; بين يدي تفسير سورة «لقمان» (١-٤) | مجلة المجتمع

العنوان بين يدي تفسير سورة «لقمان» (١-٤)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 02-يوليو-2011

مشاهدات 70

نشر في العدد 1959

نشر في الصفحة 56

السبت 02-يوليو-2011

 دراسات لم تنشر لفضيلة الدكتور السيد نوح يرحمه الله

يركز على قضية توحيد الله وما يجب له من الكمال والجلال والثقة في منهجه وحكمه بصورة تحمل الخلق على اتباعه

المقصد الأسمى للسورة هو الدعوة إلى تقوى الله والخوف من يوم لا تنفع فيه القرابة ولا تجدي فيه الواسطة مع عدم الانخداع بزخارف الدنيا وزينتها

يحسن أن نضع بين يدي تفسير سورة لقمان، بعض المباحث التي قد تعين أو تساعد على تيسير هذا التفسير المبحث الأول: تاريخ نزول السورة، والثاني: موضوع ومقاصد السورة، والثالث أسلوب القرآن في عرض الموضوع، والرابع معاني المفردات، ودونك هذه المباحث:

الأول: تاريخ نزول السورة:

جاء في تاريخ نزول سورة لقمان، عدة أقوال هي:

أ‌.       أن هذه السورة كاملة نزلت قبل الهجرة إلى المدينة المنورة، فهي مكية ويشهد لذلك:

1.   ما نقله الحافظ ابن الجوزي في تفسيره عن كثير من السلف بأن سورة لقمان سورة مكية.

2.   افتتاحها بحروف المعجم ﴿الم﴾ (لقمان: ١) فإن السور المكية غالبا ما تفتتح بحروف المعجم.

3.   قصر الفواصل أو الآيات، وهذه من خصائص وسمات القرآن المكي.

4.   تناولها لأبرز قضايا العقيدة من الإيمان بالله، والدار الآخرة ﴿هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ ۚ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (لقمان: ١١)، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ (لقمان: ٢١).

﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (لقمان: ٢٥)، والحديث عن قضايا العقيدة من أبرز خصائص القرآن المكي.

5.   ذكر قصة لقمان مع ولده، والحديث عن قصص الماضين وأخبارهم مكذبين ومصدقين من خصائص القرآن المكي.

ب‌. أن هذه السورة كلها مكية، إلا ثلاث آيات:

قال أبو عمرو الداني، والجعبري: قال ابن عباس: كلها مكية، إلا ثلاث آيات منها نزلت بعد الهجرة فهي مدنية، وقال عطاء إلا آيتين، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة الشريفة آتته أخبار اليهود فقالوا: يا محمد إنك تقول: وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا، أتعنينا أم قومك؟ قال صلى الله عليه وسلم: كلًا قد عنيت، قالوا: إنك تتلو أنا قد أوتينا التوراة وفيها بيان كلا شيء؟ فقال صلى الله عليه وسلم: وهي في علم الله قليل..» فانزل عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (لقمان: ۲۷)، قال الداني إلى آخر  الآيتين، يعني إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (لقمان: ٢٨)، وقال الجعبري إلى آخر ثلاث آيات، يعني إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (لقمان: ٢٩).

وفي رواية ثانية أن أهل الكتاب سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح، فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: ٥٨). فقالوا: من يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًاكثيرًا، فنزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ (لقمان: ٢٧).

وفي رواية ثالثة: أن المشركين لما سمعوا ما يوحى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: «إنما هذا كلام يوشك أن ينفد، فنزل: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾».

ج. الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة:

لأن الصلاة والزكاة مدنيتان، وتعقب هذا الرأي العلامة البقاعي قائلًا: وهو غير مسلم في الصلاة، فإنها فرضت في مكة. وتقوي ما قاله البقاعي من أن الصلاة فرضت بمكة، صلاته عند البيت جهارًا، وصلاة المسلمين في دار الأرقم بن أبي الأرقم سرًا مستخفين بصلاتهم، وحادث الإسراء الذي فرضت فيه الصلاة كان بمكة، وكذلك حديث القرآن عن الصلاة وأجر المحافظين عليها.

وعقاب المضيعين لها مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ (24) لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25)﴾ (المعارج)، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (42) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۖ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (43)﴾ (القلم)، ومثل قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43)﴾ (المدثر)، وسورة المزمل من أولها إلى آخرها، وهي مكية تشهد بذلك.

 

المبحث الثاني: موضوع ومقاصد السورة :

وموضوع السورة هو قضية الوجود الكبرى التي ينبثق عنها كل شيء، إنها قضية توحيد الله، وما يجب له من الكمال والجلال والثقة في منهجه وفي حكمه.. بصورة تحمل الخلق على اتباع هذا المنهج، والنزول على هذا الحكم في كل ما يأتون وما يدعون استعدادًة للقائه سبحانه في الدار الآخرة، يوم لا يجزي والد عن ولده، ولا يكون هناك مولود هو جاز عن والده شيئا.

قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان: ١٣).

 ﴿ وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ۖ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (لقمان: ١٥).

﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ۗ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ (لقمان: ٢٠).

﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥) لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (26)﴾ (لقمان).

﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (لقمان: ٣٠)،

﴿الم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (2) هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ (3) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)﴾  (لقمان).

﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ ۗ وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (22) وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ ۚ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (23) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ (24)﴾ (لقمان).

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا ۚ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (لقمان: ٣٣).

ومقصود السورة في إجمال: دعوة الخلق – كل الخلق – إلى تقوى الله بتوحيده وتنزيهه عن كل نقص ووصفه بكل كمال، وعدم نسيان اليوم الآخر بصورة تحمل على طاعته، والنزول على حكمه في كل شأن من شؤون هذه الحياة، وفي كل ناحية من نواحيها، وعدم الاستجابة لإغراءات الدنيا، ووساوس الشياطين.. فإما أن يستجيبوا، وإما أن تلزمهم الحجة ويزول عنهم الغيظ مصداقا لقوله سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (الأعراف: ١٦٤).

أما التفصيل فهو:

1.   إقامة الدلائل والبراهين على أن هذا القرآن هو الحكمة بعينها، وإذا ثبت هذا واستقر في الأذهان والأفئدة لزم منه حكمة منزله سبحانه في أقواله وفي صنيعه.

2.   وإقامة الدلائل والبراهين الواقعية في الكون وفي النفس، والاستشهاد بأقوال الحكماء على أنه الواحد الموصوف بكل كمال والمنزه عن كل نقص.

3.   وإقامة الدلائل والبراهين الكونية والنفسية على يوم الجزاء، وأنه حق واقع لا محالة، وصولًا إلى الهدف الأكبر والمقصد الأسمى ألا وهو الدعوة إلى تقوى الله والخوف من يوم لا تنفع فيه القرابة، ولا تجدي فيه الواسطة، مع عدم الانخداع والاستجابة إلى الدنيا بزخارفها وزينتها. وكذلك الشياطين.. كل الشياطين إنسهم وجتهم، فإن استجابوا فلهم الحياة الطيبة في الدنيا والفوز والنجاة غدا يوم لا تملك نفس النفس شيئا، والأمر يومئذ لله، يقول العلامة برهان الدين البقاعي ومقصودها - أي سورة لقمان - إثبات الحكمة للكتاب اللازم منه حكمة منزله سبحانه في أقواله وأفعاله. وقصة لقمان - عليه السلام - والذي سميت به السورة دليل واضح على ذلك.. ويقول سيد قطب يرحمه الله: وهذه السورة المكية - أي سورة لقمان - تعالج قضية العقيدة في نفوس المشركين الذين ينحرفون عن حقيقتها، والتي تتلخص في توحيد الخالق، وعبادته وحده، وشكر آلاته، وفي اتباع ما أنزل الله، والتخلي عما عداه من مألوف ومعتقدات.

الرابط المختصر :