; أبعد من ضرب حماس | مجلة المجتمع

العنوان أبعد من ضرب حماس

الكاتب إبراهيم أبو الهيجا

تاريخ النشر السبت 20-سبتمبر-2003

مشاهدات 113

نشر في العدد 1569

نشر في الصفحة 23

السبت 20-سبتمبر-2003

1- خلل التفسير وفتح الشهية

من الواضح أن الكيان الصهيوني قد فسر الهدنة السابقة كمعطى هزيمة حاولت من خلاله القوى الفلسطينية شراء الهدوء مقابل السلامة، إن هذا التفسير الذي دعمته مراكز القرار والنخب الصهيونية في اليمين واليسار، أدى إلى فتح الشهية الصهيونية لممارسة مخطط الاستهداف حتى يتم التركيع تحت مسمى هدنة جديدة، دون أي ثمن، لقد كان واضحًا من التلاعب الصهيوني في شروط الهدنة الماضية أنهم استخفوا بمفاعيل المقاومة الفلسطينية، وعندما حاولت قوى المقاومة الفلسطينية تعديل القناعات الإسرائيلية وإعادة الاعتبار الشروط الهدنة، أتت الضربات التي استهدفت قادة حماس، وكان القصد التأكيد على الفهم الإسرائيلي للهدنة بأنها «الهدوء مقابل السلامة»، وكان سلامة الأشخاص هدف المقاومة وليس طرد الاحتلال، وهذا يكشف عن خلل إسرائيلي عميق في فهم الهدنة أو فرض معادلة مختلفة المعنى الهدنة بقصد جعلها شكليًّا هدنة بينما هي في الجوهر هزيمة للمقاومة وبالتالي للقضية.

2-استغلال أجواء الحرب على ما يسمى الإرهاب

وذلك لتعزيز الخلط في الذهنية العالمية أن المقاومة الفلسطينية ما هي إلا جزء من منظومة «الإرهاب الإسلامي» المزعوم، بقصد حرف القضية عن مسارها وحرف حماس عن أهدافها ونزع الغطاء الأخلاقي عن مقاومتها، الكيان الصهيوني يحاول فعليًّا اقتناص الفرصة التاريخية التي أنت بعد الحادي عشر من سبتمبر لتأصيل ذلك، مستغلة ما يحدث في العراق وأفغانستان لشراء الصمت الأمريكي الذي أصبح هو الآخر شريكًا في الاحتلال ومطاردة المقاومين، والخلاصة أن الكيان الصهيوني يستثمر في الوقت الذهبي الذي يرى فيه فرصة تاريخية يجب استغلالها لسحق المقاومة.

3- خلط الأوراق وسهولة الأهداف

إن الفصل الذي مارسته حماس بين جناحيها السياسي والعسكري، بقدر ما كان ذكيًّا كانأيضًا حقيقيًّا مع احترام التخصص والانضباط في السياسات والثوابت العامة، فحماس حركة واسعة الانتشار لم تقصر جهادها على الشكل العسكري، بل كان لها ولا يزال أذرع سياسية واجتماعية كروافع داعمة لمقاومتها ضد المحتل والاستهداف.

وتحاول الإستراتيجية الإسرائيلية الآن خلط الأوراق على حماس، والهدف الواضح من ذلك نزع كل الأغطية الاجتماعية والسياسية والنقابية وتلبيسها الشكل العسكري فقط لدفعها إلى حالة مقاومة واحدة، وبالتالي تسهيل ضرب كل بناها المختلفة، ولا شك أن ممارسة الفصل بين التخصصات كان ولايزال مفيدًا في جعل المعركة التي يريد الاحتلال فرضها على كل أطراف الحركة – أو على الأقل نزع مبرراتها – أمرًا صعبًا، وما يفعله الاحتلال دليل على عجزه عن ضرب الجهاز العسكري التابع للحركة والذي يتحرك تحت الأرض.

4-دفع المقاومة إلى حالة دفاع واختباء

قامت الحروب الصهيونية على الضربات الوقائية والاستباقية، ولذلك يتصرف الاحتلال مع الشعب الفلسطيني وكأنه في حرب مع طرف محارب، وليس علاقة «احتلال – مقاومة» ورغم أن هذا إخلال في منطق الأخلاق الدولية الحربية إلا أن الاحتلال يمارسه بدون تورع وبحماية أمريكية مبررة أو ساكتة عن كل التصرفات الإسرائيلية، وهذا التصرف المتحرر من كل الضوابط يتعامل مع حركة حماس وكأنها طرف محارب يجب ضربه واستنزافه واستهداف كل قياداته ومؤسساته لدفعه إلى الاختباء والبقاء في حالة الارتباك وبالتالي دفعه إلى حالة الاستسلام.

5-هزيمة الوعي الفلسطيني

يسعى العدو من خلال محاولة القضاء على حماس أو تخويفها أو إركاعها، إلى جعلها نموذجًا لتخويف بقية القوى الفلسطينية، ومن ثم تخويف كل قطاعات المجتمع، وهذا يدل على سيادة منطق القوة والعنجهية لدى الاحتلال، واليمين الصهيوني على وجه الخصوص، والمتوخى من ذلك أمران الأول: نفسي إرهابي يمكن من فرض معطيات الهزيمة والرضا بالاحتلال.

الثاني: نفسي فكري، بقصد فرض الهزيمة في الوعي الفلسطيني وليس فقط في تأكيد حقائق القوة على الأرض.

6- القضاء على بنية التفكير والتوجيه.

فاستهداف رموز حركة حماس وتحديدًا تخبها مثل الشيخ أحمد ياسين، وهنية، والزهار وقبلهم أبو شنب، والرنتيسي وقبلهما جمال منصور، وجمال سليم هو استهداف للعقول المفكرة والموجهة في حماس، وهو محاولة لإضعاف الحركة وتحجيم دورها في الشارع الفلسطيني وهو مقدمة لسيناريو أخطر وأشمل يستهدف مجمل القوى الفلسطينية، وهذا يدل على تفكير استراتيجي بالقضاء على ما تبقى من رموز السلطة وإعادة الاحتلال كليًّا، كون التمهيد لهذا السيناريو يتطلب إنهاكًا للقوى الفاعلة في الشعب الفلسطيني، لذا فإن ما جري مع حماس هو استهداف لمجمل القوى الفلسطينية إسلامية ووطنية وبمستوى القضية الفلسطينية.

7- اغتيال الحوار الفلسطيني

من جهة أخرى فإن محاولات الاغتيال التي جرت بحق قادة حماس استهدفت عقول الحوار ودعاة الوحدة في فلسطين وهي تحاول من طرف خفي أن تبعد الصف الأول في حماس ليتقدم الصف الثاني ظنًّا منها أنها بذلك تستطيع أن تنفذ سيناريو الفتنة وبالتالي تحييد الشعب الفلسطيني عن معركته الكبرى، والنزول به إلى مستنقع الخلافات التفصيلية والفتن الداخلية، وهذا معطى يراهن على أن قضية حماس والشعب الفلسطيني متعلقة برجل يبقى أو شخص يذهب، والمسألة دون شك تتعلق بحقوق لا بشخوص، وهذا يدل على أن القيادة الإسرائيلية مرتبكة وقاصرة في التخطيط «فهم يريدون السلطة لأنها أفضل من حماس ولكنهم مضطرون لضربها لأنها تحمي الانتفاضة أو تسكت عن أفعال المقاومة» ولكن الاستمرار في ضربها يضعفها، وإضعافها يؤدي إلى خيارات أكثر تشددًا، وهكذا تبقى خياراتهم مرتبكة لأنها قاصرة عن فهم حقيقة مطالب الشعب الفلسطيني

8- الفتنة أو الانتحار

كما يتبدى ليس لدى الاحتلال الصهيوني أثمان سياسية يعطيها، وخيار القوة ضد الشعب الفلسطيني بات من الواضح أنه خيار اليمين واليسار، وكل ما يحدث هو مقدمات للضربة الكبرى، وسواء قامت حماس بعملية رد أو لم تقم فإن الاحتلال لن يتوقف عن العدوان، وبالتالي فإن بمثابة انتحار للشعب التراجع عن الانتفاضة بعد الفلسطيني، إذًا علينا كشعب فلسطيني وقوى مقاومة أن تحدد خياراتنا وأن نحسم أهدافنا وبالتالي وسائلنا.

إن تجزئة المعركة لا تخدمنا وتفتيت الأهداف يضعف ثوابتنا، والخيار الأوحد المتبقي أمامنا هو الاستمرار في الانتفاضة والمقاومة حتى الشوط الأخير لأن الاستسلام لخيار شارون انتحار، وانجرار السلطة لضرب حماس كشرط للاعتراف وإعطاء الميزات مخطط للفتنة، والمقاومة مع ارتفاع تكلفتها هي أفضل من الانتحار أو الفتنة، وليس هناك خيار وسط كما يتوهم البعض.. فالهدنة لا يمكن إنجازها تحت وقع الضربات، وإن أتت فيجب أن يكون الردع المقابل قد تحقق.

9- محدودية خيار القوة

يستفرد الاحتلال الآن بحماس لضربها ويعلن أنه يستهدفها من رأسها إلى أخمص قدميها، ورغم أن هذا الاستهداف ليس بالجديد، لكن علينا الاعتراف بأن الظروف المتاحة للعدو الآن هي الأفضل في تحقيق سيناريو الإخضاع والتركيع، ولكن هذا لا يعني البتة أن يكون الحل هو الاستسلام بقصد الحفاظ على الذات، فهذه المحنة على قسوتها ستجلي المعركة رغم أن حماس ستدفع ثمنها، وعلى حماس أن تتمسك بالصبر والاحتياط وإحداث الردع المناسب والقوي، لأن أي خضوع المنطق الاحتلال يعني المس بالقضية الفلسطينية، وحماس لم توجد إلا لمقاومة الاحتلال. لم تبغ يومًا سلطة أو سلامة، السلامة هي سلامة الأوطان، أما الأثمان فهي -على صعوبة هضمها -تبقى ضريبة طبيعية لحركة ارتضت أن تكون في طليعة المقاومة وعليه فلا مناص من الصبر والمزيد من المقاومة، ولقد أوضحت الهدنة الماضية أن العدو لا يقيم اعتبارًا لأي هدوء سياسي أو تحرك إقليمي أو رغبة دولية، ومع الوقت وإحداث المزيد من الردع المقاوم سيجر الاحتلال إلى اليأس واستهلاك أساليب القوة، لأن خيارات القوة تبقى قاصرة عن سحق شعب يريد الحرية ويملك الحق.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل