العنوان الابتكار.. طعم آخر للحياة.. نماذج من فن الكاريكاتير
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 28-يوليو-2007
مشاهدات 60
نشر في العدد 1762
نشر في الصفحة 59
السبت 28-يوليو-2007
تتناقل وسائل الإعلام المرئية والمقروءة لسعات فن الكاريكاتير الساخر، ونقده اللاذع والمعبر عن واقع المجتمعات وهموم الناس، وينبري بين هؤلاء ثلة من المبدعين الذين تفوقوا على أقرانهم بالقدرة الفائقة على انتزاع الابتسامة والإعجاب من رسوماتهم لما تحويه من معان مؤثرة وحسبنا في هذا السياق أن نأتي على نماذج من الرسومات كما فعل أحدهم حين رسم مواطنًا فلسطينيًا مسجى على الأرض ومقيد من يديه ورجليه وهو ينظر بخوف ووجل إلى «مدحلة» ضخمة يقودها رجل يهودي، وكتب حوله: «تسوية القضية الفلسطينية»!
أو ذاك الفنان الذي استطاع أن يحرف معنى الكلمات، فكتب فوق أمين الصندوق في إحدى مؤسسات الدولة «المنصب لمن ينصب»! وفي مثال آخر حول كلمة الشعب العربي إلى «الشغب العربي»، وجزأ اسم أمين عام الأمم المتحدة السابق بطرس غالي، فسماه «بط رأس غالي»! ورسم مواطنًا عربيًا ينظر من خلف الزنزانة بحزن وتحت النافذة كتب: «حكم مؤبد» ثم بجواره صورة حاكم عربي بلباس عسكري وصدره مرصع بالأوسمة والنياشين، وكتب تحته «حكم مؤبد» أيضًا.
والأمثلة في هذا السياق لا تنتهي لكنها بالجملة تدل على قدرة الفنان على انتقاء المشاهد وعناصرها، والزاوية التي ينبغي التركيز عليها للوصول إلى الهدف بأسهل الخطوط.
من هنا، يتضح أن الإبداع عنصر لازم في حياة فنان الكاريكاتير، حيث تمر كل لوحة بالمراحل التالية:
1- اختيار الموضوع
وهذا يعتمد على أهمية الحدث والذي يتصدر عادة «مانشيتات» الصحافة المحلية ووسائل الإعلام، ويتصف بالحداثة والشهرة التي تستحوذ على اهتمام رسام الكاريكاتير.
2- تحديد رأي الرسام من الحدث
وهنا تختلف النظرة بحسب ميول وآراء الفنان تجاه الحدث، وذلك وفق معتقداته وثقافاته، أو بناء على موقف الصحيفة من هذا الحدث، وهنا يتحول الفنان لمجرد آلة عديمة الإحساس مسلوبة الإرادة، تفتقر للصدق، إذ يعبر عن آراء غيره التي ربما لا يتفق هو معها.
3- اختيار المشهد
وهذه أصعب مرحلة، وعندها تبدأ المعاناة الحقيقية، وفيها يتميز فنان الكاريكاتير عن بقية الفنانين، فهو لا يحاكي الواقع، بل يقتبس منه الأصل صورة رجل أو حيوان أو طائرة أو إبرة.... ثم يحرف الشكل ويخرجه عن شكله الطبيعي بخطوط يبالغ فيها، فيجعل الأنف ضخمًا، والرأس كبيرًا مقارنة مع الجسم، ومع هذا يحافظ على العلامات البارزة في وجه الشخص، حيث تعرفه من أول نظرة وإن لم يكتب اسمه بجواره. ونستذكر هنا مثلًا ما رسمه أحد فناني أمريكا حين أسقط تمثال صدام حسين، وكان التمثال يشير بيده اليمنى، فكتب الفنان كلمة «تاكسي» Taxi والفنان هنا نقل مشهدًا لنصب تذكاري، لكنه أضاف كلمة ساخرة للتعبير عن وضع الرئيس العراقي في تلك الفترة وهو يحاول الفرار.
4- تحديد العناصر وزاوية المشهد
فلا يكفي أن يختار الفنان المشهد بل لا بد من تحديد الزاوية والعناصر فلو افترضنا أنه اختار موضوع الخلل في توزيع الثروة بين الفقراء والأغنياء واستئثار الفئة الثانية بالمال العام فإنه قد يرسم خزانا مليئا بالماء ويكتب عليه المال العام...لقد نجح أحدهم بإكمال عناصر المشهد. وهكذا نرى أن الإبداع هو الوقود الذي يتزود به خيال الفنان، ويبلغ به مآربه في التعبير عن آرائه والسباحة في فضائه الخصب بالأفكار، وهي مهمة ليست سهلة كما يظن البعض والنجاح فيها ليس مضمونًا دائمًا وطالما أتلف الفنان رسوماته وهو يعيد المحاولة حتى يصل للمشهد والزاوية والكلمة التي تحقق المراد يقول علي فرزات...إنني أظل هائمًا على وجهي كالمجنون وأنا أبحث عن فكرة جديدة ومشهد جديد لأحافظ على فني وعلى مستوى الرمزية التي عرضت بها في رسوماتي. هل نقول بعد كل هذا إن فنان الكاريكاتير هو مجرد رسام؟ هل نتصور أنه يمكن أن يواصل مشواره الفني دون إبداع؟.. لا أظن ذلك فالإبداع هو الرئة التي يتنفس بها فنان الكاريكاتير؟