العنوان المجتمع التربوي.. عدد 1564
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 04-يونيو-2005
مشاهدات 61
نشر في العدد 1654
نشر في الصفحة 52
السبت 04-يونيو-2005
الخذلان
«الخذلان» آفة ضارة وخلق سيئ وحتى يحترز منها من سلمه الله عز وجل ووقاه شرها فإنه لابد من تصور دقيق لها يوضح أبعادها ومعالمها، وذلك من خلال:
أولا: تعريف الخذلان لغة واصطلاحا:
لغة: الخذلان يأتي في اللغة بمعان عدة. نذكر منها :
١.ترك الشيء، والقعود عنه، ثم خص بترك المعونة والنصرة، يقال: خذلت الوحشية ولدها، فهي خذول، أي قعدت وتركته، ويقال: خذله خذلانًا: إذا ترك عونه، ونصره.
٢.الضعف، والانهزام، تقول: تخاذلت رجلاه: ضعفتا، والخاذل: المنهزم.
٣.الإسلام للغير، وتخييب الآمال، تقول: خَذَلَهُ، يخذله خَذلًا، وخُذلانًا، وخذلانًا، أي أسلمه، وخيبه.
٤.التثبيط والفتُ في العضد، تخاذل القوم أي ثبط كل واحد من عزيمة صاحبه وفت في عضده (١)
ولا تعارض بين هذه المعاني جميعًا، إذ هو: تثبيط وقت في العضد يؤدي إلى الضعف، والانهزام وترك المعونة والنصرة، بل الإسلام للغير، وتخييب الآمال.
اصطلاحا: قال الراغب الأصفهاني: الخذلان ترك النصرة ممن يظن به أن
ينصر (٢).
وقال ابن الأثير: الخذل: ترك الإغاثة والنصرة (۳)
ولعل المعاني اللغوية للخذلان وكذلك ما ذكره الراغب، وابن الأثير تساعد كلها في رسم صورة واضحة ودقيقة للمعنى الاصطلاحي.
وخلاصته أنه: تثبيط شياطين الإنس والجن للمرء، وفتهم في عضده بصورة تؤدي إلى الانهزام النفسي، والضعف، والقعود عن تقديم المعونة والنصرة لمن هو في حاجة إليها، بل ربما إسلامه للغير، بما يقطع الرجاء ويخيب الآمال.
ثانيا: صور الخذلان وموقف الشارع الحكيم منها
صور الخذلان كثيرة نذكر منها :
١.رؤية الحرمات من دم، ومال، وعرض، ودين، تنتقص دون أن يكون هناك أدنى تحرك لحماية هذه الحرمات، ولو بالإنكار القلبي، وتمعر الوجه ومقاطعة المعتدي على هذه الحرمات.
٢.إسلام المظلومين للظالمين للنيل منهم، والتنكيل بهم بأوسع ما تتضمنه هذه الكلمة.
٣.قبول المسلم أن يكون يد الظالمين المنفذة لما يُراد بالمظلومين من النيل منهم والتنكيل بهم.
وخذلان من هو محتاج إلى المعونة، والنصرة ممن يقدر على ذلك ولا يقدمه، كبيرة من الكبائر تقتضي وجوب التوبة فورًا ممن ابتلي بها، وذلك بالإقلاع عن هذا الموقف المذل المخزي، والتحول إلى النقيض قبل أن تقع الواقعة وتضيع الفرصة ويكون الندم حيث لا ينفع الندم.
والدلائل الشرعية على هذا الحكم تتجلى في هذه النصوص:
١.قوله صلي الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة» (3).
٢.قوله صلي الله عليه وسلم: «ما من امرئ يخذل مسلمًا في موطن ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلمًا في موطن ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته» (٤).
٣.قوله صلي الله عليه وسلم: «أنصر أخاك ظالمًا، أو مظلومًا». قالوا يا رسول الله هذا تنصره مظلومًا فكيف تنصره ظالمًا؟ قال: «تأخذ فوق يديه» (٥).
ثالثًا الآثار المترتبة على الخذلان:
للخذلان آثار خطيرة، وعواقب مهلكة أهمها:
على العاملين:
١.فقد الثقة، وضياع الهيبة: ذلك أن من يخذل غيره وهو قادر على الوقوف بجانبه ونصرته، يسحب الناس ثقتهم به، وتذهب هيبته على نحو ما صنع عبد الله بن سلول حين انسحب بثلاثمائة من أتباعه قائلًا: ﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ (آل عمران: 167). وتخلى عن نصرة المسلمين ساعة الشدة، والمحنة، لهذا سقط من أعين الناس وضاعت هيبته واحترامه، فلم يعد يثق به أحد.
٢.الحرمان من العون والنصرة ساعة الشدة والمحنة، ذلك أن الحياة شدائد وامتحانات، ومن تخلى عن نصرة من أصابته شدة، أو نزلت به محنة مع القدرة على النصرة والإعانة، سيصيبه ما أصاب غيره ويفتش عن الناصر والمعين فلا يجد جزاء وفاقًا، وكذلك يسهل على العدو قضمه وابتلاعه من باب أكلت يوم أكل الثور الأبيض.
٣.الفضيحة يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، ذلك أن من خذل أخاه عن طريق الوشاية به، وإسلامه للعدو، فقد شهر به، ومن شهر بالناس في الدنيا شهر الله به يوم القيامة، وفضحه على رؤوس الأشهاد، يقول النبي صلي الله عليه وسلم «...ومن قام برجل مقام سمعة ورياء، فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة» (٦).
٤.العقاب بنار جهنم: ذلك أن من يعيش على دماء الناس، وأعراضهم، وأموالهم، فإنه يعاقب يوم القيامة بنار جهنم طعامًا، وشرابًا، وكسوة، ونحو ذلك من باب الجزاء من جنس العمل.
على العمل الإسلامي:
١. وقوع المسلمين فريسة في أيدي الأعداء: الزمرة، بعد الزمرة، والطائفة بعد الطائفة، إذ يأكلون الأضعف، ثم من فوقه، ومن فوقه حتى يأتوا على البقية الباقية من المسلمين، لخذلان كل منهم غيره.
٢. طول الطرق مع كثرة التكاليف، وإذا أراد المسلمون العودة إلى غابر مجدهم، وسالف قوتهم بعد إذ خذل بعضهم بعضًا، فإن هذا يكلفهم طريقًا طويلًا، وجهدًا، ومالًا، في الوقت الذي يستمتع فيه الأعداء بخيرات المسلمين وثرواتهم، مع تسخير جزء من هذه الخيرات وتلك الثروات لضرب المسلمين وإحكام الطوق حول أعناقهم، وذلك فيه من الخطر ما فيه.
الهوامش
انظر: معجم مقاييس اللغة لابن فارس ٢/١١٦۷، الصحاح للجوهري 4/١٦٨٣، لسان العرب لابن منظور٢/۱۱۱۸، بصائر ذوي التمييز ٢/٥٣١ بتصرف.
انظر: المفردات ص ۱۲۲ بتصرف.
الحديث أخرجه البخاري ومسلم، كلاهما من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا، واللفظ للبخاري.
الحديث أخرجه أبو داود في السنن، وأورده الهيثمي في: مجمع الزوائد: كتاب الفتن.
الحديث أخرجه البخاري.
الحديث أخرجه أبوداود، وأحمد، وأورده الألباني في صحيح أبي داود، السلسلة الصحيحة.
د. عبد الله فرج الله
رسالة.. إلى حملة كتاب الله:
بئس حامل القرآن الذي لا يزينه بطيب الخصال وصدق الأقوال
«زينوا القرآن بالفعال»، بهذا التوجيه الجميل كان الصحابي الجليل أبو حذيفة - رضي الله عنه - يخاطب أصحابه يوم اليمامة، هذا اليوم الذي شهد انتصار الحق، ورفرفت فيه راياته وعلت أعلامه، وانهزمت فيه فلول المرتدين على أعقابهم، ولقي فيه مسيلمة الكذاب حتفه، لما عرف أهل القرآن واجبهم نحو القرآن، وأنزلوه منزلته الحقيقية، التي ينبغي أن يكون فيها القرآن في حياة حامله وواقعه.
فها هي الجموع في هذا اليوم الأغر تتواصى وتتنادى، مذكرة بالقرآن يا: «أصحاب سورة البقرة، بطل السحر اليوم» فتتلاحم الصفوف.. ويتجدد العزم، ويندفع أحدهم كالسهم، وينطلق هتاف: «الله أكبر» من الحناجر المؤمنة، يزلزل الأرض تحت أقدام (المرتدين) ويقذف الرعب في قلوبهم فأبو حذيفة - رضي الله عنه - يحثهم ويذكرهم.. وهم أهل القرآن وحاملوه.. في ميدان الشهادة والاستشهاد.. على ضرورة أن يرينوا القرآن المحفوظ في صدورهم بالفعال العظيمة والأعمال الكبيرة، فيناديهم: «زينوا القرآن بالفعال»... ويترجم طلبه عملًا وفعلًا ... فيقاتل ويقاتل حتى يصاب. وهذا سالم مولى أبي حذيفة - رضي الله عنهما - حامل القرآن و حافظه، يقول له المهاجرون في هذا اليوم الكبير متسائلين: أتخشى أن نؤتى من قبلك؟! وينزل السؤال على مسامعه كأنه الزلزال الصاعق، والبركان الحارق، فيصيح بهم بئس حامل القرآن أنا إذن... فيقاتل رضي الله عنه حتى يستشهد.
نعم! بئس حامل القرآن من تؤتى الأمة من قبله أو تخترق بكسله، أو تنهب وتسرق بغفلته أو تضيع الحقوق وتهدر الكرامات بعجزه... بئس حامل القرآن الذي لا تحركه آيات الإسراء، فينطلق سهمًا منصوب القامة.. مبينًا للأمة الغافلة الخطر الداهم الذي يهدد مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيحيي مماتها، ويقلق منامها، ويحرك شبابها، ويفجر طاقاتها، ويعزز ثقتها.
نعم! بئس حامل القرآن.. الذي تدور عجلة الزمان حوله مسرعة، وهو يغط في نوع عميق. قد أتقن فن التثاؤب.
بئس حامل القرآن.. الذي لا يحركه ما يراه من عقوق أخلاقي، وردة إيمانية في مجتمعاتنا وفي واقع مجتمعنا وأهلنا.
بئس حامل القرآن.. الذي لا يتمعر وجهه غضبًا لله تعالى، فيغضب للحرمات التي تنتهك والمقدسات التي تدنس، والأعراض التي تنجس.. والدماء المسلمة التي سالت وتسيل هنا وهناك رخيصة ذليلة ..
بئس حامل القرآن.. الذي يغفل عن حال أمته، وينسلخ عن واقعها المؤلم فيهنا بالطعام والشراب، ومجالسة الأصحاب، ومعانقة النساء.
بئس حامل القرآن.. الذي يتوارى عن الأنظار، ويقعد عن الواجب، ويخف عند الطمع، ويثقل عند الجزع.
بئس حامل القرآن.. الذي لا يتقدم الصفوف عند الملمات ولا يدق الصدر عند المهمات، ويبقى يتلهى بالتوافه ويرتع في الصغائر، ويرضى أن يكون رقمًا زائدًا على هامش الحياة.
بئس حامل القرآن.. الذي لا يزينه بعظيم الفعال، وطيب الخصال، وصدق الأقوال.
على حاملي القرآن اليوم أن يعلموا أنهم صمام الأمان، وهم المعنيون الذين تقع على كواهلهم مسؤولية إحياء الأمة، وانتشالها من وهدة الظلام والظالمين.. فلا يليق بهم إلا أن يرتقوا بنفوسهم، وأن يتخلصوا من ربق الهوى وذل الحاجة... فعليهم أن ينهضوا بعبء المسؤولية، وواجب الأمانة بصدق وإخلاص.
