; مزالق السياسة الأمريكية في جنوب شرق آسيا | مجلة المجتمع

العنوان مزالق السياسة الأمريكية في جنوب شرق آسيا

الكاتب جون جيرشمان

تاريخ النشر السبت 14-ديسمبر-2002

مشاهدات 71

نشر في العدد 1530

نشر في الصفحة 26

السبت 14-ديسمبر-2002

يمثل المقال التالي وجهة نظر غربية نختلف معها فيما يتعلق بالمسارعة إلى تصنيف بعض الجماعات الإسلامية في جنوب شرق آسيا بأنها إرهابية أو تمارس الجريمة، لكنها على الجانب الآخر تقدم نقدًا موضوعيًّا للسياسات الأمريكية تجاه المنطقة. والترجمة بتصرف...

  • إذا أرادت واشنطن أن تسهم في إحلال الأمن في جنوب شرق آسيا فعليها العمل على معالجة العيوب الكبرى، وليس فقط الإسهام العسكري في فرض النظام.

  • 4 مشكلات رئيسة يطرحها تحديد أمريكا لجنوب شرق آسيا كجبهة ثانية في الحرب.. منها تعاون أمريكا مع جيوش غير خاضعة للمساءلة.. ترتكب انتهاكات بلا عقاب.

  • ... وبهذا التدخل تضفي أمريكا شرعية على القمع الذي يمارسه زعماء المنطقة على المعارضين السياسيين.

  • المعونات العسكرية الأمريكية لدول المنطقة لن تساعد على تحسين الأوضاع.. بل قد تزيدها سوءًا.

  • معظم الجماعات الإسلامية في جنوب شرق آسيا لا تتبع سبيل العنف.. وأكثرها نفوذا أحزاب إسلامية سياسية.. والأشكال الأكثر تطرفًا مهمشة 

  • الخطر الأكبر الذي لا يدرؤه التدخل العسكري عدم وضع الديمقراطية في الاعتبار فالتدخل العسكري يعطي الفرصة للحكومات لقمع المعارضة السياسية من كل الاتجاهات 

  • أسهم الفقر وانعدام المساواة في إشعال السخط الشعبي وساعدا في تقوية جماعات مثل «أبوسياف».

  • على أمريكا الدخول في شراكات مع بلدان المنطقة لا تركز على مواجهة الإرهاب ولكن على اقتلاع نزعة العنف في المنطقة

أرسلت إدارة بوش حوالي 660 جنديًّا أمريكيًّا إلى الفلبين في أواخر يناير عام 2002 للمساعدة في إنقاذ الرهائن ومكافحة التمرد، ولقيت هذه الخطوة حفاوة باعتبارها فتحًا لجبهة ثانية في حرب واشنطن ضد الإرهاب، لا سيما أنها جاءت في أعقاب اعتقال العشرات في سنغافورة وماليزيا والفلبين بزعم أنهم من عملاء القاعدة. وبدا أن جماعات إسلامية مثل الجماعة الإسلامية (ج1) وجماعة أبو سياف وجماعة مجاهدي ماليزيا (ونشير إليها اختصارًا بأحرف ج م م) الماليزية هي القاعدة الجديدة للإرهاب الدولي الذي دمر مركز التجارة العالمي.

لقد غيرت أحداث 11 سبتمبر علاقات الولايات المتحدة مع العديد من دول جنوب شرق آسيا؛ إذ عاد الدفء إلى العلاقات مع ماليزيا بعد برود، بينما انتقدت إندونيسيا بشدة ويبحث أعضاء الكونجرس الأمريكي الآن في إلغاء القيود المفروضة على الجيش الإندونيسي بسبب انتهاكه لحقوق الإنسان. وأخذ العسكريون الأمريكيون يعودون بقوة إلى الفلبين بعد مرور حوالي عقد من الزمن على رفض مجلس الشيوخ في الفلبين تجديد إيجار القواعد في ذلك البلد لأمريكا.

ويعكس التدخل الأمريكي المكثف في جنوب شرق آسيا إلى حد ما النغمة الهستيرية التي سادت في الكثير من التقارير السياسية والصحفية حول قوة ومدى التهديد الإرهابي هناك؛ ففي فبراير وصف تقرير للمباحث الفيدرالية الأمريكية ماليزيا بأنها نقطة انطلاق عملياتية لهجمات 11 سبتمبر، وهو ما اعتبرته تقارير المخابرات الغربية -فيما بعد- مبالغًا فيه. ووصف محللون أمريكيون حركة أبوسياف التي تحارب الحكومة في الفلبين بأنها تشبه طالبان رغم أنها تعمل في منطقة محدودة.

وأعلنت مجلة (ناشيونال ريفيو) ومحللون من مؤسسة (هيريتاج) أن إندونيسيا هي أفغانستان القادمة.

ومثل هذا الكلام الساخن خطأ. وإذا نظر صانعو السياسة الأمريكيون إلى جنوب شرق آسيا من خلال عدسة أفغانستان فإنهم سوف يتوصلون إلى الاستنتاجات الخاطئة، وسوف يؤدي هذا التشبيه إلى المبالغة في تقدير روابط القاعدة بالجماعات في تلك المنطقة ويؤدي كذلك إلى رد مبالغ في طابعه العسكري على المشكلات الموجودة بالفعل، هي استجابة ستكون غير فعالة بل وذات مفعول عكسي. وحتى لو قضي على عناصر القاعدة في جنوب شرق آسيا وحطمت جماعة أبو سياف فستظل الأوضاع الكامنة التي سهلت ظهور هذه الحركات قائمة وهي ضعف الدول وعدم قدرتها على فرض النظام والأمن والتهميش والإخضاع السياسي لقطاعات كبيرة من سكانها. وإذا أرادت واشنطن بالفعل أن تسهم إسهامًا دائمًا في إحلال الأمن والسلام في المنطقة فعليها العمل على معالجة هذه العيوب الكبرى وليس فقط تقوية إسهامها العسكري في فرض النظام.

الحرب الخاطئة

تبدو آسيا للنظرة الأولى المرشح المعقول لفتح جبهة ثانية في الحملة الأمريكية. فذلك الإقليم أكثر البلاد تعدادًا للمسلمين في العالم وتوجد أقليات مسلمة مهمة في سنغافورة والفلبين وتايلاند مع حركة تمرد إسلامي كامنة في البلدين الأخيرين. كذلك صعد الإسلام السياسي منذ سقوط حكم الرئيس سوهارتو في إندونيسيا عام 1998. كما دبرت هجمات إرهابية كبيرة في الإقليم منذ أواسط التسعينيات بما فيها هجمات على البابا والرئيس كلينتون والطائرات التجارية. وقد أحبطت بالصدفة فقط، وتدعم هذه الوقائع حجة دعاة نقل المعركة ضد الإرهاب إلى هناك.

ومع ذلك فهناك عدة أسباب مهمة تدل على أن التهديد الذي يمثله الإسلام الراديكالي في جنوب شرق آسيا ليس كبيرًا إلى الحد الذي يبدو معه للوهلة الأولى؛ إذ لا يوجد خطر في المنطقة من إرهاب تدبره الدول ضد المصالح الأمريكية، كما أن التنوع العرقي والديني العميق في الإقليم بما في ذلك داخل الإسلام نفسه يناهض إمكانية إقامة هيمنة أصولية من جانب جماعة بعينها. وثالثًا فإن كل الدول الجنوب الآسيوية الكبرى ديموقراطية بطريقة أو بأخرى. وأخيرًا فإن الجماعات الإرهابية الوحيدة في الإقليم التي أظهرت قدرة على القيام بهجمات كبيرة - )الجماعة الإسلامية - ج 1 - ج م م) ليست لها قاعدة شعبية وسط الفقراء وتتألف من أعضاء من الطبقة الوسطي المتعلمة. وهما تمثلان - بصغر حجم العضوية بهما - تهديدًا أمنيًّا وليس عسكريًّا.

ويبدو أن البعض على الأقل في إدارة بوش يدرك هذا الفارق، ويدور الجدل الآن في واشنطن بين من يؤيدون التدخل الأمني ومن يريدون تقوية الصلات مع الجيوش في المنطقة، لكن كلا الطرفين لا ينظر للأوضاع الاقتصادية والسياسية الأوسع التي سهلت من بروز الإسلام السياسي الراديكالي في المقام الأول.

وفي الواقع فإن تحديد أمريكا في الوقت الراهن لجنوب شرق آسيا كجبهة ثانية في الحرب على الإرهاب يطرح أربع مشكلات رئيسة:

أولاً: الخلط بين الأشكال المختلفة من الإسلام السياسي والجمع بينها.

ثانيًا: عدم الاعتراف بأن سبب ظهور الجماعات الإرهابية هو الدول الضعيفة ونقص التعاون بين بلدان المنطقة لحل المشكلات الاجتماعية بما فيها التدهور الاقتصادي وعدم توازن أنماط التنمية وهشاشة المؤسسات الديمقراطية.

ثالثًا: تتعاون الولايات المتحدة بطريقة زائدة على الحد مع الجيوش غير الخاضعة للمساءلة (الفلبين وإندونيسيا) التي ترتكب انتهاكات حقوق الإنسان بلا عقاب.

رابعًا: تجازف الحملة الأمريكية الراهنة كذلك بإضفاء الشرعية على القمع الأوسع للمعارضين السياسيين من جانب زعماء من جنوب شرق آسيا يتوقون إلى التخلص من رؤساء المعارضة.

أوجه العدو

إن سياسة واشنطن في تجميع الجماعات الإسلامية المختلفة في جنوب شرق آسيا في سلة واحدة تختزل الفوارق الأساسية بين منظمات هي بالغة الاختلاف فهي جماعات تقع في خانات مختلفة حركات إحياء إسلامية تركز على التجدد الثقافي والروحي، وأحزاب سياسية، وجماعات مسلحة وأخرى غير مسلحة تناضل من أجل الاستقلال أو الانفصال للمناطق الإسلامية وجماعات إسلامية راديكالية شبه عسكرية، ثم خلايا وشبكات إرهابية عابرة للحدود. ومع ذلك أغفلت إدارة بوش الفوارق بينها في تأكيدها «أن من ليس معنا فهو ضدنا» في الحرب على الإرهاب. وهو موقف يتجاهل أن العديد من المنظمات الإسلامية تعارض القاعدة وغيرها من الجماعات المتطرفة لكنها كذلك تعارض الحملة الأمريكية على أفغانستان وغير ذلك من سياسات إدارة بوش لا سيما في الشرق الأوسط ومعظم الجماعات الإسلامية في جنوب شرق آسيا لا يتبع سبيل العنف وأكبرها وأكثرها نفوذًا هي أحزاب سياسية أو منظمات إحيائية، ومنها حركة «نهضة العلماء» في إندونيسيا وهي أكبر منظمة إسلامية في العالم ولها 30 مليون عضو. وهي تتسم بالتسامح وقبول التعددية في ممارسة الإسلام، بل وافقت مؤخرًا على المساعدة في محاربة تطرف بعض الجماعات الإسلامية وأيدت جهود قمع العنف.

وفي المقابل فإن صعود الإسلام السياسي في إندونيسيا يمكن ربطه بانهيار نظام سوهارتو واستمرار الأزمة الاقتصادية وضعف الديمقراطية.

وتظل الأشكال الأكثر تطرفًا مهمشة على الرغم من زيادة شعبيتها في أعقاب الأزمة المالية في آسيا. ولا يجب كذلك المبالغة في تقدير شعبية الجماعات الإسلامية المعتدلة.

كما أنه لم يدع إلى إيجاد حكومة إسلامية في إندونيسيا سوى ربع الأحزاب التي خاضت انتخابات عام 1999م وحصلت على 16% من الأصوات، بينما حازت الأحزاب العلمانية على 60%. ويقول محلل أسترالي: إن الأحزاب الإسلامية منقسمة في الوقت الراهن أكثر من أي وقت مضى في تاريخها منذ عام 1945.

وفي ماليزيا هناك أحزاب إسلامية بارزة كذلك، فقد حقق الحزب الإسلامي لعموم ماليزيا أعظم انتصار انتخابي له عام 1999 بحصوله على 27 مقعدًا من إجمالي 193، وسيطر على ولايتين من ولايات البلاد الأربع عشرة غير أن هذا التصويت كان يدور حول قمع محاضير محمد للإصلاح وليس حول الالتزام الشعبي بالإسلام.

الأشرار المحليون: ولا يعني هذا بالطبع أنه لا توجد جماعات إسلامية إرهابية عنيفة في جنوب شرق آسيا. فالجماعة الإسلامية جماعة صغيرة تدعو لإقامة دولة إسلامية في المنطقة التي تمتد من جنوب تايلاند إلى الأجزاء السفلى من الفلبين وليس من الواضح متى ظهرت وأين، ويعود أول التقارير حول ظهور جماعة تدعى الجماعة الإسلامية في إندونيسيا إلى عام 1976. ويقال إن مؤسسيها الرئيسين هما عبد الله أحمد سونجكار وأبو بكر باعشير. ومع ذلك ترجع معظم التقارير الاستخباراتية والصحفية الغربية تأسيس الجماعة إلى التسعينيات باعتبارها امتدادًا لنشطاء القاعدة، وقد عاد با عشير إلى إندونيسيا بعد سقوط سوهارتو وهو الآن يدير مدرسة دينية ويترأس مجلس المجاهدين الإسلامي العام في إندونيسيا.

