العنوان باكستان: ضياء الحق يرمي الكرة في شباك المعارضة
الكاتب عبيد الأمين
تاريخ النشر الثلاثاء 14-يونيو-1988
مشاهدات 76
نشر في العدد 870
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 14-يونيو-1988
الديمقراطية في
باكستان تبقى شعارًا ناقصًا في عهد ضياء الحق ما لم تؤازرها مساعي الأسلمة التي
يتطلع لها الشعب الباكستاني.
فاجأ الرئيس
الباكستاني ضياء الحق الأوساط السياسية في 29 مايو المنصرم بحل الجمعية الوطنية
«البرلمان» وإقالة حكومة محمد خان جونيجو، في الوقت الذي كان فيه رئيس الوزراء خان
جونيجو ينهي جولة رسمية اشتملت على كل من الصين وكوريا والفلبين. وقد عزا ضياء
الحق اتخاذه لقرار حل البرلمان وتسريح خان جونيجو إلى فشل الحكومة في إضفاء الصبغة
الإسلامية على النظام العام والأجهزة التنفيذية، كما أن الأمن والنظام أصبحا في
وضع ينذر بالخطر.
وأكد ضياء الحق
في المؤتمر الصحفي الذي أعلن فيه قرار الحل أن انتخابات عامة سوف تجري في غضون 90
يومًا من تاريخ إقالة الحكومة.
ومن جهة أخرى
استبعدت بعض الدوائر السياسية الباكستانية أن تكون خطوة ضياء الحق من أجل فتح
القنوات وتطوير الحوار مع المعارضة باتجاهاتها المختلفة، على الرغم من أن قيادة
حزب الشعب «بوتو» المعارض باركت قرار الحل، وأبدت رغبتها في تجديد الدعاية لبرامج
الحزب حتى يتمكن من إحراز النصر في الانتخابات القادمة.
ويأتي قرار حل
الجمعية الوطنية وإقالة جونيجو في وقت تشعبت فيه قضايا باكستان المحلية
والإقليمية، بدأت خطوط تماسها تتعاطى مع اللعبة الدولية والأطماع الإقليمية لكل من
الهند- الجار اللدود- والاتحاد السوفيتي، مما يقتضي قدرًا أكبر من التماسك الداخلي
وترتيب البيت الباكستاني حتى يستوعب مستجدات الأحداث التي قد لا تتناسب فعاليتها
مع ردود الفعل المتوقعة، لا سيما وأن حكومة جونيجو قد فشلت في إحداث التغييرات
التي أُنيطت بها في مجالي التنمية ومواجهة انتشار الأسلحة في الأوساط المدنية مما
يبدد أمن كثير من المناطق.
الجنرال الذي
ذهب
جاءت حكومة محمد
خان جونيجو في أعقاب فترة الأحكام العرفية التي امتدت من 1977 حتى نهاية عام 1985،
والتي اتسمت بالرواج الاقتصادي حيث بلغ معدل النمو الاقتصادي 6.3% في المتوسط،
وتعتبر هذه النسبة أعلى مؤشر اقتصادي في جنوب قارة آسيا.
ومن جانب آخر
فقد اتسعت معدلات الفساد المالي وأضحت الأموال العامة نهبًا لكبار المتنفذين، مما
جعل برنامج حكومة جونيجو ذا النقاط الخمس، والذي تنص النقطة الرابعة على «إعلان
الجهاد ضد الرشوة والظلم والفساد لتعزيز معنى الأمن بين أفراد الشعب».. على هذا
الأساس وضع الجنرال ضياء الحق ثقته في رئيس وزرائه جونيجو -رئيس حزب الرابطة
الإسلامية التي أنشأها محمد علي جناح- لتطهير الأجهزة السياسية والإدارية حتى
تتواكب مع إقامة نظام ديمقراطي إسلامي يرتكز على أيديولوجية باكستان وتأكيد نظام
المساواة الاقتصادية لإنهاء البطالة ولتحقيق الرخاء الاقتصادي ويهدف برنامج محاربة
البطالة على خلق مائة ألف وظيفة جديدة في القطاع العام.
باشر جونيجو
مهامه في ثقة ووضوح تام، وبرهن عن مصداقيته بالسماح بحرية التعبير والنقد، كما فتح
الطريق أمام المعارضة لتعود من جديد، وكان هذا بعض درجات الهدف النهائي في تحقيق
ما أطلق عليه «الديمقراطية الإسلامية» والتي صورها محمد علي جناح بأنها «الإمكانية
التي تسمح للبدوي أن يسأل الخليفة عن مصدر ماله».
وجنى رئيس
الوزراء ثمار جهود حكومته تلك بأن أصبح قائدًا مرموق المكانة وعلى الصعيدين المحلي
والدولي؛ مما ضاعف عنصر الثقة لديه غير أنه لم يواصل برنامج الإصلاح الإداري،
وأكثر من ذلك فقد فتح بعض المنافذ التي تسربت من خلالها أساليب جديدة أصبحت فيما
بعد نواة لطيفة طفيلية تقتات من الأموال العامة بأساليب شبه قانونية، أعني تلك
الامتيازات التي وفرها لأعضاء البرلمان من إعفاء جمركي وضرائبي، فاستغل النواب تلك
الامتيازات في التجارة والاستيراد وتضخمت ثغرات الامتيازات وشكّل في النهاية
أسلوبًا لإسكات بعض الأصوات المعارضة لسياسة جونيجو مما تورمت معه أسباب الفساد
واتسعت المحسوبيات وعادت الرشوة من جديد بعبعًا يهدد النظام والأمن. ولعل فشل
حكومة جونيجو في تحقيق خطوات جادة من أجل إعادة النظام وتحقيق قدر من الطهارة
الحقيقية تمكنه من تحكيم الشرع الإسلامي، أضف إلى هذا أن جونيجو بعد أن أسكت
الأصوات البرلمانية المعارضة صار جنرالًا مدنيًّا يمارس من السلطات ويتلقى من
المهابة والإعزاز ما ينازع الرئيس ضياء الحق مكانته وسلطاته... لذا جاءت الإقالة
(كما يرى المراقبون السياسيون) بصورة لا سابق لها فلم يستشر أقرب المستشارين إليه
في اتخاذ هذه القرارات الدستورية الهامة فضلًا عن استشارة رئيس الوزراء محمد خان
جونيجو.
المواجهة
مهما تكن درجة
تقويم سياسة رئيس الوزراء السابق في الجانب المحلي فقد تبقى إمكانية التحكم
محدودة، غير أن الأمر يختلف تمامًا عندما يتعلق بالمكانة الدولية لباكستان
والمحافظة على الوجود الفاعل لها في الأوساط الإقليمية.
باكستان الدولة
الحديثة جدًّا تعيش حالة تنازع تاريخي مع الجارة الكبرى الهند، له مسبباته
ومبرراته التاريخية والسياسية، فهناك التنازع حول إقليم «سياشن» وفرض السيادة
الباكستانية عليه، كما أن الهند تتهم باكستان بتبنيها لمشكلة البنجاب ومساعدتها
للانفصاليين من طائفة السيخ، وفي ذات الوقت فإن باكستان تردد اتهاماتها للهند
وسعيها المتكرر بتصدير المشاكل الأمنية إليها. وفق كل هذا فإن الهند تعارض بشدة
البرامج النووية الطموحة التي تطمح باكستان في إنجازها ومن ثم إقامة تصنيع ذري قد
يهدد أمن الهند والمنطقة من حولها.
وفي هذا المجال
فإن حكومة جونيجو لم تُحرز خطوات إيجابية تدعم بها نهج باكستان في تطلعها لإقامة
علاقة جوار حسنة مع الهند وأكثر من ذلك السعي لتطبيع العلاقات مما يقلل من درجة
التوتر والحساسية المفرطة بينهما.
كما تتضاءل
إنجازات حكومة جونيجو في هذا المجال فإنها قد فقدت الحماس لقضية أفغانستان وهكذا
بدت عند توقيع اتفاقية جنيف مع الاتحاد السوفيتي، ولعل محمد خان جونيجو هو بالذات
الذي كان يتبنى تحجيم المجاهدين وبعد أن مارس ضغطًا واسعًا على قياداتهم من أجل
الموافقة على توقيع الاتفاقية مع الاتحاد السوفيتي... ومما يلفت إليه الانتباه أن
الرئيس ضياء الحق له موقف واضح محدد تجاه القضية الأفغانية وهو الدعم المطلق
للمجاهدين والرفض الكلي للتدخل الروسي في شؤون أفغانستان. وهنا برز الخلاف بين
ضياء الحق وخان جونيجو وتباينت وجهات النظر.. لا سيما وأن جونيجو يجد في نفسه
كثيرًا من التوجهات الفكرية الواضحة لقادة الجهاد وتمسكهم بالمبادئ الإسلامية
والذي يعده جونيجو نوعًا من التطرف الديني.. فجونيجو على الرغم من زعامته لحزب
الرابطة الإسلامية إلا أنه ذو نزوع علماني يجعله أسير النظرة الغربية مهما حاول أن
ينفك عنها.
المعارضة
أجمعت تصريحات
قادة الأحزاب السياسية المعارضة على اختلافاتها بضرورة إجراء الانتخابات، وشددت
على أهمية وفاء ضياء الحق بوعده الذي حدد فيه فترة الحكومة المؤقتة. وقد صرح د.
خورشيد أحمد نائب رئيس الجماعة الإسلامية ووزير التخطيط السابق أن «الزمن كفيل
بمدى التزام الرئيس ضياء الحق بالوفاء لما تعهد به بصدد إجراء الانتخابات العامة».
وبشكل مماثل طالب رئيس حزب عوامي الوطني غوث بخش بإجراء الانتخابات في الموعد الذي
حدده ضياء الحق. والمعارضة الباكستانية وبالذات حزب الشعب- حزب علي بوتو الذي ورثت
قيادته بناظير- قد فقد وهجه الشعبي بعد النجاح النسبي الذي حققه نظام ضياء الحق في
المجالات المختلفة لا سيما في المجال الاقتصادي، وبذلك استطاع ضياء الحق ومن خلال
الحكومات المختلفة أن يتجاوز الأوضاع الاقتصادية حتى حول باكستان إلى دولة مصدرة
للمواد الغذائية وكادت أن تصل لدرجة الاكتفاء الذاتي في كثير من السلع المصنعة.
وعلى الرغم من
ضخامة النفقات في بناء القاعدة التحتية فإن مقدار مديونيتها يتضاءل أمام الإنجازات
الهائلة بدءًا بالبنية التحتية من طرق ومواصلات وتعليم وإقامة السدود والقنوات
وانتهاءً بالنفقات العسكرية والبرنامج النووي.
وفي مجالات
الحريات العامة فإن المعارضة قد أبدت ما لديها من أطروحات بعد انتهاء فترة الأحكام
العرفية 1985 ولم تجد صدى واسعًا لتلك الأطروحات. وتبقى المعارضة الإسلامية بقيادة
الجماعة الإسلامية والتي تعتبر معارضة إصلاحية أكثر منها معارضة انقلابية على
النظام، وهي تأخذ على ضياء عدم مواصلته الحثيثة نحو أسلمة الحياة وقد عارضت توجهات
الحكومات العرفية ونادت وما زالت تطالب بعودة الحياة الدستورية وإجراء الانتخابات
الحرة وتحكيم الشريعة الإسلامية في شتى نواحي الحياة، وهي تثمّن لضياء الحق مواقفه
تجاه قضية أفغانستان وتؤيد الإصلاح الاقتصادي بحذر.
المستقبل
بخروج جونيجو
وتسريح حكومته تعد نهاية مرحلة الديمقراطية الموجهة، ولقد استطاع الرئيس ضياء الحق
أن يحتفظ بأوراقه الديمقراطية عندما صرح بأن عملية إجراء انتخابات عامة سوف تتم في
غضون ثلاثة أشهر، وهذا وعد إن قُدّر له من سبيل للمثول فإن مرحلة جديدة سوف تحكم
العلاقات السياسية في باكستان ولعلها تخلق نظامًا شبيهًا بالنظام التركي الحالي،
من حيث تتقاسم السلطة الأحزاب مع المجلس العسكري، غير أن المشاكل المحيطة بباكستان
قد تؤجل إجراء الانتخابات في موعدها، فالمتغيرات التي تتوالى على الجبهة الشمالية
«أفغانستان» لا بد أن تؤخذ في الاعتبار خاصة بعد الانسحاب السوفيتي، فإن جلاء
القوات الروسية قد يتبعه عودة محققة للمجاهدين والمهاجرين وتبقى آثار الهجرة في
نمط الحياة الذي نشأ مع ضرورة حمل السلاح وتوفر السلاح مما يجعل الأقاليم الشمالية
مصدر قلق أمني لجميع باكستان، كما أن محاربة الفساد السياسي تقتضي وضعًا سياسيًّا
أكثر انضباطًا.
على كل حال فإن
الديمقراطية تبقى شعارًا ناقصًا في وعد ضياء الحق ما لم تؤازرها مساعي الأسلمة
التي يتطلع لها الشعب الباكستاني ومن أجلها أقال الرئيس ضياء الحق حكومة محمد خان
جونيجو، فهل تتحقق مصداقية الرئيس ضياء الحق في إجراء الانتخابات وينضبط المجتمع
الباكستاني بشريعة الله؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بكشف ذلك.