العنوان آراء وبريد القراء خاطرة الدجل وَالناس
الكاتب الأستاذ محمد الصباغ
تاريخ النشر الثلاثاء 17-مايو-1977
مشاهدات 97
نشر في العدد 350
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 17-مايو-1977
إن هذا الزمن الذي نعيش فيه زمن اختلت فيه المقاييس، واضطربت فيه الموازين، وتزلزلت فيه القيم، ولم يعد للكلمة مدلولها، وفقد الشعار معناه!!
إنه زمن ساد فيه الدجل، وعمت فيه المغالطة، واعتمدت أسلوبا في خداع الدهماء والضحك على عقول الناس!!
فأعتى الجبابرة والطغاة، وأشد المستبدين بطشا وتنكيلا يحكمون اليوم جماهيرهم باسم الشعب ولأجل مصالح الشعب ولتحقيق أمانيه المثلى.. ويرفعون شعارات كاذبة يدعون أنهم يحققون لأمتهم العدالة والحرية والتقدم.
والحكم باسم الشعب يعني التسلط والقهر، وإعدام الشورى وإذلال هذا الشعب وسومه سوء العذاب وأفظع الخسف.
-والعدالة تعني سلب الناس أموالهم، ومطاردة الأبرياء، والتنكيل بالآمنين، والاستئثار بخيرات الأمة، وحرمان سواد الناس ضروراتهم وحاجاتهم الأساسية!!!
-والحرية تعني أن يقتل الناس المخالفون لأهواء الحكام، أو أن يسجنوا، وأن تنتهك أعراضهم، وأن ينتزع من أيديهم كل ما يباح للإنسان العادي، وأن تحصي عليهم حركاتهم وسكناتهم، وأن تعد أنفاسهم ونظراتهم!!!
-والتقدمية تعني التنكر للقيم الدينية والفضائل الخلقية، والمثل العليا الإسلامية، وتعني التنكيل والنهب، والاستعباد والسلب، والاستبداد والغصب، والإباحية المطلقة. والظلم والطغيان، والبؤس للجميع والعدوان!!!
وهكذا فإن الدجل أبطل مدلول الكلمة، ومن المؤسف أن المنافقين المنتفعين يقومون بضروب الدعاية لهذا الدجل، ويستخدمون في ذلك ما أنتجته الحضارة المعاصرة اليوم من وسائل الإعلام المؤثرة. وإنه لمما يحز في القلب أن يكون احتقار الإنسان المعاصر سمة يصدر عنها كل حكم -تقدمي!!- في هذه المنطقة من العالم.
إن هؤلاء الحكام ليبيحوا لأنفسهم، أن يكذبوا وأن يقولوا ما يعرف بعض الناس كذبة، ولا يبالون بعقول الناس ولا بآرائهم، لأن عدد الذين يعرفون الحقيقة قليل، وعدد الذين يتثبتون مما يقال لهم قليل أيضا.. فعلام لا يكذبون؟!
وإنهم يتصرفون بالقضايا المصيرية للأمة بما يحق لهم المنفعة والبقاء في كراسي الحكم ولو كان في ذلك تدمير كيان الأمة وخيانة مصالحها، ويمضون في طريقهم الشيطاني يزورون الحقائق للعامة ويسخرون من عقولهم.
ولو كانوا يخافون الله ويؤثرون ما عنده لما ساغ لهم أن يفعلوا شيئا من ذلك.
والبائسون المضيعون دائما هم أبناء أمتنا. ولا قوة إلا بالله العلي العظيم،
الوقت هو الحياة
ونفسك إن لم تشغلها بالخير شغلتك بالشر والزمن لا يقف محايدا أما صديق ودود وأما عدو لدود وهذا الإنسان الذي تتداوله الأيام ينتقل بين الصحة والمرض ثم يعود معافى بإذن الله، وينقلب بين النعيم تارة والمعاناة تارة أخرى. فيرزقه الله إن شاء.
