; فكر وثقافة: 2022 | مجلة المجتمع

العنوان فكر وثقافة: 2022

الكاتب ا. د. عماد الدين خليل

تاريخ النشر السبت 06-أكتوبر-2012

مشاهدات 66

نشر في العدد 2022

نشر في الصفحة 48

السبت 06-أكتوبر-2012

حول ظاهرة "الترف الحجازي"

أ,د/ عماد الدين خليل

مقولة شائعة يصعب إلغاؤها من الحساب، ويبدو أن التسليم بها تسنده حشود الروايات والوقائع ولكن يمكن أن توضع قبالتها بعض علامات الاستفهام، أو التشكيك الأولي، لغرض اختبار مصداقيتها المطلقة !! فقد يفتح هذا المجال لاهتزاز المقولة، وتضييق مساحتها في الزمن والمكان والفاعلية، بحيث يمكن إقرارها ولكن بصيغة تختلف عما بلغته على أيدي الرواة والمؤرخين القدماء والمعاصرين.

ذلك أن معظم الروايات التي تتحدث عن الظاهرة ترد عن طريق مؤرخي الأدب وليس المؤرخين، وكثير من هذه الروايات يتمركز عند الأصفهاني في «الأغاني»، وهو نفسه القائل: إنه يأخذ من الروايات ما يستهوي السامع، فأين إذن موقع الظاهرة في المدونات التاريخية وكتب التراجم؟ هذا إلى أن الاعتماد على «الشعر» كوثيقة تاريخية أمر لا يمكن التسليم به بسهولة، إذ يظل السؤال قائما : ما التاريخي وغير التاريخي؟ ما الموضوعي؟ وما الذاتي في المعطى الشعري؟!

وبدلا من ذلك لابد من إحالة الروايات على الواقع، على التجربة المتحققة والمتواترة فهي أشد مصداقية من الرواية المدونة بعد مائة سنة أو تزيد .. وهذه تقول: إن ما قيل من أن الأمويين سعوا إلى إلهاء أهل الحجاز بالترف والعبث والمجون، وإغراقهم بالمال، أو على الأقل أن تدفق المال على الحجازيين وإغرائهم بالترف عن قصدية مسبقة أم بدونها صرفهم بالفعل عن ممارسة النشاط السياسي، وعن الإسهام في حركة المعارضة للسلطة الأموية .. وهذا غير وارد بدليل أن معظم حركات المعارضة كان للحجاز نصيب فيها، بل إن بعض هذه الحركات كان الحجاز رأسها المفكر، في مكة حينا وفي المدينة حينا آخر، فأين نذهب بالوقائع التي تؤكد هذا التيار ؟

قد يقال: إن مؤرخاً كالطبري معني بالتاريخ السياسي العام، ولذا كان من الطبيعي ألا يتعرض للحالة الاجتماعية في الحجاز أو أي إقليم آخر، ولكن هذا يسقط إذا عرفنا أن الرجل، رغم أنه يكتب تاريخا سياسيا عاما، فإنه يقف بين الحين والحين لكي يؤشر على حالات اجتماعية. ثم إن المقولة إذا كانت تنصب على مسألة أن الأمويين أرادوا بإتراف أهل الحجاز أن يصرفوهم عن التدخل في سياسات الدولة فلماذا ينصرف مؤرخو الأدب إلى الشام نفسه فيقدمون لنا حشودا من الروايات عن الترف الذي غطى الشام من أقصاه إلى أقصاه، واقتحم على دمشق أبوابها بمفرداته المعروفة بدءا بإنشاء القصائد وانتهاء باللهو والشرب والمجون، مروراً بالغناء والموسيقى؟ وفي هذه الحالة، فنحن إزاء إحدى اثنتين فإما أن مطالب النمو الاجتماعي وازدياد الدخل والفراغ، والتنافس في المظهرية الاجتماعية، قد شمل المجتمع الإسلامي كله، لا فرق بين إقليم حجازي وآخر شامي أو عراقي، وفي هذه الحالة تضعف مقولة: إن الأمويين تعمدوا إغراق الحجازيين بالترف وإن هؤلاء كانوا على استعداد ذي طابع استثنائي لهذه الهبة الأموية، وإما أن تكون الرواية «الأدبية» غير الموثقة قد بالغت في تصوير ظاهرة الترف ليس في الحجاز وحده، وإنما في أقاليم إسلامية أخرى، الأمر الذي يجعلنا – بدوره نتردد في قبول مسلمة الترف الحجازي هذه التي طالما عزف عليها، وأكدها، طه حسين، فيليب حتى وغيرهما . على أية حال، فإن قضية كهذه لن تحسم بهذه السهولة، ولن تحل ببحث أو مجموعة بحوث تكتب تأكيداً أو تشكيكا، ولابد – إذن من سلسلة من الاختبارات النقدية، على المستويين الداخلي والخارجي، ولابد من الأخذ بالمعايير والضوابط التي نادى بها ابن خلدون في مقدمته»، وسبقه إلى بعضها ابن العربي في «العواصم»، وحينذاك يمكن أن تسقط حشود من الروايات التي ذهبت إلى الطرف الأقصى في تصوير الظاهرة، ولا يتبقى إلا الرواية الأكثر صدقا وانسجاما مع طبيعة المجتمع الحجازي وتوجهاته الأساسية الجادة في تلك المرحلة التاريخية المهمة التي لم يكن الحجازيون خلالها بأقل من أبناء الأقاليم الأخرى قدرة على الجد والبذل والعطاء في سبيل ما اعتقدوه صوابا بغض النظر عن سلامة قناعاتهم فهذه مسألة أخرى، قد نختلف فيها ويذهب كل منا بخصوصها مذهبا معينا، ولكن ما لا يمكن الاختلاف فيه هو أن الجدية الحجازية التي عبرت عن نفسها بمساهمة فعالة بالعديد من الثورات الدموية، بل في قيادتها، لا تنسجم مع تلك المقولة الرائجة في أن القيادة الأموية قد دفعت الحجازيين دفعا إلى أحضان الترف، وأن هؤلاء قد استناموا لمطالبه فشغلتهم شواغله عن معارضة السلطة الأموية، فضلا عن رفع السلاح في وجهها ! قد يكون هناك توجه حجازي صوب الترف، ولكن علينا أن نحاذر من الوقوع في مظنة التعميم، فإن بقعا محددة في نسيج مجتمع بكامله تنبض باللهو، وتستسلم للدعة ولإغراءات الحياة والمظاهر الفراغ، لا يمكن أن تنسحب لكي تغطي نسيج المجتمع كله، اللهم إلا إذا تصورنا أن كل قادة الفكر والعقيدة في الحجاز كانوا شعراء غزليين كعمرو بن أبي ربيعة، أو مغنين مطربين كسريج.. أو أن نتخيل أن مكة والمدينة قد غصتا بنوادي اللعب وبيوت الفسق كتلك التي حدثنا عنها أبو الفرج الأصفهاني ونقلها عنه طه حسين وفيليب حتى وآخرون. وأخيرا، لابد أن نتذكر - في هذا المجال إشارة ابن خلدون القيمة في «المقدمة» من أن هناك أناسا يتعمدون أن يصوروا الخلفاء

واحة الشعر

متى؟ 

شعر: د. حيدر مصطفى البدراني (*)

شعر: د. حيدر مصطفى البدراني (*)

متى يجيء يا ترى   ذاك المرجي في الورى

 وهل يطل مثلما          أطل طه من حرا؟

لأرضنا لوساعة        لكي يرى ما قد جرى ؟

وفي جديب أرضنا   يجري هناك أنهرا

يحيي الموات وبه    نرى الأديم أخضرا

يمتد في أعيننا     يفوح مسكا عطرا

 متى يطل قمراً     فوق البرايا نيرا؟

حقيقة أو حلماً      يجيننا وسط الكرى

 لكي نسير قدماً     لا أن نسير القهقرى

ذاك الذي نرجو به   في أن نكون في الذرا

 لبلدي لكي نرى     ترابه محررا

متى نراه خبراً      مؤكداً معتبرا؟

في صورة طيبة    سبحان من قد صورا

متى يجيء فارساً   يحمل سيفاً مشهرا؟

في همة وعزمه بها     يحاكي حيدرا

عضو رابطة الأدب الإسلامي.

 

الرابط المختصر :