; التربية الحديثة على ضوء الإسلام (2) | مجلة المجتمع

العنوان التربية الحديثة على ضوء الإسلام (2)

الكاتب منير الغضبان

تاريخ النشر الثلاثاء 15-يوليو-1975

مشاهدات 8

نشر في العدد 258

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 15-يوليو-1975

مقارنة:

بهذه النظرة الجديدة إلى الطبيعة الإنسانية يمكن القول إن التربية الحديثة خطت خطوات حاسمة وحساسة في فهم الإنسان على أنه كل متكامل وليس نتفًا وتفاريق وعملت على تربيته لكل عقل وجسم، ونستطيع أن نلاحظ المدى الكبير للتطور البشري في فهم الإنسان على هذا الأساس، من خلال المقارنة التي عقدها الدكتور النجيحي في كتابه «فلسفة التربية.. بين التربية القديمة والحديثة» إذ يقول:

«في ميدان أهداف التربية كانت الأهداف ترمي إلى تدريب العقل الإنساني دونما نظر إلى المناشط التي تتصل بالنواحي الجسمية، وأصبحت البرامج الدراسية عبارة عن المواد التي تعمل على تدريب هذا العقل وشحذه حتى يستطيع أن يسيطر على الشخصية الإنسانية في شبابها، وأصبح كل ما يمت إلى النواحي الجسمية من نشاط خارج البرامج الدراسية ولا يمت بصلة إليها. واتجهت هذه البرامج بصفة خاصة إلى دراسة الفلسفة والمنطق والرياضيات على أنها الوسائل الفعالة في تدريب هذا العقل.

وأصبح النظام المدرسي مشكلة تواجه المدرسين؛ بحيث إن العقل والجسم نوعان مختلفان فإنهما قد يسلكان مسالك متعارضة تعوق بعضها الأخرى. وحيث إن الطفل لا يستطيع أن يذهب بعقله فقط فلابد أن يحمل معه جسمه، وحيث إن هذا الجسم له مناشط مختلفة يقوم بها فمن الطبيعي أن يُشغل المدرس في كثير من الوقت بكبح هذه المناشط الجسمية أو تحديدها حتى يصل إلى سكون هذا الجسم وإلى خضوعه خضوعًا تامًا للعقل حتى يستطيع الآخر أن يقوم بوظيفته خير قيام.

وأخذت العقوبات البدنية تحتل مكانها في الميدان التعليمي؛ إذ أصبح يُنظر إلى التلميذ على أنه سلبي يتلقى المعلومات التي يلقيها عليه المدرس بالطريقة الإلقائية في سكون وهدوء، فإذا ما حاول أن يحرك جسمه قسا عليه المدرسون بالمقومات البدنية المختلفة، وأصبح التلميذ النموذجي هو الذي يجلس صامتًا ساكنًا حتى يستطيع العقل أن يستوعب المعلومات التي تُلقى عليه، ونتج عن هذه النظرة أيضًا أن أصبحت مادة التربية مجموعة من المعلومات والمهارات قد توصل إليها أجدادنا في الماضي.

وأصبح عمل المدرسة هو مجرد تحصيل وتوصيل هذه المعلومات إلى أذهان الجيل الجديد. وكان على التلاميذ أن يكونوا مطيعين مؤدبين حتى يستطيعوا استقبال كل ذلك. وأصبح الكتاب المدرسي ذا مكانة مقدسة؛ إذ هو الذي يحتوي على نتائج عقول الأجداد وعصارة أفكارهم، وازدادت أهمية المدرس لأنه هو الوسط الذي تنتقل فيه هذه الأفكار إلى التلاميذ.

وهكذا فرضت على التلاميذ مستويات ومعلومات خارجة عنهم ووضعها الكبار، وحاولوا فرضها على الصغار الذين لم يصلوا إلى مرحلة النضج بعد. وبذلك تركنا التلميذ برغباته واستعداداته وجئنا له بخبرة الكبار وطرق الكبار».

هذا بالنسبة للتربية التقليدية القديمة، أما بالنسبة للتربية الحديثة فقال:

«وأصبح لهذا المفهوم المتعلق بالطبيعة الإنسانية في التربية الحديثة نتائج على التعليم، فالطفل كائن حي يمارس خبرات معينة ويتفاعل مع بيئة معينة كجزء لا يتجزأ من تيار الحوادث والمشاعر والأفكار والأشياء، فالطفل يتعلم كليًا وأصبحت ميوله واتجاهاته أكثر تنظيمًا في أن يختار من بين المثيرات التي تضغط عليه كل يوم في حياته، وأن يستجيب لهذه المثيرات التي اختارها وأن ينتظم بها دون غيرها، ويصبح التعلم بذلك عملية وظيفية تساعد على تجدد الحياة وشبيبتها.

وعلى هذا يجب أن يشترك الطفل بكل انفعالاته وعاداته ودوافعه واستجاباته الجسمية في المواقف التعليمية المختلفة، وأصبح المنهج الدراسي لا يتكون من المواد التي تدرب العقل ونشاطه فحسب، وإنما أصبح يتضمن كل الخبرات التعليمية التي تؤدي إلى نمو النواحي المختلفة المكونة لشخصية الطفل».

حيث يستشهد الدكتور النجيحي في نهاية التلخيص برأي الفيلسوف التربوي جون ديوي القائل: «التربية الحديثة قد اهتمت بالتعبير عن الذات وتنمية الفرد بدلًا من القسر الخارجي الذي كان يسم التربية التقليدية، كما استبدلت النشاط الحر بقواعد النظام الخارجي، والتعلم عن طريق الخبرة بالتعلم عن طريق الكتب المدرسية، وبدلًا من الاقتصار على اكتساب المهارات الفردية والنواحي الفنية العملية عن طريق التدريب الآلي صار تعليمها على أنها وسائل لتحقيق أهداف يقبل عليها المتعلم إقبالًا حيويًا مباشرًا، واستبدلت بالأهداف والمواد الجامدة التعرف على عالم دائم التطور».

ونتساءل بعد هذا العرض: ما رأي الإسلام في هذا المفهوم الحديث والمعاصر عن الإنسان؟ وأن التربية الحديثة قد وصلت إلى نضج كبير حين نظرت للإنسان ككل، واعتبرته في جسمه وعقله هدف التربية، ويجب أن يتناول النمو جانبيهما بنفس المقدار على أساس تكاملهما لا انفصالهما عن بعض، ولكن بقي بينها وبين الحقيقة الإنسانية شوط طويل لم تخط فيه وهو الاعتراف بالروح في الإنسان، فالإنسان ليس جسمًا فحسب وليس عقلًا وليس روحًا، بل هو جسم وعقل وروح، بل يمكن اعتبار العقل جزءًا من الروح.

والذي دفع التربية الحديثة أن تنكر الروح والحاجات الروحية للإنسان هو انطلاقها من فلسفة ملحدة في الأصل ثائرة على الدين والإله، بل اعتبرت التربية القديمة في الأصل هي نتاج الفكر الديني، وهي من جانب آخر رفضت أي شيء ثابت، وانطلقت من التطور والتغير هربًا من الدين والقيم الدينية المفروضة الثابتة.

ها هو ديوي فيلسوف التربية الحديثة يقول عن الفكر والقيم إنها من إنتاج الإنسان نفسه: «وتصبح الأفكار نتاج تعاملنا الاجتماعي وليس لها قيمة تسمو بها عما يمر بنا من واقع ومن خبرة في هذه الحياة، ولا تختبر هذه الأفكار بالرجوع إلى عالم آخر، وإنما تختبر بتأثيرها في المنشآت التي تعترض الإنسان والتي تتطلب التفكير والتأمل».

والضمير والأخلاق كذلك لا علاقة لهما بالله إذ يقول: «وهكذا نرى أن الأخلاق الاجتماعية بكل معنى الكلمة تنشأ في البيئة ومن البيئة وبتفاعل مع هذه البيئة وكذلك ينشأ ويتكون ويأخذ مقوماته من هذا التفاعل مع البيئة.. والضمير بذلك ليس كما يقول روسو هبة من الله منحها للفرد لا يستطيع بشر أن يمنحها لبشر».

وها هو يهاجم مفهوم الدين بما تصوره في مسيحية الكنيسة فقال: «وقد أكد علماء الأخلاق التطبيقيون انسجامًا مع الفلسفة التقليدية أن الضمير منعزل عن هذا العالم.. عن ماديته، وأنه ينفرد بأصله ومادته، وهو على هذا الأساس ملكة أصيلة للإضاءة ولا تعتم إلا إذا انغمست في الخطيئة، وهي التي تستطيع الوصول إلى الحقائق الأخلاقية».

وكل مفاهيم الفضيلة والرذيلة هي من صنع الإنسان لا دخل لله بها، يقول ديوي: «إذا ما تاقت النفس بعد ذلك إلى ميدان علوي سماوي فليكن سماء هذا الواقع لا سماء عالم آخر؛ فالأمانة والعفة والخبث والتبرم والشجاعة والتفاهة والاجتهاد وعدم المسؤولية ليست من الممتلكات الذاتية للشخص، لكنها أنواع من التكيف الواقعي بين قدرات الشخص وبين القوى البيئية المحيطة به، فجميع الفضائل والرذائل ما هي إلا عادات تدخل في تكوينها القوى البيئية، وما هي أيضًا إلا أنواع من التفاعل بين عناصر يسهم بها التكوين العام للفرد من ناحية وبين عناصر أخرى يسهم بها العالم الخارجي من ناحية ثانية، ويمكن دراستها موضوعيًا كما تُدرس الوظائف الفيزيولوجية، ويمكن أيضًا أن تتغير فيها العناصر الذاتية والعناصر الاجتماعية».

وينكر أخيرًا العالم الآخر ويعتبره خرافة: «ونظرية النفعيين الخاصة بتطابق الأفعال مع نتائجها هي خرافة نخدع بها أنفسنا، مثلها في ذلك مثل افتراض عالم علوي ثابت تكون فيه المثل العليا الأخلاقية خالدة أبدية، وكلا النظرتين تنكر في الواقع أن الوقت والتغير وثيقا الارتباط بالأخلاق، حيث يمثل الوقت جوهر الصراع الخلقي».

وننتهي إذن إلى أن فهم التربية الحديثة للهيئة الإنسانية -رغم تفوقه على كل المفاهيم التربوية السابقة- هو فهم قاصر، وفيه نقص خطير، وهو تجاهل الروح أو إنكارها بقول أصح.

ويحدثنا أستاذنا الكبير المفكر محمد قطب عن نتائج هذا الفهم والنقص في التربية الحديثة فيقول: «وكانت النتيجة أن استمتع الناس بحياتهم الأرضية أعظم متاع، واستفادوا بالتنظيمات من كل التنظيمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والمادية... ثم انهار المتاع كله نتيجة خواء الروح من الإيمان وخواء الحياة من العقيدة، وانقلب المتاع السهل إلى تكالب على شهوات الأرض يقض المضجع ويكدر الحياة ويجعلها سباقًا دائمًا لا ينقطع ولا يترك فرصة للراحة.. راحة الجسد أو النفس أو الضمير، وتزايد الصراع فما عاد صراعًا في باطن النفس، وإنما أصبح صراع نفوس وأفراد وجماعات ودول وجيوش وطائرات وصواريخ، ودمًا يهدد وجه الأرض».

ولابد أن نشير إلى أن الفكر الوحيد الذي وضع الإنسان في مكانه الصحيح هو الفكر الإسلامي، والتربية الحديثة بحاجة إلى أن تطور مفاهيمها حتى تصل إلى مستواه.

«ليست مزية الإسلام أنه يشمل الكيان البشري كله ولا يترك شيئًا من جوانبه المتعددة الطاقات؟ وإنما المزية الحقة أنه يساير الفطرة فيما هو أبعد من الحقيقة.

إن كيان الإنسان من جسم وروح، أو جسم وعقل وروح، إذا اعتبرنا العقل كيانًا متميزًا من هذين؛ هذا الكيان ليس منفصل الأجزاء.. إنه ليس جسمًا وحده مستقلًا بذاته لا علاقة له بالروح أو العقل، وليس عقلًا منفصلًا مستقلًا بذاته لا يرتبط بجسم أو روح، وليس روحًا وحدها مادية بلا رابط من عقل أو جسم، وإنما هو كيان واحد ممتزج مترابط الأجزاء».

والتوقيع على أوتار النفس كلها مجتمعة مترابطة يضمن شيئين معًا وفي آن واحد:

الأول: هو استغلال طاقات الإنسان كلها؛ فلا تُهدر منه طاقة واحدة يمكن أن ينتفع بها الإنسان في عمارة الأرض والخلافة عن الله.

والأمر الثاني: أن استغلال هذه الطاقات مجتمعة يحدث توازنًا في داخل النفس وواقع الحياة سواء التوازن، وهو سمة الإنسان الصالح؛ معنى شامل واسع يشمل كل نشاط الإنسان.. توازن بين طاقة الجسم وطاقة العقل وطاقة الروح.. توازن بين ماديات الإنسان ومعنوياته.. توازن بين ضروراته وأشواقه.. توازن بين الحياة في الواقع والحياة في الخيال.. توازن بين الإيمان بالواقع المحسوس والإيمان بالغيب الذي لا تدركه الحواس.. توازن بين النزعة الفردية والنزعة الجماعية.. توازن في النظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.. توازن في كل شيء في الحياة:

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة: 143).. وسطًا في كل شيء، متوازنين في كل ما تقومون به من نشاط.. هذا التوازن في الحقيقة هو سنة الكون كله الذي تتوازن فيه كل الأفلاك وكل الطاقات لا يختل منها واحدة في الكون على اتساعه، وهو كذلك سنة الإنسان الصالح الذي يفي بشروط الخلافة عن الله في الأرض، ويسير حسب منهج الله خالق الكون والإنسان».

وتأتي أخيرًا شهادة الغربيين أنفسهم على لسان واحد من أكبر علمائهم حول هذا الفهم حجة دامغة على تصور فهمهم للإنسان إذ يقول: «وواقع الأمر أن جهلنا مطبق؛ فأغلب الأسئلة التي يلقيها على أنفسهم أولئك الذين يدرسون الجنس البشري تظل بلا جواب؛ لأن هناك مناطق غير محدودة في دنيانا الباطنية ما زالت غير معروفة، فمن الواضح أن جميع ما حققه العلماء من تقدم فيما يتعلق بدراسة الإنسان غير كافٍ، وأن معرفتنا بأنفسنا ما زالت بدائية في الغالب.. فكل واحد منا مكون من موكب من الأشباح تسير في وسطها حقيقة مجهولة»!

ثالثًا: من مفاهيم التربية الحديثة

لن نستعرض مفاهيم التربية الحديثة كاملة وإنما سنحاول الإلمام بأهم هذه المفاهيم، نعرضها بشكلها الموضوعي أولًا ثم نقدمها على ضوء الإسلام بعد ذلك. وأهم هذه المفاهيم هي: النمو، الخبرة، الاهتمام، الحرية.

1- النمو:

وحين نتحدث عن النمو نجدنا مساقين بشكل عفوي للحديث عن الهدف في التربية الحديثة، ولو تساءلنا: هل للتربية الحديثة هدف؟ لكان الجواب كما يقول جون ديوي نفسه: «ليس للعملية التربوية هدف خارجي عنها فهي هدف نفسها».

وذلك لأن الفلسفة التي تقوم على أساسها التربية الحديثة لا تؤمن بأن هناك شيئًا محددًا ثابتًا له نهاية محددة، ولهذا السبب فهي لا تحدد هدفًا معينًا يتجه إليه النمو حتى لا يصبح هذا الهدف نهاية يقف النمو عنده، والنمو السليم هو الذي يؤدي دائمًا إلى مزيد من النمو، ويشرح هذا المعنى ديوي بتفصيل أوضح وأدق فيقول: إذا قلنا إن التربية نمو فكل شيء يتوقف على طريقة إدراكنا لهذا النمو، وإذا كنا قد انتهينا آخر الأمر إلى أن الحياة نمو وأن النمو هو الحياة فإن ترجمة ذلك هي:

1- أن عملية التربية ليس لها هدف فوقها فهي هدف نفسها.

2- أن عملية التربية هي عملية مستمرة من التحويل وإعادة التفكير والتنظيم.

3- النمو هو الحركة المتزايدة التي تفضي إلى نتيجة مستقبلة.

ونتساءل بدورنا: إذا كانت التربية تقف بهدفنا عند النمو فقط.. فما الفرق بين الوسيلة والهدف؟!

الرابط المختصر :