عاطف أبو السعود
منهج الإسلام في تزكية النفوس
المجاهدة.. الثبات على الحق والخوف من سوء الخاتمة.. خطوات مهمة على طريق التربية الإيمانية
عني الإسلام عناية فائقة بتربية النفوس وإصلاح القلوب، وأولى القرآن هذا الأمر ما يستحقه من اهتمام، إذ عليه مدار صلاح الإنسان، ومن ثم صلاح البشرية كلها... فقال الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ( ٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ (الشمس: ٧-١٠). وقال سبحانه: ﴿ فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١) ﴾ (النازعات: ٣٧-٤١). ولكي تؤتي هذه التزكية وتلك التربية ثمارها .. لابد لها من شروط، تحدث عنها الشيخ عبد الحميد البلالي في كتابه «منهج التابعين في تربية النفوس»... وأنا أتناولها هنا بشيء من التصرف بالحذف أو الإضافة:
أولًا: الحذر من النفس: فالنفس أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، ومن ثم يجب الحذر منها وإدراك أنها أعدى أعداء الإنسان؛ لأنها عدو خفي قد يأمن جانبه... ويستبعد أن يؤتى من قبله.. ولقد حذر أحد العارفين من ذلك بقوله: «من توهم أن له وليًا أولى من الله قلت معرفته بالله، ومن توهم أن له عدوًا أعدى من نفسه قلت معرفته بنفسه ».
ثانيًا: إعطاء العقل مكانته اللائقة به: فالعقل مناط التمييز بين الإنسان وسائر المخلوقات.. ومن عطل عقله فقد التمييز بين الأشياء، ولو حكم المرء عقله فيما يعرض عليه من أمور، لما تجرأ على معصية الله.. ولكنه يحكم هواه فيقع في المحظور... ولمثل هؤلاء يقول ابن القيم. رحمه الله ـ : «لو خرج عقلك من سلطان هواك عادت الدولة له ».
ولا يمكن للتربية أن تؤتي أكلها في إنسان لا يحكم عقله فيما يعرض له من فتن الدنيا.
ثالثًا: بذل أقصى الجهد لإصلاح القلب... فالقلب أمير الجسد وقائده، وراعيه وموجهه، وقد صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله»... (رواه مسلم).
ويقول محمد بن الفضل البلخي: «العجب ممن يقطع الأودية والمفاوز والقفار ليصل إلى بيت الله وحرمه؛ لأن فيه آثار أنبيائه، كيف لا يقطع نفسه وهواه حتى يصل إلى قلبه، لأن فيه آثار مولاه»؟!
رابعًا: التخلية قبل التحلية: معلوم أن القلب لا يستطيع أن يشد الرحال إلى الله تعالى إلا إذا خلا من حب الدنيا حبًا يصرفه عن الهدف الأسمى، واليد إذا غلت لا تصل إلى مقصودها، والرجل كذلك إذا قيدت.. كيف تصل إلى هدفها؟... والقلب إذا امتلأ بالهوى ما صارت له طاقة لتقبل الحق، وإذا امتلأ بالشبه والشكوك والخيالات ـ كما يقول ابن القيم رحمه الله ـ جاءته حقائق القرآن والعلم ـ الذي به كماله وسعادته ـ فلم تجد فيه فراغًا لها ولا قبولًا فتعدته وجاوزته إلى محل سواه، ولذا قيل:
نزه فؤادك من سوانا تلقنا
فجنابنا حل لكل منزه
وعملية التنقية هذه، شاقة جدًا، وهي بذاتها «المجاهدة» و«التزكية» التي يعقبها الفلاح بإذن الله ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾ (الشمس:٩)، وعلى قدر الهمة والعزيمة والثبات، يتم النصر وعملية التنقية هذه لا تنجح إلا إذا خلا القلب من كل شيء إلا الله تعالى، وفي هذا يقول ابن المبارك: «لو أن رجلًا اتقى مائة شيء ولم يتق شيئًا واحدًا لم يكن من المتقين.. ومن كان فيه خلة من الجهل كان من الجاهلين»، أما سمعت قول الله تعالى لنوح عليه السلام: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦)﴾ (هود: ٤٦).
خامسًا: الاستقامة والثبات على طريق الحق: التهذيب والتربية والتقويم عمليات مستمرة طوال الحياة.. والتوقف والفتور يعطي فرصة للعدو المتربص بالانقضاض على فريسته... ولقد مدح الله تعالى المستقيمين بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ (فصلت: ٣٠)، كما أمر الله تعالى رسوله صلي الله عليه وسلم بالاستقامة على الجادة كي تنجح عملية التنقية هذه: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ (هود: ١١٢). وفهم الصحابة رضوان الله عليهم الاستقامة حق الفهم، وطبقوها على أنفسهم تطبيقًا عمليًا صارمًا، وعبر عن ذلك أحد أفذاذهم وأعلامهم أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه بقوله: «الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ روغان الثعلب».
