; الصيام.. خير مرب | مجلة المجتمع

العنوان الصيام.. خير مرب

الكاتب د. حمدي شلبي

تاريخ النشر السبت 01-نوفمبر-2003

مشاهدات 88

نشر في العدد 1575

نشر في الصفحة 52

السبت 01-نوفمبر-2003

الصيام.. خير مرب

جعله الله كفارة لبعض الذنوب ولم يجعل ذلك لغيره من العبادات.. وهذا يدل على عظم أثره في تربية النفوس 

  • لو تتبعت أحوال الصالحين لوجدتهم أكثر الناس صيامًا وأطولهم قيامًا في رمضان وسائر الأيام. 

جاءت الآيات البينات، والأحاديث الصحيحة، تحض على الصوم تقربًا إلى الله تعالى وتبين فضائله من رفع للدرجات، وتكفير للسيئات، وكسر للشهوات، وتكثير للصدقات وجُنّة من النار واللفحات، وغير ذلك من فضائل للصوم عظيمة.

ومن أهم هذه الفضائل «أن الصوم أدب رباني أدب الله به نفوس عباده، فالصيام مُربٍّ للإرادة، وكابح لجامع الأهواء».

يقول الرافعي في وحي القلم: «الصوم للإنسان صناعة جديدة، تخرجه من ذات نفسه وتكسر القالب الأرضي الذي صب فيه، فإذا هو غير هذا الإنسان الضيق المنحصر في جسمه ودواعي جسمه فلا تغره الدنيا ولا يمسكه الزمان، ولا تخضعه المادة، إذ كانت هذه صفات المستعبد بأهوائه لا الحر فيها، الخاضع لنفسه لا المستقل عنها المقبور في إنسانيته لا الحي فوق إنسانيته، ومثل هذا المستعبد الخاضع المقبور لا وجود له إلا في حكم حواسه، معمله ما يعيش به لا ما يعيش من أجله، ويتصل بكل شيء اتصالاً مبتورًا، والصوم يطلقه من سلطان نفسه، وينفخ الآدمية فيه، فيجعله يجد نفسه وموضع نفسه».

 ومن هنا جعله الله عز وجل كفارة لبعض الأعمال، أو فدية لها، وهذا ليس لأي عبادة إلا الصوم، ومن هذه الأمور:

أولاً: أن الله جعل الصيام فدية لحلق شعر الرأس الذي هو من محظورات الإحرام في الحج والعمرة وبدلاً عن هدي واجب لمن عجز عن الهدي، فقد قال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (البقرة: 196).

ثانيًا: الصيام معادل للهدي وإطعام المساكين في كفارة قتل الصيد بالنسبة للمحرم. فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۚ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ۗ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (المائدة: ٩٥).

ثالثًا: جعل الله صيام ثلاثة أيام بدل كفارة اليمين عند العجز عنها، وهي إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة على التخيير بين هذه الثلاثة، قال تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ (المائدة: 89).

رابعًا: جعل الله كفارة القتل الخطأ وكفارة الظهار عتق رقبة مؤمنة، فمن لم يجد فعليه أن يصوم شهرين متتابعين، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (النساء: ٩٢) 

وقال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مِّن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۚ ذَٰلِكُمۡ تُوعَظُونَ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ مِن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۖ فَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ فَإِطۡعَامُ سِتِّينَ مِسۡكِينٗاۚ ذَٰلِكَ لِتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۗ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (المجادلة: ٣ - ٤).

فسبحان من جعل الصوم ينوب عن عتق الرقاب عند العجز وجعله كفارة القتل الخطأ، ولم يجعل ذلك للصلاة، أو الزكاة أو الحج، فهذه خاصية للصوم، فأنعم به من عبادة تربي نفوس المسلمين على تقوى الله وترد الزائغين إلى الصراط المستقيم.

 وقد صرح الله عز وجل في آية الصيام بأن العلة منه تقوى الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (البقرة: ١٨٣). وذلك لأن الصوم يرقق القلب، ويغزر الدمع، وهذا من أسباب السعادة، فإن الشبع مما يذهب نور العرفان ويقضي بالقسوة والحرمان، ولو تتبعت حال الصالحين، لعلمت أن من أسباب هذا الصلاح مداومتهم على كثرة الصيام وطول القيام لا في رمضان فحسب، بل في سائر العام، يجعلون لهم أيامًا للصيام، ومنهم من صام العام كله إلا ما حرم الله تعالى. 

- سئل معروف الكرخي عن صومه فغالط السائل، وقال: صوم نبينا كذا، وصوم داود عليه السلام كذا، فألح عليه في السؤال، فقال أصبح دهري صائمًا فمن دعاني أكلت ولم أقل إني صائم. 

- وقال الحسن بن عمارة، وهو يغسل الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى: غفر الله لك لم تفطر منذ ثلاثين سنة ولم تتوسد يمينك في الليل منذ أربعين سنة. 

- وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر: أن عائشة رضي الله عنها كانت تصوم الدهور لا تفطر إلا يوم أضحى أو يوم فطر.

- والسيدة نفيسة ابنة الحسين: كانت تقوم الليل وتصوم النهار حتى قيل لها: «ترفقي بنفسك»، لكثرة ما رأوا منها، فقالت: «كيف أرفق بنفسي وأمامي عقبة لا يقطعها إلا الفائزون».

لكن أفضل الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه صام في أشهر كما واظب على الصيام في أيام من أشهر أخرى.

٣٠ مفتاحًا للجنة 

في رمضان المبارك.. تفتح أبواب الجنة.. وتهب نفحاتها العطرة... ويتعرض لها من أحب من عباد الله المؤمنين، الراغبين في التجارة مع الله تعالى: ﴿يٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ تِجَٰرَةٖ تُنجِيكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ يَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡ وَيُدۡخِلۡكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّٰتِ عَدۡنٖۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ وَأُخۡرَىٰ تُحِبُّونَهَاۖ نَصۡرٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَتۡحٞ قَرِيبٞۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ (الصف:١٠ – ١٣) وهذه بعض مفاتيح الجنة... نسوقها نماذج لمن أراد أن يزكي نفسه ويهذب سلوكه ويرضي ربه تعالى. 

١_ أكثر من النيات الحسنة في الطاعة الواحدة وتدرب على ذلك خلال هذا الشهر.

مثال عملي: الجلوس في المسجد بحد ذاته عبادة، فتستطيع أن تنوي البعد عن المعاصي أو تنوي ذكر الله أو الاعتكاف... إلخ.

٢_ اغتنم الوقت الواحد في أكثر من عبادة فهي دليلك على حفظ الأوقات والأعمار في طاعة الرحمن.

مثال عملي: ذهاب المسلم إلى عمله ووظيفته بحد ذاته عبادة يؤجر عليها «إذا نوى بذلك التقرب إلى الله بإعفاف نفسه وعياله عن السؤال». 

فيستطيع أن يستفيد من الوقت في قيامه بعبادة أخرى كذكر الله أو الاستماع إلى القرآن الكريم.

٣_ أكثر من قول «لا إله إلا الله» طوال اليوم فهو أفضل الذكر.

٤_امكث في المسجد بعد صلاة الصبح إلى أن تطلع الشمس ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.

٥_ صل ركعتين بعد كل وضوء، فهما توجبان لك الجنة بإذن الله.

٦_ أهد صديقك أو قريبك أو جارك كتابًا أو شريطًا مفيدًا خاصة ما يتعلق منه بهذا الشهر الكريم.

٧_ تصدق ولو بمبلغ بسيط في كل يوم.

٨_ أظهر المحبة والمودة لكل من حولك فالمؤمن يألف ويؤلف.

٩_ أكثر من قول «سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم» فهي خفيفة على اللسان وحبيبة إلى الرحمن وثقيلة في الميزان.

١٠_ فطِّر صائمًا ولك مثل أجره وخاصة ذا الرحم.

 ١١_ حافظ على صلاة الجماعة في المسجد، ثم اسأل نفسك سؤالاً: كيف أستعد لصلاة الجماعة؟

١٢_ قل «لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» مائة مرة.

النتيجة في الدنيا والآخرة: عدل عشر رقاب وتكتب لك مائة حسنة، وتمحى عنك مائة سيئة، وتكون لك حرزًا من الشيطان في يومك ذلك حتى تمسي، ولم يأت أحد مثلك بأفضل مما جئت به.

١٣_ احرص على أداء صلاة التراويح في المسجد.

١٤_ أربع كلمات لا تغفل عنها طوال شهر رمضان «سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر» فهي أحب الكلام إلى الله.

 ١٥_ حاول أن تكون سببًا في كل خير في هذا الشهر.

 ١٦_ أكثر من الصلاة والسلام على معلم الناس الخير في جميع الأوقات والأحوال.

١٧_ نظِّم جلسة عائلية مختصرة للدعاء وذكر الله قبل الإفطار.

١٨_ أنْهِ الخلافات الزوجية والعائلية قبل بداية الشهر أو في أثنائه.

١٩_ احرص على التأدب بآداب الصيام وعرف بها من حولك ولك أجر الدلالة.

٢٠_ أعد قائمة بالزيارات وصلة الأرحام للأقرباء والأصدقاء.

٢١_ تعرف إلى صديق جديد من خلال المسجد أو الحي أو اللقاءات الاجتماعية. 

 ٢٢_ أدخل السرور على من هو حولك ولو بكلمة طيبة.

٢٣_ أكثر من الاستغفار لك وللمؤمنين فلك بكل مسلم ومسلمة حسنة.

٢٤_ اقرأ كتابًا جديدًا خلال الشهر يضيف إليك معلومات مفيدة.

٢٥_ اكتب رسالة إلى من تحب بقصد تقوية أواصر الحب والأخوة في الله.

 ٢٦_ احرص على الدعاء لإخوانك بظهر الغيب.

٢٧_ قم بزيارة إلى الجمعيات الخيرية والإغاثية والدعوية خلال هذا الشهر فزيارتها تدفع إلى حب الخير وأهله.

 ۲۸_ اجعل لبيتك من صلاتك نصيبًا.

٢٩_ أرسل آية كريمة أو حديثًا نبويًا لصديقك تحثه على فعل الخير من خلال البريد الإلكتروني أو عبر الجوال.

٣٠_ قل في اليوم الواحد سبحان الله وبحمده مئة مرة.

                                                             خالد عبد الرحمن الدرويش

 

الرابط المختصر :