; أبعاد المعركة الدائرة في جنيف بين المسلمين والمتآمرين | مجلة المجتمع

العنوان أبعاد المعركة الدائرة في جنيف بين المسلمين والمتآمرين

الكاتب أسعد طه

تاريخ النشر الثلاثاء 17-أغسطس-1993

مشاهدات 57

نشر في العدد 1062

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 17-أغسطس-1993

صورة المفاوض المسلم في جنيف وقد بدا وكأنه يترنح من وقع الضربات المؤلمة الموجهة إليه من كل الجهات كانت أشد ألمًا على نفس المناصرين للقضية البوسنية من تلك الأنباء التي وردت من المرتفعات المحيطة بسراييفو تفيد وقوعها مجددًا في أيدي الميليشيات الصربية.

وكان أشد ما لفت أنظار المراقبين هي الحيرة الشديدة التي بدت عليها القيادة المسلمة والتردد الذي أبداه الرئيس بيجوفيتش، فهو يعلن رفضه لمشروع التقسيم ثم يعاود الموافقة ثم يقدم اعتراضًا قانونيًا ثم يستكمل المحادثات عن التقسيم! حتى التصريحات الصحفية التي صدرت عنه كان في بعضها يؤكد على رفضه لأي صورة من صور التقسيم وفي بعضها الآخر يتحدث عن الخلافات الدائرة على طبيعة العلاقات بين الدويلات التي ستتشكل منها البوسنة والهرسك باعتبار أنه أمر قد صير إلى الاتفاق عليه.

وليس في وسعنا- خاصة ونحن نحتسي فناجين القهوة ونتابع المشهد الدرامي- إلا أن نلتمس له ألف عذر، فالضغوط التي يتعرض لها الرجل وكل القيادة المسلمة «المخلصة» تتجاوز كل الحدود المتوقعة، فعلى أرض الواقع يحقق الصرب تقدمًا عسكريًا مستمرًا فتح شهيتهم للاستيلاء على أراضٍ لم تكن في خطتهم الأولى ولم تكن في حسبانهم، ومخازن السلاح التي تفرغ ما في جوفها على الأراضي المحتلة في البوسنة والهرسك تبدو وكأنها لا تنفد، ومصانع السلاح في صربيا تعمل رغم كل الأحاديث عن المقاطعة الدولية.

ففي شرق البوسنة باتت سريبرينتسا وجيبا أشبه بمعسكرات اعتقال جماعية يتسلى الجنود الصرب المحاصرون لهما باصطياد الأطفال والنساء والعجائز ببنادق القناصة الحديثة الصنع، وبسقوط بلدة ترنوفو في منتصف شهر يوليو قطع آخر طريق كان يربط سراييفو بجوراجدي لتنضم هي الأخرى إلى هاتين المدينتين ليصبحوا خارج حدود العصر الذي نعيشه، والتقارير القليلة والنادرة التي وردت من هذه المدن- والتي تشهد تعتيمًا إعلاميًا شديدًا تفيد أن الحياة هناك يصعب وصفها وأن سراييفو على أوضاعها البائسة تبدو أفضل حالًا بفارق لا يوصف عن الحياة في هذه المدن التي تقوم القوات الصربية بمحاصرتها فيما يبدو جنود القوات الدولية على بواباتها أشبه بحراس الزنازين والمعتقلات.

أما في الشمال البوسني فإن تكاتف وتحالف القوات الصربية والكرواتية أضعف كثيرًا مواقف المدن التي ظلت على مدى شهور الحرب الطويلة صامدة، و-لأول مرة- منذ بداية الحرب تنسحب القوات الكرواتية من بعض المناطق لتفسح الطريق أمام القوات الصربية لخنق «العدو» المسلم، وهكذا بدأت الأنباء السيئة تصل من ماجلاي وبريتشكو وغيرها، وإن كان سدنة الإعلام الدولي لا يشيرون إلى البطولات الفذة التي يبذلها المدافع البوسني دفاعًا عن دينه وعرضه وأرضه.

هذا الضغط العسكري لم يروِ ظمأ القوات الصربية فقررت منع أي قوافل إغاثية من أن تصب ما لديها- على قلته وسوئه- إلى المحاصرين، وهكذا عاشت سراييفو ومعها المدن الأخرى أيامًا لم ترها منذ بداية الحرب على صعيد الاحتياجات المدنية، وتوقفت مولدات الكهرباء عن العمل لنفاد الوقود ومنع القوات الصربية دخوله، وهي- أي المولدات- المسؤولة عن إمداد الكهرباء إلى أقسام العمليات في المستشفيات وإلى الأجهزة الطبية لمرضى الكُلى والتنفس وغيرها والحاضنات الخاصة بالأطفال.

هذا الضغط الصربي سانده ضغط كرواتي موازٍ له في الاتجاه وإن كان أضعف في القوة وتمثل في إغلاق طرق المواصلات من كرواتيا إلى وسط البوسنة والتي تمر عبرها شاحنات السلاح وقوافل الإغاثة، وبدأت الحكومة الكرواتية في اللعب بورقة اللاجئين الذين بلغ عددهم في كرواتيا (٢٧٠ ألف) مواطن، وشددت الحملة الإعلامية على المسلمين وعلى الرئيس عزت بيجوفيتش وتناسى الإعلام الكرواتي أن له عدوًا صربيًا يحتل ثلث أراضيه، وفي لقاء له مع مسؤولي الصحف الكرواتية صرح الرئيس توجمان يوم (٢٧/٧/١٩٩٣م): «إن الرئيس بيجوفيتش وتحت دعوى إقامة دولة علمانية يريد تأسيس دولة إسلامية في أوروبا» واعتبر توجمان أن ذلك سبب كاف لأن يترك العالم الصرب ليباشروا عمليات التنظيف العرقي في البوسنة مضيفًا «إن العالم الغربي مهتم جدًا بسبب الإرهاب والتطرف القادمين من العالم الإسلامي». وادعى توجمان أن مسلمي البوسنة والهرسك هم كروات في الأصل ولكن الإسلام فرقهم عنا وجعل لهم خاصية تميزهم.

وتفسر حدة الحملة الإعلامية على المسلمين وطرد اللاجئين من فنادقهم وإسكانهم الخيام بما يحدث في ميادين القتال حيث تمكن جيش البوسنة والهرسك من تحرير مساحات واسعة في وسط البوسنة كانت الميليشيات الكرواتية الانفصالية المعروفة باسم مجلس الدفاع الكرواتي تبسط سيطرتها عليها، وشكل ذلك مفاجأة كبيرة للقيادة الكرواتية التي بدأت معاركها في وسط البوسنة في منتصف مارس الماضي على أمل إضعاف المسلمين والسيطرة على ما تبقى من أراضٍ حرة معتبرة أن الصمت الدولي الذي بارك جرائم الصرب يمكن أن يتكرر مرة ثانية بحكم أن الضحية واحدة وهم المسلمون وتناسوا أن الجاني يختلف وثقله وموقعه دوليًا يختلفان.

الأمم المتحدة الصربية

وإذا كانت ضغوط الصرب والكروات على المسلمين مفهومة بحكم أنهما يناصبان المسلمين العداء، فإن موقف وسيط «السلام» لورد أوين وموقف بطرس غالي قد تجاوز كل الحدود باعتبار أنهما من المفترض يشكلان عدل المجتمع الدولي وأدواته الحضارية غير المنحازة، وكان المنصفون في العالم يتابعون مواقف بطرس وأوين باندهاش، لكن هذا الاندهاش تجاوز هو الآخر كل الحدود فالرجلان يبذلان كل جهودهما بكل إخلاص حتى لا يتركا أي فرصة يمكن أن يمرر من خلالها أي قرار لصالح المسلمين إلا ويقوما بإجهاضها، وعندما نقول قرارًا لصالح المسلمين لا نقصد تغييرًا حادًا في ميزان القوى قدر ما هو تخفيف من حجم معاناة المسلمين. وباشر أوين مؤخرًا ضغوطه المكثفة على المسلمين لإرغامهم على القبول بالتقسيم متناسيًا مشاريعه ومقترحاته التي وافق عليها المسلمون والكروات وقاموا بالتوقيع عليها.

وسارع الرجل عقب صدور قرار حلف شمال الأطلسي مهددًا بتوجيه ضربة عسكرية للصرب سارع بالمطالبة بعدم اتخاذ أي قرار تنفيذي في هذا الشأن إلا بعد مشورة الأمم المتحدة. وتلقى غالي الرسالة وخرج ليعلن هو الآخر أنه وحده كأمين عام للأمم المتحدة صاحب الحق في إصدار مثل هذا القرار مما دعا وزير الخارجية البوسني حارث سيلاجيتش لأن يقول يوم (٦/٨/٩٣) في حديثه لمجلة دير ستراند النمساوية: «إن حلف شمال الأطلسي لن يقوم بقصف المواقع الصربية، وإن ربط تدخله بموافقة الأمم المتحدة تعني أن شيئًا لن يتم»، ثم شن حملة على الهيئة الدولية قائلًا: «إنها حرمتنا من حقنا في الحياة والدفاع عن أنفسنا وإنها بصمتها شاركت في أعمال الإبادة الجماعية». وراحت بعض العناصر الأوروبية مثل بريطانيا وفرنسا تقومان بمجهودات نشطة للحيلولة دون اتخاذ قرار بتنفيذ التهديد وتوجيه الضربة العسكرية.

الصديق العدو

أما الموقف الأمريكي فقد كان مدهشًا للغاية، ففي الوقت الذي تتدفق فيه التصريحات الأمريكية تتوعد الصرب بالحديد والنار مارست أمريكا ضغوطًا شديدة على المسلمين لإرغامهم على الاستمرار في المفاوضات رغم استمرار الاعتداءات الصربية وإلا فإن أمريكا ستقدم على تأجيل تنفيذ تهديداتها. وفضحت استقالة «مارشيل شريمين» المسؤول عن مكتب البوسنة والهرسك في الخارجية الأمريكية موقف بلاده، فقد جاء في نص رسالة الاستقالة التي قدمت يوم (٤/٨/٩٣): «إنه في الوقت التي تهدد فيه الإدارة الأمريكية بشن هجمات جوية ضد المواقع الصربية المحيطة بسراييفو فإنها تريد من حكومة البوسنة أن تُقر بأنها خسرت الحرب مع الصرب وأن تقبل تقسيم البلاد في المحادثات الدائرة في جنيف». وجاء في الرسالة أيضًا: «إنني أرفض مواصلة العمل في وزارة أمريكية تقبل بتجزئة دولة أوروبية بالقوة، وزارة لا تعمل على معاقبة أولئك الصرب المسؤولين عن الجرائم الجماعية التي ارتكبوها في الحرب».

واتهم المسؤول الكبير في الخارجية الأمريكية وزارته أنها لم تستغل الكثير من الفرص التي أتيحت لها لحمل الأوروبيين على قبول السياسة الأمريكية التي وضعتها إدارة كلينتون.

وتذكرنا هذه الاستقالة باستقالة أخرى قدمت في شهر أبريل من عام (١٩٩٢م) من قبل «جورج كيني» نائب المسؤول عن الشؤون اليوغسلافية في الخارجية الأمريكية احتجاجًا على ما اعتبره تقصيرًا من إدارة بوش في معالجة الأزمة البوسنية.

ولا تقف التحديات التي يرزح المفاوض المسلم أو بالتحديد عزت بيجوفيتش عند هذا الحد، فإن اضطرابًا وخلافات شديدة تسود صفوف المسلمين -لأول مرة- منذ نشوب الحرب، فعضو مجلس رئاسة البوسنة فكرت عبديتش والمتهم بالخيانة من قبل شعبه في سراييفو التي هرب منها بعد اندلاع الحرب إلى مسقط رأسه في بيهاتش أقصى الشمال الغربي للبوسنة، يجد الفرصة ملاءمة للضغط على الرئيس صاحب التوجهات الإسلامية والولاء المخلص للوطن، وهو يحاول تقوية صفوفه ببعض المتمردين والمفصولين من الجيش والساسة المسلمين الذين قاموا بتأسيس أحزاب يمكن وصفها بأنها كرواتية أكثر منها إسلامية، وهي التي ولدت برعاية كرواتية خالصة ويقدم لها كامل الدعم في كرواتيا وتفسح لها صفحات الجرائد الكرواتية.

وعمل عبديتش على استقدام رموز هذا التيار الانشقاقي الخائن (ولا نقول المعارض) إلى جنيف لإضعاف موقف بيجوفيتش كمتحدث باسم البوسنة وباسم المسلمين.

يضاف إلى ذلك أن انشقاقًا حقيقيًا يسود صفوف المسلمين في البوسنة فالبعض يرى أنه قد حان وقت إيقاف الحرب مهما كان الثمن، والآخر يرى الاستمرار في القتال مهما كان الثمن أيضًا.. التيار الأول غالبيته من الذين لم تقع عليهم أي أضرار ولم تتم أذيتهم في هذه الحرب بصورة مباشرة وكبيرة، أما الآخرون فأولئك الذين فقدوا ديارهم وأقرباءهم واغتصبت نساؤهم وأطفالهم واعتقلوا وتعذبوا، إضافة إلى تيار إسلامي بدأ ينمو في صفوفهم ويفهم أبعاد القضية، ومن رموز هذا الفريق الرافض للتقسيم وإيقاف القتال أيوب جانيتش عضو مجلس الرئاسة البوسنية ونائب الرئيس بيجوفيتش والذي يرى أن علينا أن نقاوم حتى ولو صرنا إلى فناء وفي هذه الحالة فإن المجتمع الدولي لا الصرب هو المسؤول عن إبادتنا.

وعندما خرجت بعض الإشارات من جنيف تفيد النية إلى القبول بالتقسيم، تجمهر عدد من المواطنين أمام قصر الرئاسة في سراييفو وأطلقوا النار في الهواء احتجاجًا على ذلك «فإن نهلك في الحرب اليوم أفضل من أن نهلك في دولة كراجيتشي غدًا». إلا أنه يجب الإشارة إلى أن الجيش البوسني يعاني بشدة من نقص في الذخائر قبل السلاح، وأن شيئًا من عدم التنسيق والتفاهم يسود العلاقات بين قيادات الجيش.

المستقبل غامض

وهكذا وفي ظل هذه الأجواء والتحديات يفاوض بيجوفيتش وتحت مبدأ «اتفاق غير عادل أفضل من استمرار الحرب» كما صرح بذلك، ولكن ماذا يمكن أن يحدث فإن ذلك مجهول تمامًا وهناك سيناريوهات متعددة لذلك سواء من ضربة جوية محدودة الأثر لا تسمن ولا تغني من جوع أو من قبول بالتقسيم وميلاد دويلة مسلمة هزيلة. وفي كل الأحوال فإن الأغلب أن الحرب ستستمر لسنوات طويلة وربما- أو -بالتأكيد- ستتورط فيها أطراف أخرى وستمتد إلى بقعة أوسع، وفي غضون ذلك سيبقى بيجوفيتش يحارب وحده وأحيانًا نكون معه.. نمد شعبه بأكياس الطحين وعلب اللبن المجفف..


اقرأ أيضًا:

 عبديتش هل يفلح في إقصاء بيجوفيتش وتدمير البوسنة والهرسك؟ 

الرابط المختصر :