سادسًا: الخوف من سوء الخاتمة: إن تذكر الخاتمة، والخوف من سوئها والعياذ بالله مهم في تربية النفس، ويعد الحافز المحرك نحو التنقية الدائمة والاستقامة والثبات على الجادة، فكلما تذكر المؤمن الخاتمة خاف فوات الوقت، وسارع بالتنقية قبل أن تدركه نهايته وهو على ما هو عليه من تقصير وعصيان.
إن لحظات الخاتمة هي التي أقضت مضاجع القوم، فحرمتهم النوم الهانئ والعيش الهادئ، ولم يفتروا بعبادتهم مع كثرتها، ولا بصلواتهم مع خشوعها، ولا كثرة ما أنفقوا من أموال في سبيل الله، ولا كثرة صيامهم في الهواجر، وقيامهم في الثلث الأخير من الليل وهم يسمعون قول نبيهم صلي الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بخواتيمها» (البخاري)، فيزيدهم ذلك خوفًا من الله تعالى.
إن مجاهدة النفس وتهذيبها وتقويمها، عملية شاقة ومستمرة، لكنها عظيمة الفوائد، وفي الأثر: «من لاح له فجر الأمل هان عليه ظلام التكليف»، وصدق الله تعالي: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ (العنكبوت: ٦٩)
بين «ألبرت» الثاني ملك بلجيكا والنجاشي ملك الحبشة
٥ جهات على رأسها ملك بلجيكا تهب لنصرة موظفة مسلمة
«نعيمة أمزيل» فتاة مسلمة محجبة تعمل في شركة مواد غذائية في مقاطعة فلاندز في بلجيكا، رئيس الشركة التي تعمل فيها ويدعى «ريك ريميري» يتلقى تهديدات بالقتل هو وأسرته من قبل جماعة عنصرية إرهابية تطالبه بطرد «نعيمة أمزيل»، إن هي أصرت على ارتداء الحجاب أثناء العمل.
وردًا على ذلك عرضت نعيمة على مديرها الاستقالة فرفض رفضًا قاطعًا، وأصر على التمسك بها وقرر عدم الرضوخ، وفي الوقت نفسه يدعم سكان مقاطعة فلندرز بشكل متزايد موقف رئيس الشركة الشجاع، في حين تجمع إحدى منظمات المستخدمين توقيعات ۱۷۰۰۰ «سبعة عشر ألف شخص» تضامنا مع «ريك ريميري» رئيس الشركة.
كان هذا ملخصًا لخبر أوردته مجلة المجمع الصادرة في ٨ يناير ٢٠٠٥م، العدد (١٦٣٤).
واللافت في هذا الموضوع كيف أجتمع أهالي مقاطعة فلاندرز والذين يقدر عددهم بـ6 ملايين نسمة في تأييد موقف رئيس الشركة البلجيكي المتمسك بموظفته المسلمة وحريتها في ارتداء الحجاب.
ليس ذلك فقط، بل إن للخبر تتمة في نظري أغرب من الخيال، حيث وصلت هذه القضية إلى مسامع ملك بلجيكا ألبرت الثاني.. فماذا فعل هذا الملك؟ هل أصم أذنيه وترك رئيس الشركة يواجه هذا الأمر بمفرده مع الموظفة المسلمة ضد هذه الجماعة الإرهابية؟ أم أمر بغض النظر عن مشكلة امرأة مسلمة ليس لها ثقل في المجتمع البلجيكي؟ أم اعتبر ذلك أمرًا ليس ذي شأن وما هي إلا خرقة توضع على الرأس وضعها ونزعها سيان! بل إن هذا الملك كان له موقف نبيل ورائع مع هذه المسلمة المحجبة، حيث أبدى تضامنه مع رئيس الشركة وصدر بيان عن القصر الملكي جاء فيه أن الملك سيستقبل «ريك ريميري» الذي يترأس شركة المواد الغذائية مع موظفته «نعيمة أمزيل».
وذكر البيان: « أن الملك ألبرت الثاني يتابع عن كتب تطورات القضية وقد تم هذا الاجتماع في يناير الماضي في القصر الملكي».
سبحان الله، خمس جهات تهب لنصرة هذه الموظفة المسلمة البسيطة في بلد كاثوليكي وعلى رأس هذه الجهات:
ملك البلاد.
مدير الشركة.
فلاندز أوساط سكان مقاطعة
٤.إحدى منظمات المستخدمين.
٥.رابطة مدراء الأعمال التي قالت مخاطبة رئيس الشركة: «لعل موقفكم الهادئ يصبح رمزًا للتسامح في مقاطعة فلاندز».
ترى هل تنعم المرأة المسلمة المتمسكة بدينها بمثل هذا التأييد من مجتمعها وحكومتها في العديد من البلدان؟ ألبرت الثاني ملك بلجيكا يفوق عدد سكان مملكته ١٠ ملايين نسمة، وهي واحدة من أكبر البلدان الصناعية في أوروبا، وإحدى الدول المؤسسة للاتحاد الأوروبي، وهي قلب أوروبا النابض، فعاصمتها بروكسل مركز لمقرات منظمات عالمية عدة مثل «الناتو«.
كل ذلك لم يمنع هذا الملك العادل من الاهتمام بموضوع موظفة مسلمة متمسكة بحجابها، ولم يعتبرها رجعية أو متخلفة كما يروق للبعض أن يسميها، بل إن العدل والحرية كانا شعاره في موقفه النبيل هذا.
وما أشبه موقف ملك بلجيكا بموقف النجاشي ملك الحبشة قبل أكثر من ١٤ قرنًا خلت في نصرته للمسلمين. إلا ما أشبه اليوم بالبارحة، فكم من متكبر ومتجبر يسوم شعبه ألوان العذاب والهوان، وكم من نجاشي نصر المسلمين، وعاشوا أحرارًا على أرضه، فتعلموا وعملوا وأنشأوا الجمعيات والمؤسسات وتمتع بعضهم حتى بحقوق المواطنة.
تحية إلى ملك بلجيكا «ألبرت الثاني» وتحية إلى كل نجاشي في العالم.
آفة التكفير
إن من أخطر الآفات التي عانت منها بعض مجتمعاتنا، ولا تزال بعض آثارها قائمة، رغم انحسار هذه الآفة بشكل عام مسألة تكفير بعض المسلمين لبعض، دون سند مقبول من شرع أو عقل، إذ لا ينبغي لمسلم أن يكفر أحدًا من أهل القبلة، إلا بقرينة واضحة لا تحتمل التأويل.
والمؤمن الفاهم لكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجرؤ ولا يقدم على تكفير مسلم وإن أفتاه الناس وأفتوه ويكون مستحضرًا دائمًا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ (النساء: ٩٤). كما أن المسلم الحق يخاف من قول رسول الله صلي الله عليه وسلم: «إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما»، ويقول بعض السلف: «لأن أحكم بإسلام كافر بشبهة واحدة خير وأسلم من أن أحكم بكفر مسلم بألف شبهة ».
فمن أين يأتي هؤلاء المكفرون بالمصادر التي يستندون إليها؟ ومن أين أتت هذه القاعدة التي تقول: من لم يكفر الكافر أو يشك في كفره فهو كافر؟!! ومن ثم يكفرون من يخالفهم في رأيهم!!! علمًا بأن ابن تيمية رحمه الله قال في كتاب الإيمان عند شرحه لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة أو شعبة... » قال: ومن قال إن الثنتين والسبعين فرقة كل واحد منهم يكفر كفرًا ينقل عن الملة، فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وإجماع الأئمة الأربعة وغير الأربعة، قلت: لأنه ليس كل من يدخل النار يكون كافرًا، بل إن كثيرًا ممن يدخل النار من الأمة المحمدية يخرجون منها ويكون مالهم إلى الجنة. فلا حجة لأحد بعد هذه النصوص الواضحة أن يحتقر أو يسب مسلمًا فضلًا عن تكفيره.