ونجد أن أعضاء كل من (ج 1) و (ج.م.م) من المهنيين من الطبقة الوسطى وبينهم خريجو جامعات آسيوية وغربية. ومن بينهم رجال أعمال مثل يزيد صوفات الذي استضاف اثنين من المتهمين بخطف الطائرات في 11 سبتمبر، وزكريا موسوي الخاطف العشرين كما زعم وأدى هذا الاجتماع ببعض الخبراء إلى اعتبار ماليزيا نقطة انطلاق للهجمات الإرهابية.

وبالإضافة إلى هذه الجماعات الإسلامية العنيفة فإن جنوب شرق آسيا تعد موطنًا للعديد من المنظمات المتشددة التي يمثل الإسلام بالنسبة لها عنصرًا مهمًّا من عناصر الهوية، لا كغاية في حد ذاته بل بقدر ما يتصل بمطالب الحكم الذاتي أو الانفصال. وتتضمن هذه المجموعة منظمات عديدة تعمل في جنوب تايلاند وجبهة تحرير مورو الوطنية وجبهة تحرير مورو الإسلامية في الفلبين وحركة أتشيه الحرة في إندونيسيا.

وتنغمس هذه الحركات في التنظيم على المستوى المحلي وتحظى بقواعد جماهيرية عريضة ولديها أجندات سياسية حقيقية، كما أنها (مع استثناءات) تقصر عنفها على الأهداف العسكرية. كذلك يعمل عدد مهم من الجماعات في أتشيه وجنوب الفلبين على تحديد المصير عبر وسائل غير عنيفة.

أما المجموعة الأخيرة، فهي تلك المجموعة شبه العسكرية. ويشمل هذا النوع «أبو سياف في جنوب الفلبين ولاسكار جهاد في إندونيسيا وهي تمثل نمطًا خاصًا في التنظيم الجنوب شرق آسيوي يمزج السياسة بنشاطات مثل: الابتزاز وأعمال العصابات - ونجد هذه الجماعات على جانبي حرب الاستقلال في ميندنا ومنذ أواخر الستينيات وقد استخدمتها الحكومة لمحاربة التمرد الشيوعي في الفلبين. أما في إندونيسيا فقد كان لهذه الجماعات دور سياسي أيضًا حيث استخدمت لقتل من يشتبه أنهم شيوعيون في عامي 1965/1966 وكمليشيات معادية للاستقلال في تيمور الشرقية في التسعينيات.

ولكن لا يجب النظر إلى هذه الجماعات الأخيرة باعتبارها من صناعة العسكريين بل تمثل تحالفات ملائمة مع قطاعات من النخب السياسية والعسكرية.

الجذور

وما يجب على واشنطن أن تبقيه في ذهنها بصدد هذه المنظمات كلها هو أنه على الرغم من التنوع في تفاصيلها إلا أنها أعراض كلها لنفس المرض: مشكلات الاقتصاد المحلي وضعف دول المنطقة وهشاشة المؤسسات الديمقراطية والمنظمات الإقليمية. وقد أثبتت (ج 1) و(ج.م.م) أنهما تجيدان استغلال هذه المشكلات، وليست لديهما صلات تذكر بالحركات الإسلامية الواسعة الانتشار في المنطقة ولا بالمستويين السياسي والعسكري. لكنهما مثل المنظمات العابرة للحدود تمثلان تهديدًا أكثر من الجماعات الأخرى بسبب استخدامهما لوسائل الاتصالات الحديثة لتخطيط وتنسيق أعمالهما كما تستغلان ضعف الحكومات المحلية ونفاذية الحدود وانعدام التعاون الدولي التي تسهل تنقل الأموال والأفراد.

وبجانب غسل الأموال ونقلها غير القانوني تعربد في المنطقة أشكال أخرى من الجريمة؛ إذ تزايدت أعمال القرصنة بشكل خطير في جنوب شرق آسيا بعد نهاية الحرب الباردة، الأمر الذي أدى إلى تقليل أعداد السفن الحربية هناك وكذلك بعد الأزمة الاقتصادية في أواسط عام 1997.

