; أبطال عقيدة وجهاد | مجلة المجتمع

العنوان أبطال عقيدة وجهاد

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 11-ديسمبر-1973

مشاهدات 107

نشر في العدد 179

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 11-ديسمبر-1973

مكتبة المجتمع

أبطال عقيدة وجهاد

تأليف: الدكتور أحمد الشرباصي

نشر: مجمع البحوث الإسلامية

عرض: أبو سمية

تعتبر عملية الاتصــال بالتراث، وإحيائه، من قضايا هذا الجيل المصيرية والحيوية.

ومن الغريب أنك عندما تطالع موسوعة من الموسوعات التي أرخت لفترة كفترة الصدر الأول كالاستيعاب في أسماء الأصحاب لابن عبد البر، أو أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير، أو الاصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني.. أو غيرها من مصادر السيرة النبوية.. عندما تتصل بهذه الموسوعات تعجب من أن التركيز في كتابات المعاصرين المتصلين بالتاريخ يكاد يقتصر على مشاهير الصحابة، كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، مع أن هذه المصادر التراثية الكبيرة حافلة بمئات الشخصيات التي لعبت دورًا فذًا.. أمکن بمجموعة إقامة هذه الحضارة التي قادت الإنسانية لفترة طويلة، ولا زالت الوحيدة التي تملك إنقاذ المدنية الحديثة من الفرق في متاهات الماديات.

إن التاريخ، ولا سيما تاريخنا الإسلامي، لا يجب أن يكون تاريخ العظماء المشهورين فقط، وإنما يجب أن يكون تاريخ الجماعة الإسلامية كلها.. تلك التي غزت الجيوش، وقادت الفكر، وهاجرت، و آزرت و نصرت، وكان سلوكها أكبر وسيلة من وسائل الدعوة إلى الإسلام.

وكتاب «أبطال عقيدة وجهاد» للدكتور أحمد الشرباصي، محاولة موفقة لكسر هذا الحاجز.. لكسر عملية الوقوف عند الشخصيات اللامعة التي كادت تغطي -بقيادتها العظيمة- الآلاف الأخرى التي كانت المادة الخام للعظمة الإسلامية، ولحضارة الإسلام العظيمة!!

لقد قدم المؤلف في هذا الكتاب اثنتين وعشرين شخصية من شخصيات الصدر الأول، تغلب عليهم جميعًا روح الاستبسال في سبيل العقيدة وروح الجهاد الإسلامي الموصول كما أنهم يشتركون في خصيصة «إهمال حقوقهم» من جانب الكتاب المعاصرين الذين لم يعد لديهم الوقت -ولا العمق غالبًا- لكي ينقبوا عنهم، ويقدموهم للجيل الإسلامي الذي أصبح يستمد معظم نماذجه ومثله من إطارات وشخصيات غريبة على حسه الإسلامي، بعيدة عن روحه العربية!!

يتصدر المؤمن الثابت الشهيد «ثمامة بن أثال الحنفي» شخصيات الكتاب، وثمامة هو الصحابي ذو الجهاد الطويل الذي امتد له حتى نال الشهادة في عهد أبي بكر، ولعل الكثيرين لا يعرفون أن ثمامة كان الرجل الذي وقف بصلابة ضد ابن قبيلته المتنبئ مسيلمة الكذاب ونجح في أن يحدث شرخًا في صرح القبيلة وأن يجمع حوله من تمسكوا بإسلامهم!!

وتتابع بعد ذلك الشخصيات فيأتي دور الشهيد الظامئ «عياش بن أبي ربيعة» الذي خدعه أهل مكة حتى أسروه، والذي ظل يجاهد في كل معارك المسلمين حتى اليرموك.. التي لقي فيها ربه شهيدًا.

أما الشهيد «خلاد بن سويد» فلقد كان عدو اليهود الألد، وقد تآمروا على قتله، وقتلوه في غزوة بني قريظة، وسماه الرسول عليه الصلاة والسلام: «صاحب الأجرين» ومن الشخصيات الجديرة بالتأمل شخصية «المجاهد الثائب» وحشي بن حرب الحبشي -قاتل حمزة عم الرسول- وقد وقف المؤلف عندها وقفة متأنية، عارضًا مواقفه التي حاول بها التكفير عن جريمته -في الجاهلية- بقتله عم الرسول الحبيب.