وهذا الإنسان يمضي عليه الوقت وتمر به السنون وإذا أراد أن يعود بالذاكرة إلى الأيام التي مضت وجد نفسه كمن استيقظ من نوم عميق وطافت به أحلام سارة ومزعجة.
وإذا حاول أن يرجع عجلة الزمن يستعيد تلك السنين لا يجد مناصا من ذلك. ثم أعاد الكرة ثانية ظنا منه أن الوقت الذي مضى كالصحة التي فقدها يوما فعافاه الله بعد أن استعمل الدواء ودعا ربه أن يجعل فيه الشفاء. أو كالمال الذي فقده فبحث عنه ووجده بعد أن استعاذ بربه أن يدله عليه.
وهكذا باءت محاولته هذه بالفشل وأن أعقبها بثالثة أو رابعة فالوقت يمضي كالسيف إن لم نقطعه قطعنا.
من هذا يبدو واضحا أن كل مفقود يمكن أن نسترجعه يوما إلا الوقت فإنه إن ذهب لا يأتي مرة أخرى. فالوقت عنصر مهم في حياة البشر إذ فيه تقام الحضارات وتفنى وفيه يسعد المرء ويشقى وفيه تطوى آجال الناس ويجيء من بعدهم آخرون وهكذا.
وللوقت أهمية كبيرة وهي أنه سبيل التذكير لمن صفت قلوبهم وتعلقت بالحق سبحانه وتعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ (الفرقان:62) كما تبرز قيمة الوقت واضحة في أولئك الذين غفلوا عن ذكر ربهم وتحجرت قلوبهم فهم يقتلون الوقت بالسفاسف والترهات وتمضي بهم السنون وكأنها لحظات عابرة فهؤلاء هم الذين سحروا ببريق الدنيا ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (يونس:7-8).
نفس تتوق الجهاد
كانت الشمس تتوارى أشعتها في غروب حزين وكان عبد الرحمن يسير بين حطام المدينة متأبطا سلاحه وتدور برأسه صور عديدة كلها مشاهد حزينة مؤلمة.. بهذه الأرض رأى مصرع أبويه وبهذه الأرض وارى أخاه شهيدا وما زال يشعر بدمه ساخنا وكأنه وسام عزة وكرامة على سترته.. وتدوس قدما عبد الرحمن أطلال المدينة تارة تغوص في أثاث تحطم وأخرى في حطام كان صرحا وثالثة في جيفة صارت نتنة.. نسي أن أنفه يشم رائحة قاتلة.. وكأن رائحة دم الشهداء في أنفه عطور زكية.. وروح الثأر تنبض في عروقه.. ولكن عيناه زائغتان.. متى يكون الثأر، متى؟ ونقله فجأة من تلك الحال مشهد طفل بريء يرقد في حجر امرأة غطى وجهها التراب فصار مع سيل دموعها وحلا يخفي معالم سنها والتفت رأس الطفل في حركة بطيئة نحو عبد الرحمن وكأنه يناجيه أو يروي له قصته.. لم ير عبد الرحمن من هذا الوجه البريء شيئًا إلا دم بركان انفجر.. وشهق الطفل شهقة طويلة فاضت فيها روحه إلى خالقها.. وقف عبد الرحمن جامدا وقد أفلتت من عينه دفعة.. إنه يتذكر كلمات والده حرفا حرفا.. «يا ولدي إن الشهيد في سبيل الله لا يموت، بل هم أحياء عند ربهم يرزقون»
ولازمه سؤال يحاسب نفسه هل أدى حق الله؟ وإن كان فلم لم يكن شهيدا؟ وعاودته عبارات الوالد «يا بني لا تتعجل فهي إحدى الحسنيين أما النصر وأما الشهادة» هنا رفع عبد الرحمن رأسه وسرح طويلا يناجي ربه في أن ييسر له إحدى الحسنيين ومرت الأيام وأعداء الله يدنسون أرض الله الطاهرة وفي كل ليلة يستلقي عبد الرحمن على ظهره ونظره ممتد إلى السماء وكأن السحاب يتلاطم ببعضه البعض في صراع مرير ويبرز من بينه وجه ذلك الطفل يناديه ثم يختفي وعبد الرحمن ينتظر عطاء السماء.. وتدور عجلة الزمن ويخشى عبد الرحمن الذي آمن كل الإيمان بالله أن تدب روح اليأس في نفسه وذات يوم وكان مذياعا قد انفتح له.. وكأن الحديث له وحده.. سمع قول الله.. فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا.. ولسوف يعطيك ربك فترضى.. فشد بساعديه على سلاحه وكأنه يحدد له موعد اللقاء ليشيع جوفه برصاصات يلفظها ملتهبة في جوف أعداء الله لتمزق أحشاءهم وجاء الموعد سريعا ونادى المنادي للجهاد في سبيل الله وتعالت الحناجر مهللة الله أكبر.. الله أكبر.. والتقى عبد الرحمن بمن أرادوا أن يطفئوا نور الله ويأبى الله ألا أن يتم نوره.. وكأن سلاحه يشاركه الثورة العاتية.. وكلما استقرت رصاصاته في جسد كافر هتف بأعلى صوته يا رب إحدى الحسنيين مثل أبي.. مثل أمي.. مثل أخي.. وتساقط الأعداء مثل الذباب سريعا أمام تلك الضربات الحامية.
من المسئول عن هؤلاء الشباب؟
إن معظم الشباب المسلم وبالذات المثقفين منهم على أتم استعداد لكي يحدثوك عن من يطلقون عليهم القواد والرواد والعلماء والأدباء والمفكرين من بلاد الغرب أمثال-هتلر- ونابليون بونابرت وفكتر هيجو وماركس وغيرهم كثير كفرويد ودارون.
وبحسن نية هؤلاء الشباب يظنون أن هؤلاء هم الذين قادوا البشرية إلى شاطئ السلام وأزالوا عنها ظلمات الجهل والأحلام مع أن التاريخ المنصف يؤكد ما فعله هؤلاء اليهود وغيرهم من الدمار والخراب للعمران والأخلاق والعقائد والتاريخ والآداب والعلوم الإنسانية جنت البشرية بأسبابهم حربين عالميتين لم يتركا أخضر ولا يابسًا إلا أتيا عليه.
لان أمثال هؤلاء القواد والرواد المزعومين. لا يهمهم سعادة الإنسانية بقدر ما يسعون إلى امتصاص دمائهم واستعمارهم. وما فعله هتلر ونابليون لأكبر دليل على ذلك. وآثار القنبلة الذرية لا تزال البشرية تعاني منها حتى الآن فأي شاطئ سلام سارت البشرية إليه على يد هؤلاء الرواد.
وإنك لتعجب حينما تسأل أحد هؤلاء الشباب المسلم عن سيره آبائه وأجداده ممن نشروا العدل والسلام والحرية والاطمئنان في ربوع المعمورة- كأسد بن الفرات أو خالد بن الوليد أو عمر بن الخطاب أو غيرهم من علماء المسلمين ومفكريهم كابن تيمية أو ابن الهيثم. ونحوهم ممن أفنوا أعمارهم لتقديم الزاد النقي يحفه العسل الخالص من الكدرة فأما أن لا تجد عند هؤلاء الشباب إجابة أو تجدها وهي مهزوزة مشوهة بقدر ما درسه عنهم أو بقدر ما يقرأ عنهم في الصحف والمجلات العربية اليومية أو الأسبوعية أو ما يسمعه عنهم في الإذاعة والتلفاز ولكن من المسئول عن هؤلاء الشباب وإشعارهم بقيمتهم وأهميتهم وبأن الفضل العظيم يرجع إلى آبائهم وأجدادهم لانتشال أوربا من الظلمات.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل