العنوان أبعاد السياسة الإعلامية تجاه ثورة فبراير في ليبيا
الكاتب خيري عمر
تاريخ النشر الاثنين 01-ديسمبر-2014
مشاهدات 60
نشر في العدد 2078
نشر في الصفحة 20
الاثنين 01-ديسمبر-2014
شؤون عربية
أبعاد السياسة الإعلامية تجاه ثورة فبراير في ليبيا
المحتوى الإخباري لتغطية المعارك في بنغازي يشير لنوع من الحملات التي تركز على بناء الصورة الذهنية مستخدمة مصطلحات مثل "الجيش الوطني الليبي" واللواء المتقاعد للإشارة لـ"حفتر" والمليشيات التابعة له
من اللافت اتساع مساحة الأخبار التي تفتقر لمصادر موثَّقة والغرض منها رسم صورة لمسار الأحداث من شأنها ترسيخ الإحباط لدى مؤيدي الثورة الليبية
كتب: د. خيري عمر
ظهرت الدعاية الإعلامية كواحدة من الأدوات المهمة في الصراع السياسي في ليبيا، حيث اتجهت التغطية الإخبارية والتحليلية لإدارة حملات دعائية لأجل تكوين صورة ذهنية أو نمطية عن الخصوم وتركيزها في مخيلة الجماهير، فقد ظهرت سياسات إعلامية تعكس بعض التوجهات السياسية إزاء المرحلة الانتقالية، وهنا يتم تناول أداء وسائل الإعلام على أساس مواقفها من مؤسسات ثورة فبراير كمؤشر على اقترابها وابتعادها عن الثورة، ومن ثم يكشف تناول دور وسائل الإعلام الموالية لما عُرف بعملية "الكرامة" أبعاد السياسات الإعلامية تجاه الثورة الليبية.
وقد اتجهت القنوات الفضائية لتضخيم الأحداث بأكبر قدر ممكن من دلالتها الواقعية؛ وذلك لتكوين صورة إعلامية ذهنية تمهد لحدوث تغيير واسع النطاق.. وفي هذا السياق، نشرت قناة "العربية" وغيرها من القنوات خبر زيارة رئيس الوزراء الليبي السابق "علي زيدان" لمدينة البيضاء في 18 يونيو 2014م في سياق أنها عودة للسلطة، وتأكيد شرعيته كرئيس للوزراء، كما ربطتها بمجموعة من الأحداث، كان في مقدمتها إطلاق الجيش الوطني الليبي معركة الكرامة من أجل القضاء على المتشددين في ليبيا، ودعم عملية "الكرامة"، وذلك بجانب إبراز تصريحات منسوبة إليه، يقول فيها: إن عودته هي لأجل القيام بواجبه الوطني في الدفاع عن ليبيا في هذه اللحظة الفارقة من تاريخ البلاد، وهي بشكل عام توجه رسائل إيجابية عن الزيارة وتلاقيها مع تطلعات الجماهير، وكان من الواضح أن سياق السياسة الإعلامية تسعى لإبراز دور "زيدان" في المشهد السياسي.
غير أنه لدى متابعة جولات "زيدان" في مدينة الكفرة ومشاركته في التصويت في الانتخابات في طرابلس، يمكن ملاحظة أن زيارة "زيدان" لم تكن لأجل الإقامة في ليبيا كما جاء في تركيبة الخبر المنشور تحت عنوان "زيدان يعود إلى ليبيا بعد 3 أشهر من الغياب"، فقد استغرقت زيارة الكفرة ما يقرب من نصف ساعة، وغادر المدينة بسبب خلافات قبلية على زيارته، وبالمثل غادر طرابلس بعد إدلائه بصوته.
يتماثل هذا النموذج مع الاتجاه العام للتغطية الإخبارية لكل الأحداث المرتبطة بثوار ليبيا، وهي تغطية تهدف في المقام الأول إلى توضيح مدى تماسك وتضامن الأطراف الموالية لعملية "الكرامة"؛ من أجل إحباط الدوائر المؤيدة للثوار، فالتغطية الإعلامية تركز بشكل دائم على تضامن "حفتر"، و"زيدان"، و"محمود جبريل" وتلاقي مواقفهم، ولا تشير بشكل مطلق لوجود تنافر أو خلافات فيما بينهم، وهي سياسة تستهدف تعزيز اصطفاف النخبة السياسية الجاهزة لتولي السلطة القادرة على إدارة شؤون البلاد، وفيما يتعلق بالظهور الإعلامي لـ"جبريل"، يتضح وجود سياسة اختيار الوقت الملائم لظهوره، وخصوصاً في وقت احتدام النقاش أو الأزمة السياسية، وإفساح المجال له لشرح مبادرة أو وضع تصور لتجاوز المشكلة، بحيث يعزز وضعه كمركز للتواصل مع الأطراف الأخرى بشأن الأزمة السياسية.
الحملات الإعلامية
وقد شكلت الحملات الإعلامية على مدى العامين، واحدة من الأساليب المهمة في تغيير وعي الرأي العام وتحويله عن تأييد الثورة، فقد استخدمت وسائل الإعلام المختلفة أسلوب تغيير مسار الخبر؛ بحيث ينسب الفعل السلبي للخصوم، وقد اتبع عدد من القنوات الليبية هذا النمط لغرض تشويه الثوار، حيث تنسب لهم كل الأفعال السلبية التي يقوم بها مسلحو "الكرامة، والقعقاع"، ومنها على سبيل المثال إلصاق تهمة الاعتداء على المنشآت المدنية، وضرب خزانات الوقود في طريق مطار طرابلس، وقطع الطرق، وغيرها من الأعمال غير القانونية.
وقد شهدت الحملات الإعلامية الصراع حول تحرير مصطلح الثوار، حيث يروج عدد من القنوات والصحف تعريفاً للثوار يشمل كل من شارك في الثورة باستثناء الإسلاميين، ووفق هذا التعريف يصنَّف "حفتر"، و"محمود جبريل" من الثوار، فيما يصنَّف الإخوان المسلمون، والأحزاب الإسلامية بأنهم "خوارج" وإرهابيون، وظهرت بعض المصطلحات التي استخدمها نظام "القذافي" كـ"الجرذان"، وظل الصراع حول هذه التعريفات محتدماً على مدار الفترة الانتقالية؛ وهو ما يكشف عن تباين واضح في المواقف السياسية تكون الدافع وراء السعي لاحتكار الثورة.. وبجانب التصنيف على أساس السلمية والإرهاب، استنكرت بعض القنوات تطبيق "العزل السياسي" ضد من شاركوا في الثورة، وكانت هناك إشارات لدور "جبريل" كرئيس للمكتب التنفيذي أثناء فترة المجلس الوطني الانتقالي.
وقد شنت وسائل الإعلام، وبشكل خاص قناة "ليبيا أولاً"، وقناة "الدولية"، حملات منتظمة ضد "المؤتمر الوطني العام"، وأظهرته بالمؤسسة الضعيفة التي تقع تحت سيطرة الإسلاميين الإرهابيين، وكانت حملة "لا للتمديد" التي بدأت في يناير 2014م ذروة الهجوم على المؤتمر، وكان ذلك عبر صيغ إعلامية متنوعة، فبالإضافة للبرامج الحوارية الموجهة، ابتدعت قناة "ليبيا أولاً" أسلوب العداد اليومي للتنبيه بانتهاء أعمال المؤتمر وفقدانه الشرعية في 7 فبراير 2014م، ولم يكن ثمة تركيز على جوانب الخلاف الموضوعية، وقد مهدت هذه الحملة الأرضية لدفع المؤتمر لإجراء تعديلات دستورية أدت في النهاية لبدء مرحلة انتقالية جديدة لا تتوافر فيها الضمانات للوصول للديمقراطية.
كما يشير المحتوى الإخباري لتغطية المعارك في بنغازي لنوع من الحملات التي تركز على بناء الصورة الذهنية، مستخدمة مصطلحات مثل "الجيش الوطني الليبي"، واللواء المتقاعد للإشارة لـ"حفتر" والمليشيات التابعة له، ويشير تكرار استخدام هذه المصطلحات إلى ترسيخ صورة ذهنية تقوم على أن الجيش يحارب المتطرفين والإرهابيين في إطار حرب شرعية يقودها لواء سابق في الجيش، وذلك على خلاف حقيقة الأوضاع، فالمجموعات الموالية لـ"حفتر" تتكون من قوات الصاعقة التي انضمت لـ"الكرامة" بالمخالفة لقرار هيئة الأركان، ويضاف إليها بعض الموالين من المدن المحيطة لبنغازي، كما أن علاقة "حفتر" بالجيش انتهت بعد هزيمته في "حرب تشاد" في عام 1987م، وهو يحمل رتبة عقيد، لكنه خلال عام 2012م رقَّى نفسه لرتبة "لواء متقاعد" دون أساس قانوني، وبينما نجحت الحملات الإعلامية في تثبيت وضعه كلواء سابق، فإنها لم تحقق إنجازاً واضحاً في تثبيت صورة مقاتليه كجيش وطني، وهذا ما يرجع للهزائم التي تكبدها خلال الشهور الماضية.
لعل المرحلة الجوهرية في التغطية الإعلامية كانت في تناول نتائج انتخابات مجلس النواب، حيث ركز الخطاب الإعلامي للقنوات الموالية لـ"الكرامة" على أن خسارة الإسلاميين هي انتهاء لثورة فبراير، وأنه يجب الانتقال لمرحلة جديدة يتم فيها وضع قواعد تفسح المجال لكل الليبيين للمشاركة السياسية، وهو ما يعني نقض العزل السياسي الذي يشكل جوهر الثورة الليبية.
ومع انعقاد البرلمان في طبرق، استقرت قناعة قطاع كبير بخسارة الإسلاميين للانتخابات، وذلك على خلاف تصنيف الفائزين، حيث كانت الغالبية الساحقة للنواب غير المصنفين ذوي الانتماء الجهوي، فيما حصل التيار الوطني (إسلاميون) على 30 مقعداً، والتيار المدني والفيدراليين على 50 مقعداً تقريباً، وذلك من إجمالي 188 مقعداً تم انتخابهم.
اهتزاز المهنية الإعلامية
كانت أهم الملاحظات ماثلة في كثافة الاعتماد على مصادر ضعيفة، فكان من اللافت اتساع مساحة الأخبار التي تفتقر لمصادر موثَّقة أو تلك التي تعتمد على مصادر ثانوية يصعب التحقق منها أو متابعتها، وكان الغرض من نشر هذه النوعية من الأخبار رسم صورة لمسار الأحداث من شأنها ترسيخ الإحباط لدى مؤيدي الثورة الليبية، وهناك على سبيل المثال الأخبار المتعلقة بالمعارك في مدينة بنغازي، فقد ركزت وسائل الإعلام على هذه المنطقة باعتبارها الجزء الرخو في الكيانات الثورية، ونشرت عدة مرات أخباراً عن استيلاء "قوات حفتر" على أجزاء واسعة من بنغازي، ولكي تدلل على صحة الخبر تقوم بذكر بعض التفاصيل عن الحوادث وأخبار القتلى في بعض الأحياء السكنية، وتنشر صوراً لمعدات عسكرية شاركت في المعارك.
لكنه بشكل عام، لم تصمد هذه النوعية من الأخبار أمام عدد من العوامل؛ لعل أهمها وجود تنافسية في نقل الأخبار عبر العديد من الوكالات الإخبارية والقنوات الفضائية المنافسة، ويضاف إلى ذلك أن الأحداث الميدانية توضح أن مسار المعارك يسير في اتجاه آخر، وفي هذا الجانب نشرت القنوات الفضائية الموالية لـ"حفتر" صوراً لمدرعات عسكرية غير موجودة لدى الجيش الليبي على أنها مدرعات اشتركت في الدخول لمدينة بنغازي في 7 نوفمبر 2014م.
وبينما يؤكد التناول الإخباري دخول قوات "حفتر" لبنغازي تنتشر عبر وسائل إعلام أخرى أخبار عن سيطرة "مجلس شورى ثوار بنغازي" على القواعد البحرية في هذه المنطقة، واستقرار قواته في الأماكن الإستراتيجية وتوجهها نحو محاصرة مطار بنينا الدولي، ولكنه رغم تفكك وضعف المحتوى الإخباري، لم تستطع وسائل الإعلام الموالية للثورة معالجة الأحداث بصورة تزيل آثاره السلبية.
وبغض النظر عن ضعف الجوانب المهنية في التغطية الخبرية لحراك "لا للتمديد" وترويجه بشكل لا يعكس الواقع، فإن العديد من وسائل الإعلام ظلت تقدم مطالب الحراك على أنها مطالب ثورة فبراير، رغم ظهور بعض المواد الإخبارية والوثائق التي توضح العلاقة المباشرة بين المطالبين بحل المؤتمر الوطني وبين ثورة سبتمبر 1969م، حيث ظهرت شعاراتها الخضراء على البيانات ورفعوا أعلامها في عدد من المدن.
وتشير التجربة الإعلامية في ليبيا، أنه رغم كثافة التوجيه الإعلامي لتفكيك ثورة فبراير، لم تحقق السياسات الدعائية تقدماً يعتد به، وهذا ما يرجع لتسارع التغيرات الواقعية على الأرض، وخصوصاً ما يتعلق بانتصارات عملية "فجر ليبيا" وتآكل المشروع السياسي والعسكري لفريق "الكرامة"، وهي مؤشرات توضح أن نجاح السياسة الإعلامية يتوقف على جودتها وحرفيتها بقدر ما يرتبط بالفاعلية السياسية والقدرة على تغيير مسار الصراع.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل