; » داعية إسلامي من طراز فريد..السميط» والعمل الخيري..تجربة تنموية رائدة | مجلة المجتمع

العنوان » داعية إسلامي من طراز فريد..السميط» والعمل الخيري..تجربة تنموية رائدة

الكاتب همام عبدالمعبود

تاريخ النشر الأحد 01-يونيو-2014

مشاهدات 59

نشر في العدد 2072

نشر في الصفحة 50

الأحد 01-يونيو-2014

طريقة جديدة في العمل الخيري، ابتكرها الداعية الإسلامي الكويتي د. عبدالرحمن السميط  »يرحمه الله تعالى«، الذي لقب ب«خادم الدعوة في أفريقيا»، لا تقوم على توزيع الأموال النقدية على الفقراء

والمساكين، ليسدوا بها حاجتهم ليوم أو عدة أيام، وإنما تستهدف تنميتهم وخلق فرص عمل حقيقية، من خلال إقامة مشروعات صغيرة للفقراء والمساكين، فتح لهم بابا دائما للرزق والعمل الذي يتناسب مع قدراتهم وإمكاناتهم فضلًا عن البيئة التي يعيشون فيها: مما اسهم في تسويق اسم الكويت عالميًا، وهيًا لها سمعة طيبة في المحافل الدولية.

فأسس السميط منهجه في العمل الخيري انطلاقًا من فهمه السليم لرؤية الإسلام في القضاء على الفقر، وما أرساه النبي محمد ﷺ من قواعد بقوله فيما يرويه المقداد بن معد يكرب عن النبي ﷺ قال: «ما أكل

أحدٌ طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل ده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل ن عمل يده» »رواه البُخَارى «

وعن أبي عبدالله الزبير بن العوام قال، قال رَسُول الله ﷺ: «لأن يأخذ أحدكم أحبله ثم يأتي الجبل فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه» »رواه لبُخَارِي. «

وقَدَ أعجب السميط بالمنهج الفريد الذي سلكه الخليفة الثالث عثمان بن عفان في العمل الخيري، حيث لم يوزع الأموال على الفقراء والمساكين، ليأكلوها ثم يعودوا لطلب المزيد من الصدقات، بل أمر بإعداد قوائم بأسمائهم، ومنحهم قروضا حسنة طويلة الأجل  »بلا فائدة«، لإنشاء مشروعات تنموية صغيرة، تتناسب مع ظروف وإمكانات كل منهم، مع منحهم فترة سماح لمدة عام من سداد الأقساط، وشكل لجنة لمتابعة هذه لمشروعات، وإعداد تقارير لتقييمها كل ستة شهر، فانتشلهم من الفقر ونمى قدرتهم على لعمل.

مفهوم جديد للدعوة الإسلامية

بدأ السميط العمل الخيري في بداية الثمانينيات من خلال «لجنة مسلمي أفريقيا»، لتي أصبحت عام ١٩٩٩م «جمعية العون لباشر»، بتقديم مساعدات، وبناء مساجد، وحفر آبار، وعندما جابت اللجنة البلدان وتوغلت داخل القارة، أدرك أن الأخطار والتحديات كبيرة ومعقدة، فأيقن أن دعم وترسيخ الهوية الإسلامية للشعوب الأفريقية يستوجب العمل على تنميتها، لأن معظمها كان يعيش تحت خط الفقر، فتغير مفهوم الدعوة لديه من دلالات المصطلح التقليدي إلى فهم شمولي للنهوض بالمجتمعات المسلمة

الأفريقية ونادرًا ما كان يقدم السميط مالًا للفقراء في القارة الأفريقية، ولكن يقدم مشروعات تنموية صغيرة، مثل: فتح بقالات، أو تقديم مكائن خياطة، أو إقامة مزارع سمكية، قناعة منه بأن هذه المشروعات تدر دخلا للناس وتنتشلهم من الفقر، وغالبًا تترك أبلغ الأثر في نفوسهم فيهتدون إلى الإسلام، وكان يقول:

مهمتنا هي دعوة الإنسان الأفريقي، وإعادة بنائه ثقافيًا ودينيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وصحيًا، وتنمية المجتمع المهمش في أفريقيا، ولا شيء كالعلم الصحيح والدعوة بالحكمة في تحصين الإنسان من الردة». وكان يركز في المشاريع طويلة المدى، التي تهتم ببناء الإنسان والاستثمار في تنميته، والتي كان لها الأثر الواضح في نحسين أحوال المجتمعات الفقيرة في القارة الأفريقية، وهذا النوع من الاستثمار في رأس المال البشري أخذ وقتًا طويلًا حتى تم قطف نتائجه، وقد استثمر كثيرًا في التعليم؛ شعورًا منه بالعوز الذي تعيشه المجتمعات الإسلامية في أفريقيا في هذا الملف، فركز في إنشاء المشاريع التعليمية المميزة في مختلف المراحل، سواء في التعليم العام أو الجامعي أو المهني منتهجًا سياسة راشدة تتيح لهذه المنشآت التعليمية تسيير نفسها بنفسها.

وقد أمضى السميط، المولود في عام١٩٤٧م، أكثر من ثلاثة عقود، من عمره البالغ٦٦ عامًا، في هداية الناس إلى الدين القويم، وإغاثة الملهوف، وكفالة الأيتام، وقد رحل إلى ربه في عام ٢٠١٣م، مخلفا في رصيده قرابة

١١ مليون أفريقي اهتدوا إلى الإسلام بسبب أعماله.

وقد آثر السميط الذي تخرج في جامعة بغداد، بعد أن حصل على بكالوريوس الطب والجراحة، أن يترك عمله الطبي طواعية، ليجسد مشروعًا خيريًا رائدًا في مواجهة »غول الفقر»، واستقطب معه فريقًا من

المتطوعين الذين انخرطوا في تدشين هذا المشروع الإنساني، الذي تتمثل معالمه في مداواة المرضى، وتضميد جراح المنكوبين، ومواساة الفقراء والمحتاجين.

تاريخ حافل وعطاءً وافر

وخلال رحلته الممتدة في العمل الخيري والتنموي في أفريقيا، قام السميط وجمعية  »العون المباشر»، التي أسسها السميط هناك، ببناء ما يقارب من ٥٧٠٠ مسجد، ورعاية  ١٥ألف يتيم، وحفر حوالي ٩٥٠٠ بئر ارتوازية في أفريقيا، وإنشاء ٨٦٠ مدرسة، و٤ جامعات، و٢٠٤ مراكز إسلامية، وبناء ١٢٤ مستشفى ومستوصفًا، و ٨٤٠ مدرسة قرآنية.

كما قام بدفع رسوم ٩٥ ألف طالب مسلم، وطباعة ٦ ملايين نسخة من المصحف وتوزيعها على المسلمين الجدد، إضافة إلى إعداد وتدريب أكثر من ٤٠٠٠ داعية ومعلم خلال هذه الفترة، كما نفذ عددًا ضخمًا من مشاريع إفطار الصائمين لتغطي حوالي ٤٠ دولة مختلفة وتخدم أكثر من مليوني صائم.

وأصدر السميط أربعة كتب، هي: «لبيك أفريقيا»، «دمعة على أفريقيا»، «رسالة إلى ولدي»، «العرب والمسلمون في مدغشقر»، إضافة إلى العديد من البحوث وأوراق العمل ومئات المقالات التي نشرت في صحف متنوعة حول أهمية العمل الخيري التنموي في أفريقيا .

كما ألقى بحثًا في ماليزيا عام ١٩٨٩م حول «دور الإعلام في العمل الخيري ،« ومحاضرة في مؤتمر الإدارة العربية بالقاهرة عام ١٩٨٩م حول «الإدارة الحديثة في العمل نخيري»، ومحاضرة في أكاديمية الأمير نايف عام ١٩٩٩م بعنوان: «الإسقاطات الأمنية للعمل الخيري»، كما قدم بحثًا في مؤتمر غرفة التجارة والصناعة في الدمام، حول «التنمية البشرية.. تجربة جمعية العون المباشر« .

ونال عددًا من الأوسمة والجوائز والدروع والشهادات التقديرية، مكافأة له على جهوده في الأعمال الخيرية، منها : «وسام رؤساء دول مجلس التعاون الخليجي» المنعقد في مسقط عن العمل الخيري عام ١٩٨٦م، و«جائزة الملك فيصل بن عبدالعزيز يرحمه اللّه لخدمة الإسلام والمسلمين» عام ١٩٩٦م، والتي تبرع بمكافأتها  »٧٥٠ ألف ريال سعودي« لتكون واة للوقف التعليمي لأبناء أفريقيا، ومن عائد هذا الوقف تلقت أعداد كبيرة من أبناء أفريقيا تعليمها في الجامعات المختلفة.

مادة دراسية

»إدارة العمل الخيري«

وكان السميط من المؤمنين بأن الإسلام سبق جميع النظريات والحضارات والمدنيات في العمل التطوعي الاجتماعي والإنساني، وكان يقول: «الضغوط التي تمارس ضد العمل الخيري ومنظماته هي جزء من مخطط كبير ضد الإسلام والمسلمين، ويجب أن نعمل ولا نتأثر بهذه الحملات، المهم أن نعمل عملًا مدروسًا ومؤسسيًا، له كوادره ومتخصصوه.

وقد دعا جامعة الكويت والجامعات لخليجية إلى تدريس مادة «إدارة العمل لخيري» لأبنائنا، لسد العجز في الكوادر المتخصصة التي تحتاجها الجمعيات لخيرية، خاصة أنها في حاجة ماسة إلى أفراد مدربين ومعدين إعدادًا جيدًا، يمكنهم الولوج في العمل الإداري على أسسه العلمية الصحيحة ويعد السميط بحق أحد رموز العمل الخيري على المستويين العربي والأفريقي، كما قدم للدين الإسلامي الحنيف ما لم تقدمه دول بأكملها، فقد سخر نفسه ووقته وجهده وماله في خدمة الإسلام والدعوة إلى الله في أفريقيا، رافعًا شعار: «كيف ألقي عصا الترحال وهناك الملايين ممن يحتاجون للهداية وأنا بحاجة إليهم يوم القيامة يشهدوا لي لعلي أدخل الجنة بدعاء واحد منهم»، فاستحق أن يُلَقَب ب«أبو أفريقيا« العربي.

الرابط المختصر :