة من هذا الشاطئ كذلك ساحل الخلد
يريد في الإنسان الذي هو إنسان أن يبلغ إليه مجاهدًا لا مستريحًا عاملًا لا وادعًا
يلهث تعبًا لا ضحكًا، ويشرق بأنفاسه لا بكأسه ويفضح من عرق جهاده لا من عطر لذاته،
إن هذا التصرف من ذلك الفريق الأحمق هو إحدى دلالات طمس البصيرة وعمى القلب وإن
كان يبصر بعينه التي في وجهه، فالإبصار لا يتم في تلك التي في الوجه، فحسب فثمة
عينان أخرى في القلب إذا عميت حاد عن الجادة ذلك ما أشار إليه التابعي الجليل خالد
بن معدان بقوله: «ما من عبد إلا
وله أربع أعين: عينان في وجهه
يبصر بهما أمر الدنيا وعينان في قلبه يبصر بهما أمر الآخرة.
فإذا أراد الله بعبد خيرًا فتح عينيه
اللتين في قلبه فيبصر بهما أمر الآخرة فإذا أراد الله بعبد غير ذلك تركه على ما هو
عليه ثم قرأ «أم على قلوب
أقفالها» (٦).
والتابعون خير
من عرف الطريق لتربية هذه النفوس ولقد تركوا لنا إرثًا عظيمًا من فنون التربية لم
يكن على هيئة المدونات والمخطوطات بل كان بمثابة النماذج البشرية التي قاموا
بتربيتها على تلك الأصول التربوية التي استمدوها من أنقى الناس وأعبدهم وهو الرسول
r.
وهم بذلك يشكلون
أصفى وأنقى رصيد من فنون التربية دون الحاجة لإضافة المزيد مما وجد في ديانات أخرى
وأمور لم ينزل الله بها من سلطان ورهبانية ابتدعوها ما كتبها الله عليهم.
ومع صفاء ونقاء
وقوة هذا الرصيد التربوي إلا أن الكثير من الكتب التي عنت بالسلوك والأخلاق والتربية
الإيمانية من القديم والحديث أغفلت متابعة ورصد وتحليل هذا المنبع الصافي، فإما خلطت معه
بعض كلام الفلاسفة وحكماء الإغريق وبعض عقوبات النفس مما هو بعيدًا عن روح هذا
الدين وذلك بالتأثر بالكتب المترجمة وبعض الزنادقة والمجوس ممن أدخل ووضع الكثير
مما ليس من الدين وإما خلطت هذه المواقف وهذه الفنون التربوية من جيل التابعين
ببعض كلام أهل التعديل والتجريح من علماء الرجال فضلًا عن هذه المدرسة التربوية
الصافية في خضم المجلدات الواسعة لعلم الرجال.
التابعون يصفون
جيل التأسيس
لا يستطيع أحد
القيام بوصف أحد ما أو فئة ما إلا من كان لصيقًا بذلك الشخص أو تلك الفئة
والتابعون هم أقرب وألصق الناس بالصحابة y
ولذلك كانوا أكثر المتأثرين أصدق الواضعين لحالهم وأخلاقهم.
فهذا ميمون بن
مهران التابعي يصف من رآهم من الصحابة y ويقارنهم بالجيل الذي كان فيه فيقول «أدركت
من لم يتكلم إلا بحق أو يسكت وقد أدركت من لم يكن يتكلم بعد صلاة الفجر حتى تطلع
الشمس إلا بما يصعد، وقد أدركت من لم يملأ عينيه من السماء فرقًا من ربه U..
ولو أن بعض من أدركت نشر حتى يعانيكم
ما عرق منكم شيء إلا قبلتكم» (۷)
لقد كانت هذه
بعض الصفات التي نقلها مهران t
عن جيل التأسيس ورآها قد ضمرت في
جيله، بل إنه ذهب إلى أكثر من ذلك لقد توقع أن الجيل الذي هو فيه ابتعد عن صفات
الصحابة ابتعادا يجعل من الصعب على جيل الصحابة أن يستدلوا على إسلامهم لو نشروا
فعاينوهم، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على حساسية مرهفة وألم دفين في نفوس
تلامذة الصحابة y واعتزاز عظيم بشيوخهم من الصحابة جعلهم
يستبعدون أن يخلق مثلهم أو حتى قريبًا منهم، وإلا فأي تغير كبير حدث في مدة لا
تجاوز سنين معدودة.
هذا الاشتياق
والتعلق والتبجيل لجيل الصحابة y
هو الذي جعل أحد كبار التابعين الإمام الحسن البصري يتألم لأي تغیر يراه من الجيل
الذي عاش فيه وإن كان صغيرًا فها هو يقول مخاطبًا لمن عايشهم من جيله «نضحك
ولا تدري لعل الله قد اطلع على بعض أعمالنا وقال: لا
أقبل منكم شيئًا... ويحك يا بن آدم،
هل لك بمحاربة الله - يعني قوة
- والله لقد رأيت أقوامًا كانت الدنيا
أهون على أحدهم منا لتراب تحت قدميه ولقد رأيت أقوامًا يمسى أحدهم ولا يجد عنده
إلا قوتًا فيقول: لا أجعل هذا كله
في بطني فيتصدق ببعضه ولعله أجوع إليه فمن يتصدق به عليه. (۸)
إن الذي جعل
الإمام البصري يذكر ما رأه من صفات الصحابة حرصه على أن ينقل الجيل الذي عاش فيهم
إلى تلك الصفات والأخلاق بعد ما استوحش لذهاب الأصحاب من شيوخه من أصحابه y.
إن أبرز ما رأه
مهران t
في جيل الصحابة حرصهم على الأوقات أن
تضيع سدی وشدة خوفهم من الله تعالى، بينما يرى البصري t أن أبرز صفات كانت فيهم هي احتقارهم للدنيا وعدم التعلق بها، بل
التعلق بالآخرة وقوة الإخاء فيما بينهم، وأيم الحق إن هذه الصفات الأربعة هي أبرز
الصفات في جيل الصحابة y والتي
من الصعب أن توجد في جيل غيرهم.
لقد كانوا
يحاسبون أنفسهم على لحظة تضيع من غير استغلال، بل إنك لا تجد في حياتهم متسعًا عما
هو الحال عندنا للتحدث إلا بما يصعد لأن أفعالهم غلبت أقوالهم وصمتهم غلب كلامهم
فيما لا ينفع.
وكانوا شديدي
الخوف والرقابة لله تعالى وهذا ما جعل الدموع لا تفارق ما فيهم بل إن شدة خوفهم من
الله تعالى كان كافيًا لأن تكون فيهم تلك الأخلاق الفذة التي لم يشهدها التاريخ في
مثل ذلك التجمع.
وكانوا يدركون
حقيقة الدنيا التي يعيشون فيها لم تلتبس عليهم كما التبست على الأجيال التي
أعقبتهم كانوا يعرفون تمامًا من غير شك أنها جسر موصل للآخرة، وأنها دار فناء لا
دار خلود، وأن العمر فيها محدود، فكانوا يسابقون الزمن للعمل وكانوا لا يأبهون
لينتها وزخرفها ولا يخلدون لها وإن تعرضت للكثير منهم وكانوا يدركوا حق الإدراك
أنه بغير المحبة والأخوة لن يدخلوا الجنة لما قال رسولهم r:
«والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى
تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولًا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا
السلام بينكم. (٩)
فكانوا يتنافسون
فيما بينهم في المحبة ليقينهم أيضًا أن هذا المجتمع الذي أسسه رسولهم r لأنه يمكن أن يكون قويًا يستطيع مجابهة الباطل بجيوشه ما لم تكن
لبناته متماسكة قوية ولهذا حرصوا على تقوية تلك اللبنات وبذلوا كل الأسباب التي
تؤدي إلى تماسك ذلك الحائط الأخوي ليكون سدًا منيعًا أمام هجمات أعداء الله تعالى،
والتي كانت كثيرة جدًا في بداية التأسيس، حتى إن أحدهم يفضل البقاء جائعًا إذا كان
جوعه يسبب شبع أخيه وهو قمة الإخاء ﴿وَيُؤْثِرُونَ
عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر: ٩). (۱۰)
هذه ليست هي الصفات الوحيدة في جيل الصحابة بل هي البارزة فيها.
وهذا ما لحظه تلامذتهم من أمثال
مهران والبصري رضى الله عنهما.
إعراب الأعمال:
وهذا أمير
المؤمنين في الحديث عبد الله بن المبارك يضع أيدينا على سبب بارز من أسباب الضعف
التربوي للنفس وهذا السبب أخص بالدعاء من غيرهم في العوام، ذلك أن الدعاة هم
المعنيون قبل غيرهم في تربية نفوسهم، لأنهم هم الذين نذروا أنفسهم لإنقاذ الغرقى
في بحار الانحراف، هذا السبب قد أدى إلى تغليب الجانب القولي على الجانب العملي
وزيادة الاهتمام وبذل الأوقات الكثيرة للأقوال على حساب الأعمال، وتأدبًا من ابن
المبارك للمخاطب يشمل نفسه مع الواقعين بهذا الخطأ الكبير فيقول بعبارة جميلة «أعربنا
الكلام فيما نلحق ولحنا في الأعمال فيما نعرب». (۱۱)
وهو يشير بذلك
إلى الاهتمام بعدم الوقوع في الخطأ عندما نتحدث فنراعي القواعد التي وضعت لتحفظ
صحة النطق في اللغة بينما لم نراعي تلك القواعد التي تحفظنا من عدم الوقوع
بالمعصية فأخطئنا بالأعمال لعدم اتباعنا القواعد الحافظة.
وقريب من عبارة
ابن المبارك كلمات الإمام الجيلاني عندما انتقد أولئك المبالغين بتعلم الفقه دون
الالتفات إلى تربية أنفسهم والتي هي الأساس لتعلم الدين والتي أطلق عليها «فقه
القلب» فيقول «ماء
الأساس الفقه في الدين، فقه القلب لا فقه اللسان فقه القلب يقربك إلى الحق U وفقه اللسان يقربك إلى الخلق وسلوكهم، فقه القلب يتركك في صدر
مجلس القرب في الحق U
يصدرك ويرفعك ويقرب خطاك إلى ربك U. (١٢)
وإن كان الكمال
في كليهما مطلوب ولكن الأساس في ذلك هو فقه القلب لقوله تعالى ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ (البقرة؛
٢٨٢). (۱۳)
(۱)
(۲) الشمس
٧، ٨.
(٣)
الفرقان ٤٣.
(٤)
النازعات ٣٧.
(٥)
كتاب المساكين ص ٦٣.
(٦)
صفة الصفوة ٤/
٢١٥.
(۷)
صفة الصفوة ٤/
١٩٤.
(۸)
سير أعلام النبلاء ٤/
٥٨٥.
(۹)
رواه أحمد وصححه الألباني (ص
۹۰، ص ٦٩٥٨).
(۱۰)
الحشر ٩.
(۱۱)
صفة الصفوة ٤/
١٥٧.
(۱۲)
الفتح الرباني ص ١٧٧.
(۱۳)
البقرة ۲۸۲.