العنوان أبعاد الحملة الباكستانية على العرب في بيشاور
الكاتب عبدالله بركات
تاريخ النشر الثلاثاء 20-أبريل-1993
مشاهدات 60
نشر في العدد 1046
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 20-أبريل-1993
كانت مفاجأة العرب المقيمين في مدينة
بيشاور الباكستانية عظيمة، عندما شنت الشرطة الباكستانية حملة اعتقالات واسعة ضدهم
بعد عصر اليوم السادس من إبريل الجاري؛ فقد أقامت الشرطة الباكستانية حواجز
للتفتيش عن العرب في جميع الطرق الرئيسية، كما قامت بمداهمة البيوت، وانتشرت
لاصطيادهم حول المساجد. وقد جاوز عدد الذين تم اعتقالهم حتى الآن ثلاثمائة شخص،
هذا وقد شملت حملة الاعتقالات هذه جميع فئات العرب المقيمين في بيشاور، وعددًا من
العاملين في المؤسسات الأهلية التي تخدم المهاجرين الأفغان، ومجاهدين سابقين على
حد سواء، كما شملت جميع المستويات والأعمار؛ فقد اعتُقل أطباء ومسؤولو هيئات
إغاثية ومن هم في مستوى دبلوماسيين ومدراء مدارس وأساتذة وصحفيون وطلاب مدارس لم
تتجاوز أعمارهم أربعة عشر عامًا، وشيوخ كبار قد جاوزت أعمارهم السبعين عامًا من
أمثال الشيخ أبي القاسم مسؤول مكتب الخدمات الذي أسسه الشهيد عبدالله عزام -رحمه
الله.
هذا ولم تشفع للعرب الوثائق الرسمية التي
كانوا يحملونها من جوازات سفر صالحة، وإقامات سارية المفعول، وبطاقات أمنية كانت
قد أصدرت لهم في وقت سابق بعد عمل مقابلات شخصية معهم. وتم اعتقال العرب لمدد
طويلة، بل لبضعة أيام في زنازين صغيرة، لا يزيد حجم الواحدة عن ٢ متر في ثلاثة
أمتار مربعة، وقد بلغ عدد المحتجزين في كل منها ما يقارب الأربعين شخصًا؛ حيث لم
يكن في استطاعتهم أداء الصلاة، ولم تقدم لهم الشرطة الباكستانية طوال فترة
الاحتجاز أي طعام أو شراب، والكثير منهم كان صائمًا، ولم يجد ما يفك به صيامه،
ناهيك عن الأساليب الوحشية التي اتبعت في اعتقالهم؛ حيث بلغت الوحشية بالشرطة
الباكستانية أن قفزوا عن أسوار البيوت، واعتقلوا العرب من داخلها وهم بملابس النوم
بعد ضربهم،. بل إن بعض العرب كان بصحبة عياله عندما استوقفته الشرطة وطلبوا منه
الذهاب معهم لمراكز البوليس لبضع دقائق، وبقيت نساؤهم وأطفالهم داخل السيارات في
الشوارع ينتظرون لمدد زادت في بعض الأحيان عن عشر ساعات لا يعلمون من أمرهم شيئًا،
في حين أن البعض الآخر قد أدخلوا معه السجن بعض أطفاله الذين لم تصل أعمارهم ثلاثة
أعوام.
ومما زاد من المعاناة النفسية للمقبوض
عليهم من العرب هو معاملة الشرطة لهم وكأنهم محترفو إجرام وإرهاب؛ فقد كانوا يضعون
لوحة سوداء على صدر الشخص المعتقل وقد كتبوا عليها اسمه بالعربية، ويقف أمام عدسات
البوليس والصحفيين الباكستانيين والأجانب ليلتقطوا لهم الصور دونما ذنب ارتكبوه.
ومما زاد من حدة المعاناة أيضًا أن نرى المسلمين العرب فقط هم المستهدفون بهذه
الحملة، بينما المنصرون والفساق الأوروبيون يسرحون ويمرحون، ويزاولون أعمالهم
كالمعتاد دونما أدنى خوف أو مشقة.
الحملة الظالمة ضد المسلمين العرب في
بيشاور مازالت مستمرة حتى لحظة إعداد هذا التقرير وبوحشية، وليس هناك ما ينبئ عن
قرب انتهائها، بل إن الأمور في تصعيد مستمر؛ حيث صرح أكثر من مسؤول باكستاني لبعض
الشخصيات العربية في بيشاور بأن هذه الحملة ستستمر ولفترة غير محددة لحين القبض
على جميع العرب في بيشاور والتحقيق معهم وتدقيق وثائقهم الرسمية.
والعرب اليوم ما بين سجين في معتقلات
البوليس، أو حبيس في منزله لا يجرؤ حتى للخروج للصلاة، أو لشراء الخبز لأطفاله؛
لأن أفراد الشرطة إما بزيهم الرسمي أو متخفين في ملابس مدنية له بالمرصاد، كما
أغلقت المدارس العربية أبوابها أمام الطلبة العرب الذين لم يتبق لهم على نهاية
العام الدراسي إلا حوالي شهر واحد.
هذا عن الحدث، فماذا عن الهدف الحقيقي
والأسباب لما يجري؟
للإجابة على هذا السؤال لابد من ذكر خلفية
تاريخية لتسلسل الأحداث: فقبل حوالي خمسة أشهر، وقبيل انتهاء مدة رئاسة الرئيس
الأمريكي الأسبق جورج بوش، أُعلِن أن الإدارة الأمريكية تدرس أمر إدراج باكستان في
قائمة الدول الإرهابية، أو الدول التي تغذي وتصدر الإرهاب، مقدمةً لذلك ثلاثة
أسباب: هي رفض باكستان الكشف عن برنامجها النووي، ودعمها للمجاهدين الكشميريين،
واحتضانها لحوالي ثلاثة آلاف عربي ممن شاركوا في الجهاد الأفغاني، أو يعملون في
المؤسسات الإغاثية الإسلامية. ومنذ تلك اللحظة بدأت السلطات الباكستانية في اتخاذ
عدة إجراءات وتدابير بهدف البرهنة للإدارة الأمريكية أن باكستان بريئة من تهمة دعم
العرب واحتضانهم؛ حيث طلبت من العرب أن يقدموا صورة عن جوازات سفرهم وإقاماتهم،
والجهات التي يعملون فيها، وعناوين سكنهم وعملهم. وبعد إتمام هذا الإجراء بفترة
وجيزة طلبت السلطات الباكستانية من جميع المؤسسات الإغاثية العربية ضرورة حضور
جميع العاملين فيها لمفوضية المهاجرين العليا لعمل مقابلات شخصية معهم، وبعد إتمام
هذا الإجراء قامت المفوضية بإصدار بطاقات أمنية خاصة للعرب.
ومنذ شهرين تقريبًا والحكومة الفيدرالية
في إسلام آباد تعقد اجتماعات مطولة مع الحكومة الإقليمية في بيشاور، وتطالبهم
بضرورة غلق المؤسسات الإغاثية غير المسجلة رسميًا، وبضرورة حصر العاملين العرب
والتخلص من الأشخاص غير المسجلين.
وفي الرابع من إبريل الحالي توجه رئيس
وزراء باكستان إلى ألمانيا وبعض الدول الأوروبية الأخرى، حيث التقى بالرئيس حسني
مبارك الذي قام بجولة أوروبية في نفس الفترة، وقد نقل عن الرئيس حسني مبارك قوله
لرئيس وزراء باكستان «إن بيشاور قد أصبحت قاعدة للأصوليين». وقد ربطت الصحف
الباكستانية وبعض المسؤولين في الشرطة والمعارضة الباكستانية بين ما يجري وبين هذا
التصريح.
من جهة ثانية في صبيحة اليوم الذي بدأت
فيه الاعتقالات، وهو السادس من إبريل الحالي، حدث حدثان هامان لهما علاقة مباشرة
بما يجري: الأول هو استقالة وزير الدولة للشؤون الاقتصادية السيد سردار عاصف، مبررًا
أسباب استقالته -في خطوة تمثيلية- بسماح حكومة نواز شريف لمن أسماهم بالإرهابيين
بالتحرك بحرية في بيشاور وفي باكستان. والأمر الثاني هو توجه وزير الاقتصاد
الفيدرالي، والذي يشغل أيضًا منصب وزير البترول والمساعد الخاص لرئيس الوزراء
السيد جودري نزار علي خان لواشنطن، وهي أول زيارة لمسؤول باكستاني رفيع المستوى
للتباحث مع إدارة الرئيس كلينتون حول قضية إدراج باكستان في قائمة الدول
الإرهابية؛ وجاء توقيت هذه الاعتقالات داعمًا لموقف السيد جودري نزار في مباحثاته
في واشنطن. كما أوضحت المصادر الباكستانية عن مسؤول باكستاني رفيع المستوى في
بيشاور طلب عدم كشف اسمه، وكان صريحًا في الحديث معنا حول أسباب هذا الأمر عندما
قال: «إن القنصل الأمريكي قدم للحكومة الباكستانية قائمة بأسماء، وطالبها بتسليمهم
لدولهم، وعلى باكستان عدم السماح لهؤلاء المطلوبين بالتوجه إلى السودان أو إيران
أو أفغانستان، والقنصلية الأمريكية في بيشاور تتابع هذا الأمر بنفسها».
المسؤولون الباكستانيون كل منهم يتهرب من
تحمل المسؤولية في هذا الأمر، وعندما يتم الاتصال بأي مسؤول باكستاني فإنه يبدي استياءً
مما يحدث، والإجابة الروتينية التي نسمعها هي «الأوامر من فوق». مما تجدر الإشارة
إليه هنا أن أوامر الاعتقال هذه قد أصدرها مباشرة وزير الداخلية الفيدرالي من
إسلام آباد متخطيًا الحكومة الإقليمية في بيشاور.
ردود الفعل
مما تجدر الإشارة إليه أيضًا أن ردود
الفعل على هذا العمل البشع كانت واسعة؛ فقد استنكر السيد رستم شاه مسؤول المفوضية
العامة لشؤون المهاجرين هذا الأمر، واستنكر الطريقة البشعة التي انتهجها البوليس
في التعامل مع العرب؛ حيث سبق لهم مقابلته بطريقة منظمة ومن دون أن تخدش كرامتهم.
من جهة أخرى كان هذا الأمر صدمةً كبيرة
للمؤسسات الإغاثية العاملة في بيشاور؛ حيث عقد مجلس التنسيق الإسلامي الذي يضم
كافة المؤسسات الإغاثية الإسلامية جلسة طارئة برئاسة نائب رئيس المجلس السيد زاهد
الشيخ ودعا إليها ممثلي الصحافة المحلية وأبلغهم استياءه مما يجري، وأعلن الإضراب
العام في كافة المؤسسات الإسلامية لمدة أسبوع، كما أرسل برقية استنكار للرئيس
الباكستاني غلام إسحاق خان، ورئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف، والمسؤولين
الباكستانيين، وأصدر بيانًا وزع بالفاكس يناشد حقوق الإنسان التدخل فورًا ومحاربة
الضغط على الحكومة الباكستانية لوقف هذه الهجمة الشرسة.
وحذر السيد زاهد الشيخ من أن استمرار هذا
الأمر سيؤدي تلقائيًا إلى غلق المؤسسات الإسلامية الإغاثية؛ مما سيلحق ضررًا كبيرًا
بمئات الآلاف من المهاجرين الأفغان والفقراء الباكستانيين الذين يعتمدون اعتمادًا
شبه كامل على هذه المشاريع من طبية وتربوية واجتماعية وإغاثية.
وكان مما قاله السيد زاهد الشيخ في مؤتمره
الصحفي: «إننا قدمنا إلى باكستان بطلب رسمي من الحكومة الباكستانية لمساعدتها في
إغاثة ملايين المهاجرين الأفغان الذين فروا بسبب الغزو الشيوعي لبلادهم، وإننا
مسجلون رسميًا ونعمل بشكل رسمي، فإذا كانت باكستان لا ترغب في خدماتنا، فعليها أن
تبلغنا بذلك رسميًا دون اللجوء إلى هذه الأساليب الوضيعة». كما اقترح السيد زاهد
الشيخ على الشرطة الباكستانية أن تحدد فترة من الزمن يقوم خلالها العرب بالحضور
لمراكز البوليس ويتم تدقيق أوراقهم بشكل يحفظ كرامتهم.
من جهة أخرى استنكرت الجماعة الإسلامية
الباكستانية هذا العمل، وفي جلسة استثنائية طارئة عقدها مجلس شورى الجماعة في
مدينة لاهور، قررت الجماعة تسيير مظاهرات استنكار في كافة المدن الباكستانية؛ حيث
خرجت المظاهرات بعد صلاة الجمعة منددة بهذا العمل المشين، كما التقى القاضي حسين
أحمد أمير الجماعة بكبار المسؤولين في الحكومة الباكستانية، ومازال يبذل جهودًا
مكثفة في هذا الصدد، وتعتزم الجماعة الإسلامية أيضًا تسيير مظاهرات احتجاج ضخمة في
السادس عشر من إبريل الحالي.
وعلى صعيد آخر استنكر مولانا سميع الحق
رئيس جمعية علماء الإسلام هذا الأمر وقال: إن حكومة نواز شريف بإقدامها على هذا
الأمر تستجيب لأوامر أمريكا وإسرائيل. وأضاف: إنه ليس من العدالة أن تكون هذه
مكافأة الذين قدموا للجهاد بأنفسهم وأموالهم للدفاع عن شرف الأمة وكرامتها، وإن
هؤلاء لم يرتكبوا أي عمل إجرامي حتى يعاملوا كمجرمين؛ وطالب بتقليدهم الأوسمة بدلًا
من إهانتهم وإعطائهم الفرصة الكاملة لمغادرة البلاد إلى أي جهة يختارونها، هذا وقد
تحدث بهذا الخصوص مع الرئيس غلام إسحاق خان.
على صعيد آخر استنكر كل من: الشيخ سياف،
والمهندس حكمتيار، والرئيس رباني، والشيخ سميع الله -رئيس جماعة الدعوة للقرآن
والسنة- استنكروا في بيانات منفصلة ما يجري للعرب من نكران للجميل.
هذا وسيصل قريبًا وفد رفيع المستوى من
الحكومة الأفغانية للتباحث بهذا الشأن مع الحكومة الباكستانية، كما استنكرت هذا
الأمر نقابة أطباء مصر فرع باكستان.
هذا وتسود الشعب الباكستاني موجة من
الاستنكار والغضب الشديد حيث ندد خطباء المساجد بهذا العمل الشنيع في خطب الجمعة، ومما
تجدر الإشارة إليه أيضًا أن الشرطة الباكستانية قد منعت دخول العرب إلى مناطق
الحدود مع أفغانستان، كما تفرض قيودًا مشددة على سفرهم خارج باكستان.
هذا ومن أصل حوالي ثلاثمائة عربي تم
اعتقالهم لا يزال حوالي سبعين شخصًا يواجهون قرار إبعادهم إلى دولهم؛ حيث تم نقلهم
إلى سجن خاص ومنعت عنهم كافة الزيارات والاتصالات، حتى إن القنصل اليمني والملحق
الثقافي اليمني عندما قدما من إسلام آباد لمقابلة بعض رعاياهم المعتقلين لم يسمح
لهما، هذا وفي حال إبعاد هؤلاء الشباب إلى بلدانهم فإن بعضهم سيواجه حكم الإعدام
من قبل حكوماتهم.
وقبل أن نختتم حديثنا هذا نتوجه إلى الأمة التي وصفت بخير الأمم بهذا السؤال: من المسؤول عما يحدث لحوالي ثلاثة آلاف من خيرة شباب الإسلام، يشهد تاريخ وجودهم في باكستان منذ أكثر من عشرة أعوام أنه خلالها لم تسجل عليهم أي حالة تتعلق بالخطف، أو القتل، أو السرقة، أو الزنى، أو تعاطي المخدرات، أو أي قضية أخلاقية مهما صغرت؟ فهل يدرك المسلمون -من حكام ومحكومين وشخصيات ذات تأثير- مسؤوليتهم أمام الله -سبحانه- أولًا، وأمام هذه الأمة التي تتداعى عليها الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، ويتداركون الموقف قبل فوات الأوان؟
اقرأ أيضًا: