العنوان آخر تطورات الأحداث في صعيد مصر
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 07-يوليو-1992
مشاهدات 55
نشر في العدد 1006
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 07-يوليو-1992
|
* 25 ألف جندي يجوبون الشوارع
و20 ألف معتقل حتى الآن |
القاهرة – مراسل المجتمع.
- مقتل
المحجوب أحد ردود الأفعال.
- الدبابات
تواجه المدنيين في مصر.
- قانون
مكافحة الإرهاب الذي تجري الاستعدادات لإصداره يعتبر أكبر نكسة للحريات وحقوق
الإنسان في مصر.
شارك أكثر من 25 ألف جندي من قوات الشرطة
في الحملات البوليسية التي تشنها أجهزة الأمن، والمزودة بالعربات المصفحة والآليات
والمدافع الرشاشة في حالة الحصار والرعب المفروضة على قرية «صنبو» والقرى المجاورة
والتي امتدت أيضًا إلى غالبية مراكز محافظة أسيوط وقد جرى اعتقال ما يقرب من عشرين
ألفًا حتى الآن من شباب الجماعات الإسلامية ومازالت الحملات البوليسية تجوب
الشوارع وتفرض حظر التجول، بينما تم إغلاق المساجد التي كان يستخدمها الشباب
الإسلامي في ممارسة نشاطهم في سابقة تعد الأولى من نوعها في مصر.
وأكدت التصريحات الأمنية أن خطط المواجهة
التي يتم تنفيذها الآن في قرى ومدن أسيوط وضعت على أعلى مستوى «لقمع» أعضاء تنظيم
الجهاد.. وقال مصدر أمني إن الحملات التي تمت حتى الآن كانت ناجحة بكل المقاييس،
وحققت نتائج إيجابية بضبط عناصر نشطة من أعضاء التنظيم بالإضافة إلى كمية كبيرة من
الأسلحة الآلية المختلفة، وقال: إن بلدة «سارة» تعد واحدة من أخطر معاقل التطرف
ويوجد بها كميات هائلة من الأسلحة غير المرخصة..
وأضاف المصدر الأمني قائلًا: إن قوات
الشرطة سوف تواصل هجماتها لتعقب المتطرفين حتى ولو أدى ذلك لاستخدام الأسلحة
الثقيلة لمطاردتهم أينما كانوا ليتم القضاء عليهم تمامًا.
وأكد مساعد وزير الداخلية للأمن المركزي
والذي يشرف على الحملة البوليسية «أن أيدينا ليست مرتعشة وعيوننا ترصد كل شيء وأن
أي خرق للقانون سيواجه بمنتهى الحزم والعنف».
وقد أعلنت قوات الأمن أن مناطق التوتر في
أسيوط هي مناطق مغلقة وتم حظر التجول فيها، وأحاطت وزارة الداخلية الحملات
البوليسية بستار شديد من السرية، ولم يعلن من الناحية الرسمية حتى الآن عن عدد
القتلى أو الجرحى في صفوف القوات أو في صفوف الجماعات الإسلامية أو أعداد
المعتقلين على وجه الدقة.
وعلى الصعيد السياسي استنكر قادة الأحزاب
السياسية المعارضة تصرفات الشرطة وأكدوا أن هذا السلوك لا يحل المشكلة، وأعربوا عن
قلقهم من انشغال الأمن بمكافحة الجماعات الدينية على حساب الأمن الداخلي الذي ترك
دون ضوابط، وهو ما أوجد خللًا في الأمن وفي الشارع المصري وحذر عدد من الكتاب
الإسلاميين من أن المواجهات الدامية والصدامات سوف تجر الخراب والدمار على مصر.
هذا ويعيش عامة المواطنين في المناطق التي
تسيطر عليها الشرطة حاليًا في جو من الرعب والفزع وقد أدت حالة الحصار إلى ضغوط
اقتصادية واجتماعية ونفسية شديدة، حدث بالكثيرين إلى مغادرة مساكنهم إلى أماكن
أخرى حتى تهدأ الأوضاع.
وإلى تفصيلات الأحداث من بدايتها.
حقيقة أحداث أسيوط وتصاعد العنف في مصر
القاهرة: من بدر محمد بدر.
لم يعد هناك شك في نظر كثير من المراقبين
في أن مصر مقبلة على مرحلة من تصاعد العنف والعنف المضاد ربما لم يشهدها تاريخها
قط، فعلى مر التاريخ والتربة المصرية بعيدة تمامًا عن العنف واستخدام القوة في فض
الخلافات، وبالطبع هناك أسباب كثيرة وراء ارتفاع حدة العنف في الساحة الآن أهمها
في نظر الكثيرين المعالجات الأمنية والسياسية الخاطئة للأحداث فبدلًا من أن تنشغل
الجهات السياسية والدوائر الأمنية بالبحث في جذور هذه الخلافات ومحاولة حلها
بالطرق السلمية، وتغليب جانب الحكمة، وبعد النظر نجد الأمور في كثير من المواقف
تسير عكس هذا الاتجاه وهو ما يدفع بالبلاد إلى كارثة محققة إذا امتدت ساحة العنف
بأكثر مما هي عليه الآن.
لقد تناولنا في المجتمع قبل شهر عدد (1003) موضوع
حرب الاغتيالات بين الحكومة وتنظيم الجهاد منتقدين أسلوب السلطة والأجهزة الأمنية
في معالجة حالات العنف، مؤكدين أنه يدفع إلى مزيد من العنف، ولم تمض أيام حتى
اغتيل الدكتور فرج فودة في وضح النهار، ولم ينته الحديث عن الاغتيال حتى وقعت
أحداث قرية «صنبو» التي نعرض لها الآن، مما يؤكد ما ذهبنا إليه من أخطاء المعالجات
الأمنية والسياسية لمثل تلك الأحداث، وهو ما يدفعنا إلى توقع المزيد والمزيد من
سفك الدماء وإزهاق الأرواح وقتل الأبرياء، الأمر الذي يشكل حالة عنف غريبة على
المجتمع المصري في وقت نحن في أشد الاحتياج إلى الوحدة والتماسك المواجهة الأخطار
المحيطة من كل جانب!
أحداث «صنبو»
قرية «صنبو» هي إحدى القرى الصغيرة
التابعة لمركز ديروط- محافظة أسيوط- تسكنها أغلبية مسيحية.. بدأت الأحداث عندما
باع أحد المسيحيين منزلًا لأكثر من مشتر من المسلمين، وهذا في العرف لا يجوز، فذهب
أحد المشترين لاسترداد ماله، فرفض المسيحي وتم إطلاق النار، فسقط ابن أحد الأعيان
المسلمين صريعًا، فأقسم الرجل أن ينتقم لابنه بقتل مئة من النصارى، وبدأت الأحداث
أشبه بحالة «الثأر» المنتشرة في الصعيد وتفاقمت الأحداث بين المسلمين والأقباط
وتدخلت الجماعات الإسلامية بالمنطقة، ووقعت مذبحة قتل فيها حوالي 15 فردًا أغلبهم
من النصارى واشتعلت القرية وتربصت الشرطة لأمير الجماعة الإسلامية الذي كان يخطب
الجمعة في مسجد القرية وقتلته هو وأحد الشباب غيلة في وضح النهار، وعندما انشغلت
أجهزة الشرطة بدفن هذا الشاب وزميله، قامت ثلاث مجموعات مسلحة للأخذ بالثأر، توجهت
الأولى وكانت تضم شخصين لعيادة طبيب قبطي- 63 سنة- حيث دفعا أحد الأطفال للسؤال عن
الطبيب بعيادته، وبعد أن تأكدا من وجوده داخل العيادة، صعد أحدهما للطابق الثاني
وهو يخفي بندقيته الآلية تحت جلبابه، ووصل إلى مكتب الطبيب، وعاجله بثلاث رصاصات
استقرت بالرأس، وهشمت الجمجمة، وفارق الحياة وهو جالس إلى مكتبه، ولاذا بالفرار
دون أن يتمكن أحد من اللحاق بهما.. وفي نفس التوقيت قامت مجموعة ثانية رجحت أجهزة
الأمن أن عدد أفرادها ثلاثة قامت بإطلاق النار على ثلاثة من الأقباط أثناء وجود كل
منهم داخل محله على بعد أمتار من عيادة الطبيب، فأصيبوا بإصابات بالغة ومازالت
حالتهم حرجة.. أما المجموعة الثالثة فقد توجهت لمحل الأحذية الذي يمتلكه أحد أبناء
عائلة ناشد- التي فجرت الأحداث من البداية- لقتل صاحبه ولكن أخطأته الرصاصات وقتلت
عاملًا آخر بالمحل- قبطي أيضًا- وفي نفس التوقيت كان العقيد محمد نجيب حسين مأمور
مركز ديروط عائدًا من بلدة «صنبو» ومع أفراد قوته المكونة من مساعد شرطة و4 جنود،
وأثناء عودته تربص به شخصان آخران خلف شجرة على الطريق وأمطرا سيارته بوابل من
طلقات مدفع رشاش استقر بعضها في جسد مساعد الشرطة واسمه فولي عبدالغني- مسلم-
فتوفي على الفور ولحق به الجندي إبراهيم عبدالحليم أحمد- مسلم- بينما أصيب الجنود
الثلاثة بإصابات بالغة- وجميعهم مسلمون- وأصيب مأمور المركز أيضًا برصاصتين في
فخذه وتم إسعافه وغادر المستشفى.
مدرعات تحمي النيابة
لم تكن هذه فقط حصيلة أحداث العنف بين
الشرطة والجماعات الإسلامية في قرية صنبو ولكن تم إحراق أكثر من 14 محلًا ومنزلًا
وألقت الشرطة القبض على العشرات وتعرض الكثير منهم للضرب المبرح والتعذيب الشديد.
وعلى مدى أكثر من عشر ساعات قام 6 من
وكلاء نيابة ديروط بصحبة مدرعتين وحراسة أمنية مشددة بإجراء المعاينات التصويرية
للمنازل والمتاجر المحترقة والتي أسفرت عن وجود 33 منزلًا ومتجرًا تعرضت جميعها
للتلفيات ولم يبلغ أصحابها الجهات المسؤولة..
على المستوى الأمني تم استدعاء قوات مصرية
من القاهرة مزودة بأحدث الأسلحة الآلية لشن حملات على أفراد الجماعات الإسلامية
الذين يتحصنون في المنطقة الجبلية المحيطة وفي الزراعات المجاورة للمنطقة السكنية..
وقد هدد مصدر أمني بأن قوات الشرطة لن تغادر ديروط هذه المرة إلا بعد وضع حد
لمسلسل الإرهاب ولن يسمح بتكراره مرة أخرى واعترف المصدر الأمني بصعوبة ذلك لطبيعة
المنطقة وانتشار المزروعات حولها.
والتهديد الأمني يعني أن المنطقة ستتعرض
لإسالة أنهار من الدم وعدم القبض على هؤلاء الشباب أحياء، وتعني أن مأساة «كحك
بحري» بالفيوم ستتكرر في «صنبو» بديروط وتزهق أرواح الكثير من دون تحقيق أو محاكمة
عادلة.
الأسلوب لم يتغير!
والموقف على هذه الصورة يؤكد أن الأسلوب
الأمني لم يتغير ولم يستفد من الوقائع والأحداث، وبالتالي نحن نؤكد على أن حالة
العنف لن تنتهي بل ستزداد شدة وضراوة ولن تكون أحداث صنبو هي آخر الأحداث، بل ربما
تفتح الباب أمام مزيد من العنف وسفك الدماء في مناطق أخرى، وبالرغم من سعى الدوائر
السياسية لمعالجة هذه الحالة عن طريق سرعة إعداد ما يسمى بقانون مكافحة الإرهاب
التي تجري الاستعدادات لإصداره في أقرب وقت وسيكون أكبر نكسة للحريات والحقوق
السياسية والمدنية للمواطنين عمومًا والإسلاميين على وجه الخصوص إلا أننا نؤكد مرة
أخرى أن هذا القانون أو الأسلوب الأمني الحالي لن يحل المشكلة بل ستزداد تعقيدًا.
والحل الوحيد في تصورنا هو إفساح المجال
أمام الحريات العامة حتى يقول من يريد في الوقت الذي يريد دون خشية أو إرهاب
ومعالجة الأحداث بالحكمة والسوية وليس لصالح طرف على حساب طرف آخر وهو ما يدفع إلى
المزيد من أحداث العنف.. وقى الله بلادنا من كل مكروه وجنبها كل سوء وحفظها من كل
شر.