ولسنا بقادرين بالطبع على تتبع شخصيات الكتاب كلها، فضلًا عن أن محاولة هذا التتبع قد تضر بالشخصيات أكثر مما تفيد القارئ، نظرا لضرورة العجلة في الإشارة إليها واستباق الأحداث أمام القارئ ومع ذلك فمن المهم أن نذكر للقارئ أن هذه الشخصيات -غالبًا- ستكون إضافة جديدة لمعارفه التاريخية والإسلامية. ونضرب له مثلًا بهذه الشخصيات التي تحدث عنها المؤلف، حديثًا وإن كان وجيزًا ـ إلا أنه جديد، وطيب وجدير بالقراءة والدرس.

هناك مثلًا: الشاعر الشهيد «ابو ذؤيب الهذلي» والمنيب المجاهد «أبو سفیان بن الحارث، والشهيد الأعور «المرقال» هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، والشهيد الثابت «الحارث بن الصمة» والشهيد الذي لا حساب عليه «عكاشة بن محصن الأسدي» والشهيد غير الكاسد جليبيب الأنصاري» والشهيد الذي جاء به الإسلام «عمرو بن ثابت بن قيس الأشهلي» و «ابو سنان وهب بن محصن الأسدي» أول من بايع بيعة الرضوان، والشهيد ابو الشهيد «صلة بن أشيم العدوى»... وهلم جرًا.

إن هذه الشخصيات، وغيرها من الشخصيات التي وردت في الكتاب، تعتبر جذبًا شديدا للقارئ المسلم إلى أن يبحث في تاريخه، وينقب عن تراثه، ويعلم -بيقين- أن لدينا من الكنوز ما ليس لدى غيرنا، وما لا يستطيع غير الإسلام وحضارة الإسلام تقديمه للبشرية التائهة المضللة وبالطبع ليس القارئ العادي وحده هو المدعو لهذا، بل أن أصحاب الأقلام هم المطالبون بإلحاح بهذا، وهم المطالبون بإبرازه للناس بالأسلوب الملائم لروحهم وروح العصر، سواء بالقصة، أو القصيدة أو المقال الصحافي أو الأدبي.

لكم كنا نتمنى أن يقدم لنا المؤلف مزيدًا من هذه الشخصيات، بطريقة أكثـر فنية، وبعدًا عن التقرير والمباشرة. ولا سيما، وهو عالم أديب قادر على تصريف. البيان، وسلوك أكثر من طريق لصياغة الكلمة المؤمنة.

والحق أن للمؤلف كتابين آخرين يتصلان بهذا الموضوع فهو -للحقيقة- دائب البحث والإبراز لكنوز وجواهر تاريخنا المطمور، وهذان الكتابان هما: «الفداء في الإسلام، وفدائيون في تاريخ الإسلام» وقد كان لنا حظ من التعرف عليهما.

ومع أن هذه الثلاثية تمثل تجديدًا في تناول «الموضوع» التاريخي، وتمثل بحثًا عن الجديد، بدل الوقوف عند المتناول والمتداول فعلًا.. مع هذا فكم سيكون مفيدًا ومؤثرًا لو تغير الشكل» في تناولها على النحو الذي ألمعنا إليه... وهو تغير إلى الأدبية» التـي يملك الأستاذ بحكم تخصصه على الأقل- ناحيتها، وهو ابتعاد عن «الخطابية» التي يبدو أنها اتصلت -واقعيًا- بالموضوعات، وانتقلت معها إلى مجال الكتابة.

وهي على اية حال «منهج» يقره البعض، ويفضل البعض التخفيف منه والمؤلف قادر بحمد الله على إرضاء الطرفين. وهذا ما نرجوه في كتاباته التاريخية التالية التي نأمل أن تتوالى وتتابع كاشفة لنا مزيدًا من الأعماق.. ومزيدًا من الأبعاد.. ومزيدًا من روعة هؤلاء الأسلاف البواسل الذين صنعوا بإرادة الله هذا التاريخ. 

الرابط المختصر :