وتعد المياه الإندونيسية في الوقت الراهن من أخطر البحار في العالم حيث وقعت فيها 91 حادثة من حوالي 170 هجومًا للقراصنة في عام 2001 في آسيا. وقد أخذ القراصنة في المنطقة يشاركون غنائمهم مع المجتمعات المحلية، مما منحهم بعض الحماية من جانب السلطات.

وعلى الرغم من أن الفقر قد يكون مصدر جريمة مثل القرصنة إلا أنه ليس التفسير الكافي لجماعات مثل الجماعة الإسلامية ذات القيادة من الطبقة الوسطى.

وقد استغلت (ج.1) مثل لاسكار جهاد وأبو سياف فشل إندونيسيا والفلبين في تلبية احتياجات شعوبهم الأساسية. فجماعة لاسكار تجند من بين صفوف الرجال العاطلين في الحضر وتدفع إعانات لأسرهم طيلة مدة خدمتهم. وفي تايلاند والفلبين نجد أن الأقاليم الإسلامية هي أكثر المناطق فقرًا وانعدامًا للعدالة في الدخل وأمية ونسبة وفيات الأطفال والأمهات مما سهل من عملية التجنيد.

وقد منحت حكومة الفلبين في أواخر الثمانينيات الحكم الذاتي لأجزاء من میندناو - حيث تنشط جماعة أبو سياف- في محاولة لمعالجة الفقر الطاحن والقهر السياسي والتمييز المعادي للإسلام الذي أسهم في أكثر من عقدين من الحروب. لكن هذه التوقعات فشلت بسبب عدم منح الحكم الذاتي الموارد الكافية لمعالجة الظلم الفادح في توزيع الأرض والمصادر الطبيعية، بالإضافة إلى الفساد وعدم الكفاءة في بعض أقسام الإدارة المحلية وما زالت الخدمات العامة منعدمة، مما ساهم في زيادة السخط.

كان أول توجه لواشنطن بعد أحداث سبتمبر هو الاستجابة للتهديد الإسلامي في جنوب شرق آسيا عسكريًّا مما أدى إلى زيادة كبيرة في المعونة الأمريكية إلى الفلبين في أواخر عام 2001 وتمركز القوات الأمريكية فيها لاحقًا. وإذا كان نائب وزير الدفاع الأمريكي بول ولفوويتز قد أعلن أن مدخل الولايات المتحدة في المنطقة سوف يكون من خلال الأمن وليس من خلال إرسال العديد من القوات إلا أن رئيسه وزير الدفاع دونالد رامسفيلد عبّر عن أمله في أن تسترد الولايات المتحدة بسرعة صلاتها العسكرية مع الجيش الإندونيسي.

وسوف تكون الاستجابة العسكرية الأمريكية خاطئة لعدة اعتبارات، فإذا كان إقليم جنوب شرق آسيا يمثل خطرًا أمنيًّا فهذا الخطر ليس عسكريًّا، ولن تساعد زيادة المعونة العسكرية الأمريكية في تحسين الأوضاع بل قد تزيد الأوضاع المحلية سوءًا بتقوية الجيوش المحلية التي ارتكبت انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان وتظل مستعصية على السيطرة المدنية الفعالة.

ففي الفلبين مثلاً أدت حملة الجيش ضد أبو سياف وغيره من منظمات المورو إلى تشريد 150 ألف شخص حتى نهاية نوفمبر 2001 وهناك مزاعم بحدوث انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان في جزيرة باسيلان وغيرها. والانتهاكات العسكرية الإندونيسية في تيمور الشرقية وغيرها من المناطق سيئة الصيت.

وسوف تؤدي تقوية هذه الجيوش إلى زيادة إضعاف المؤسسات المدنية الضعيفة بالفعل وتدمير الديمقراطيات الوليدة.

كذلك فإن زيادة القهر من شأنها أن تزيد من جاذبية الإسلام الراديكالي.

ومن المهم كذلك الاعتراف بأنه على الرغم من أن العلاقة بين الجيوش المحلية والموظفين والجماعات السياسية المحلية وبين جماعات مثل أبو سياف ولاسكار تبدو أحيانًا غامضة، إلا أنه يبدو أنهم ليسوا مجرد جيوش موحدة تقاتل عدوًا. لقد دربت القوات المسلحة الإندونيسية بل وشجعت في بعض الأحيان الجماعات الإسلامية على القيام بعمليات شبه عسكرية، مما زاد من سوء الصراعات الطائفية. وتدخلت لاسكار جهاد في الملقا ووسط سولاويسي واريان جايا (جزر إندونيسية) بل وقامت في الملقا بجلب مقاتلين من جاوة بدون أي معارضة حكومية رغم مناشدة الرئيس عبد الرحمن واحد وغيره من المسؤولين لقوات الأمن بإيقافهم.

وتمثل الفلبين عدة نماذج للتواطؤ الرسمي، إذ كان لدى جيش الفلبين في 2 يونيو 2001 فرصة للقضاء على قيادة أبو سياف كلها في باسيلان بعد حصارها في مبنى، لكن الجيش سحب قواته في مؤخرة المبنى مما أتاح الفرصة للمقاتلين للهرب وقيل بعدها إنه عقدت صفقة بين أحد رهائنهم من رجال الأعمال لإطلاق سراحه لقاء فدية تقاسموها مع المسؤولين المحليين والعسكريين الذين سهلوا هروبهم. وقد بدأ تحقيق عسكري في هذا الصدد بينما لم تنشر بعد نتائج تحقيق مجلس الشيوخ الفلبيني في هذه المزاعم.

كانت الولايات المتحدة تحتفظ بعلاقات وثيقة مع القوات المسلحة في المنطقة طيلة معظم فترات الحرب الباردة، وإذا كانت أمريكا قد أنهت العلاقة مع جاكرتا في عام 1999 إلا أنها أعادت الروابط بعدها، وما زال الإندونيسيون متحمسين لإنهاء الحظر الأمريكي على مبيعات المعدات القتالية، ويقال عادة إن تجديد المعونة العسكرية إلى إندونيسيا سوف يزيد من قدرة الولايات المتحدة على دعم النموذج الديمقراطي للحرفية العسكرية. ولكن لماذا لم يحدث ذلك خلال العقود الثلاثة من حكم سوهارتو ؟

لقد ذكرت جماعة «الأزمة الدولية» في تقريرها في يوليو عام 2001 أن العلاقة العسكرية الثنائية لم تكن فعالة حتى الآن في إخراج جيش إندونيسي يتماشى مع معايير الجيوش العصرية المحترفة الواقعة تحت سيطرة المدنيين في إندونيسيا .

ومن الأفضل -لتحسين الأمن ومحاربة الإرهاب في جنوب شرق آسيا- تقوية قوى الشرطة المحلية في تلك البلدان فمن شأن ذلك أن يدعم من جهاز الدولة الأقدر على مواجهة التهديد وموازنة العسكريين. ولن يكون فصل الشرطة عن سيطرة العسكريين سهلاً، لكن ذلك من شأنه أن يقوي من البنية القانونية والقضائية ويدعم الديمقراطية وحكم القانون.

والخطر الأكبر الذي لا يدرؤه التدخل العسكري أو حتى الأمني، عدم وضع الديمقراطية في الاعتبار. فالتدخل العسكري قد يعطي الفرصة للحكومات في المنطقة لقمع المعارضين السياسيين من كل الاتجاهات.

وهناك دلائل بالفعل على أن هذا يحدث في حالة الجيش الإندونيسي الذي ضرب انفصاليين لا علاقة لهم بالقاعدة. كذلك تركزت الاعتقالات في ماليزيا بمقتضى قانون الأمن الداخلي - على الخصوم السياسيين لمحاضير وناشطي المطالبة بالإصلاح. ويسمح هذا القانون بالاعتقال بدون حد زمني وأدى استعماله بلا تمييز إلى انتقاد منظمات أهلية ولجنة حقوق الإنسان التي عينتها الحكومة. ومع ذلك فإن إدارة بوش -وهي الصديق الجديد لمحاضير محمد الآن- رفضت التعبير عن أي قلق بشأن استخدام هذا القانون لأعمال القمع الواسعة النطاق.

مقاومة القوة

وفي نهاية المطاف فإن هناك دورًا لزيادة صغيرة في مساعدات التدريب، والمساعدات العسكرية الأمريكية لبلدان جنوب شرق آسيا.

لكن هذه الجهود يجب تركيزها على حرس السواحل والقدرات البحرية لتلك البلاد. ولا بد من شروط مهمة لرعاية حقوق الإنسان تصاحب أية زيادة في المعونة العسكرية.

ومع ذلك يجب أن يشتمل المدخل الأمريكي في جنوب شرق آسيا على عدة عوامل إضافية؛ إذ يجب على واشنطن دعم الجهود التي يسيطر عليها المدنيون للقضاء على الخلايا الإرهابية كقسم من جهد أوسع لمكافحة القرصنة وغسل الأموال وغيرها من الجرائم التي تدل على ضعف التنظيم من جانب الدولة وضعف التعاون الإقليمي، ولا بد أن تكون هذه الجهود ذات آثار سياسية أقوى وأكثر فاعلية من تزايد التدخل العسكري الأمريكي بمفرده وذلك لأن هذه الجهود أقل في حساسيتها السياسية لما لها من وجود طبيعي بالفعل داخل تلك الدول. وهؤلاء الحلفاء الطبيعيون يشملون المنظمات الأهلية المهتمة بالروابط بين غسل الأموال والفساد السياسي وهروب رؤوس الأموال والإرهاب.

كذلك يجب على الولايات المتحدة أن تؤيد الجهود لتقوية المؤسسات الديمقراطية الهشة مثل آليات حقوق الإنسان المحلية.

إن ربط السياسة الأمريكية بشكل وثيق بالعسكريين في إندونيسيا والفلبين سوف يقوي من أقل المؤسسات قابلية للمحاسبة في تلك البلاد التي ترتكب انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان. ولا يجب عليها أن تزيد المعونة الأمريكية العسكرية كثيرًا إلا بعد أن تتأكد من أن الجيوش قد

أخضعت للسيطرة المدنية والقضائية الفعالة. وبجانب ذلك يجب على الولايات المتحدة دعم جهود تحسين الحكم المحلي في إندونيسيا والفلبين بما يقوي من المبادرات الأخيرة صوب اللامركزية والاستقلالية وهو ما يضعف التأييد لجماعات المتمردين. ويجب أن توزع أموال المعونة من خلال مؤسسة آسيا (وهي منظمة لا تعمل من أجل الربح وتمولها أساسًا حكومة الولايات المتحدة لكنها تؤيد المنظمات غير الحكومية)، وقد تمكنت هذه المنظمة - رغم تضاؤل ميزانيتها بعد انتهاء الحرب الباردة - من دعم هيئات الرقابة التي تعمل على دعم المساءلة والانفتاح في الحكومات.

وهناك كذلك الحرب ضد الفقر. صحيح أن الفقر وحده لا يفسر وجود شبكات إرهابية عابرة للحدود، لكن الفقر وانعدام المساواة أسهما في السخط الشعبي وساعدا جماعات مثل لاسكار جهاد وأبو سياف. كذلك أدت بواعث السخط الاقتصادية طويلة الأمد إلى إيجاد تأييد للجماعات الانفصالية في جنوب تايلاند وإندونيسيا والفلبين. وعلى إدارة بوش في ضوء عدم تعافي الإقليم بعد من آثار أزمة 1997 المالية أن تدعم السياسات الاقتصادية المؤدية إلى النمو ذي القاعدة العريضة، حتى لو ابتعدت هذه السياسة عن التحرر الاقتصادي بالجملة الذي تدعو إليه واشنطن عادة. ويمكن أن يكون للمعونة الأجنبية الموجهة دور في تقليص الفقر في المناطق بالغة التضرر ودعم شبكات الأمان الاجتماعية. ولا بد من إعادة النظر في السياسات الأمريكية التي تعرقل التوسع في النمو مثل معارضة تخفيض الديون. وسوف يخدم هذا التخفيض مصلحة أمريكا نفسها كذلك.

وأخيرًا ينبغي أن تلتزم أمريكا بتأييد الجهود الإقليمية لتحسين الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. إن الإدارات الأمريكية المتتابعة لم تقدم دعمًا يذكر للمبادرات الإقليمية تحت رعاية اتحاد دول جنوب شرق آسيا. ولا بد لأمريكا من أن تدخل في شراكات مع بلدان المنطقة لتعالج القضايا ذات الاهتمام المشترك. ولا يجب أن تركز هذه الشراكات فقط على مواجهة الإرهاب القائم ولكن كذلك على تقوية التنسيق الإقليمي لمواجهة جذور النزعة الإسلامية العنيفة.

الرابط المختصر :