العنوان أبو بكر الصديق وإدارة الأزمات (2) الهجرة إلى المدينة
الكاتب عبدالسلام الهراس
تاريخ النشر الثلاثاء 08-سبتمبر-1998
مشاهدات 61
نشر في العدد 1316
نشر في الصفحة 58
الثلاثاء 08-سبتمبر-1998
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئ أحيانًا إلى أن دار الهجرة ستكون المدينة دون أن يسميها.. وقد عوّد أصحابه على مبدأ الهجرة ومفارقة الأوطان، إيثارًا للدين، وحفاظًا على العقيدة، وتجنبًا لمجابهة الأخطار المحدقة، ومن قبل أن يهاجر إلى الحبشة، فإن الهجرة إلى المدينة تكون عليه أيسر وأسهل لقربها من مكة المكرمة، ولكونها دار عرب ومسلمين، وربما لبعضهم هناك أقارب وأصدقاء، لما بين القريتين من صلات متينة وعلاقات متنوعة عريقة.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير التردد على بيت أبي بكر، يزوره إما بكرة، وإما عشية، كما يروى ذلك عن عروة بن الزبير -رضي الله عنهما- عن خالته عائشة أم المؤمنين- رضي الله عنها- حتى إذا كان اليوم الذي أذن الله فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة والخروج من مكة، أتاهم الرسول الكريم بالهاجرة، في ساعة كان لا يأتي فيها عادة، فلما رآه أبو بكر قال: «ما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الساعة إلا لأمر حدث»، فأمره الرسول صلى الله عليه وسلم بإخراج من عنده، فقال أبو بكر: إنما هما ابنتاي وفي رواية: إنما هما أهلك.. وما ذاك فداك أبي وأمي؟ فأخبره بالأمر، فسأله الصحبة، فقال صلى الله عليه وسلم «الصحبة»، قالت عائشة: «فوالله ما شعرت قط مثل ذلك اليوم أن أحدًا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يومئذ يبكي»، كان أبو بكر قبل ذلك يحس أن هجرة ما ستقع قريبًا.. يفهم ذلك عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فأعد راحلتين استعدادًا للأمر، علفهما مدة ما بين أربعة أشهر وستة.
وعندما جاء الإذن من السماء لم يكن يعلم بأمر الهجرة إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعلي وعائشة وأسماء.
خرج رسول الله وصاحبه والتجأ إلى غار ثور، ولما همّا بالدخول إلى الغار قال للرسول صلى الله عليه وسلم: دعني أدخل قبلك، فإن كان حية أو شيء كانت لي قبلك، قال له صلى الله عليه وسلم: ادخل.. فدخل.
وقد تولى أبو بكر ما يتصل بالاختفاء، إذ قام أفراد من أسرته على تزويد الرسول وصاحبه بالغذاء والأخبار في خطة محكمة حتى ابتعد البحث عنهما، ثم استأجرا دليلًا خريتًا عارفًا بالمسالك التي تضمن خروجهما من مكة، وسلوك السبيل الآمنة من عيون وجواسيس قريش.
وأثناء السير كان أبو بكر شديد الحراسة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يمشي ساعة بين يديه، وساعة خلفه، ففطن رسول الله صلى الله عليه وسلم لتغيير أبي بكر لمواقعه في أثناء المسيرة المباركة، فقال له: يا أبا بكر، مالك تمشي ساعة خلفي وساعة بين يدي؟! فقال يا رسول الله! أذكر الطلب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك فقال صلى الله عليه وسلم: «يا أبا بكر لو كان شيء لأحببت أن يكون بك دوني؟ قال: نعم والذي بعثك بالحق»، رواه البيهقي.
وقد أكرم الله أبا بكر إذ ذكره في كتابه العزيز بالصحبة قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (التوبة: 40).
ذكر الحاكم في مستدركه عن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل: «من يهاجر معي؟ قال: أبو بكر الصديق» (أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي).
وسمّاه الرسول صلى الله عليه وسلم: أخي وصاحبي، كما في البخاري ومسلم: استقبل رسول الله وصاحبه حوالي خمسمائة من الأنصار، الذين أسلموا وتعلموا ما تعلموا من الإسلام على يد مصعب ابن عمير وعبد الله بن أم مكتوم.
وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وبجانبه أبو بكر تحت نخلة والناس ما يعرفونه من أبي بكر حتى زال الظل عن الرسول، فقام أبو بكر فأظله بردائه.
عاش أبو بكر بجانب حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي تزوج عائشة -رضي الله عنها- فأصبح بينه وبين المصطفى من الوشائج أقواها، وحضر معه المشاهد كلها، كما كان بجانبه عند استقباله الوفود والأفراد، وكان وزيره ومستشاره والملازم له، حتى إن المرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها: إن جئت ولم تجديني فأت أبا بكر».
كان أبو بكر الطائع التابع المقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم المنفذ لأوامره، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤثره على أصحابه جميعًا، حتى إنه أنابه عنه في الصلاة عندما كان -يومًا- غائبًا وأثناء مرضه، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يرون أن الصديق خليفته.
مناقبه:
ومناقب أبي بكر كثيرة:
فهو: أول من أسلم من الرجال.. وأول من صلى معه وحرر العبيد.. وأنفق ما يملك في سبيل الدعوة إلى الله.. أسلم على يديه خمسة من العشرة المبشرين بالجنة.. صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة.. دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصاحب والأخ.. ما ذاق خمرًا قط في الجاهلية أو الإسلام.. شهد المشاهد كلها.. ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد.. رافع الراية العظمى يوم تبوك.. سدت أبواب المسجد إلا باب أبي بكر.. سباق إلى الخيرات.. الوزير الأول لرسول الله صلى الله عليه وسلم.. خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة.. الوحيد الذي يحمل لقب الصديق، والصديقية من الصدق، نقيض الكذب. والصديق الدائم التصديق، ويكون الذي يصدق قوله بالعمل، والصديق: الجامع للأوصاف المحمودة، والصديق: الكامل من كل شيء.
وقال بعض العلماء: والصدق عماد الأمر وبه تمامه، وفيه نظامه، وهو تالي درجة النبوة قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (النساء: 69).
قال الجنيد: «حقيقة الصدق أن تصدق في مواطن لا ينجيك منها إلا الكذب».
وهو دوران العبد مع مراد الله منه ومع أحكامه الشرعية صابرًا نفسه معها سائرًا بسيرها مقيمًا بإقامتها، يتوجه معها أين توجهت ركائبها، وينزل معها أين استقلت مضاربها.
فهذا معنى كونه صابرًا مع الله، أي قد جعل نفسه وقفًا على أوامره، وهو أشد أنواع الصبر وأصعبها، وهو صبر الصديقين (مدارج السالكين 2/ 157).
والصديقون هم فضلاء أتابع الأنبياء الذين يسبقونهم إلى التصديق (الجامع لأحكام القرآن 5/ 272).
والصديق: من سبق إلى تصديق الرسول عليه الصلاة والسلام فأصبح قدوة وسببًا في إسلام أفاضل الصحابة.
وأينما ذكر الصديق والنبي لم يجعل بينهما واسطة.
وقد وصف الحافظ أبو نعيم أبا بكر بقوله: «أبو بكر الصديق السابق إلى التصديق، الملقب بالعتيق، المؤيد من الله بالتوفيق، صاحب النبي صلى الله عليه وسلم في الحضر والأسفار، ورفيقه الشفيق في جميع الأطوار، وضجيعه بعد الموت في الروضة المحفوفة بالأنوار، المخصوص في الذكر الحكيم بمفخر فاق به كافة الأخيار، وعامة الأبرار، وبقي له شرفه على كرور الأعصار ولم يسمُ إلى ذروته همم أولي الأيد والأبصار، حيث يقول عالم الأسرار: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ (التوبة: 40) (حلية الأولياء 1/ 28).
ومن أروع وأجمل ما وصف به أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- ما كتبه ابن القيم يقول: «كانت تحفة ثاني اثنين مفخرة للصديق دون الجميع، فهو الثاني في الإسلام، وفي بذل النفس، وفي الزهد، وفي الصحبة، وفي العمر، وفي سبب الموت لأن الرسول صلى الله عليه وسلم مات عن أثر السم وأبو بكر سم فمات، أسلم على يديه من العشرة: عثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، وكان عنده يوم أسلم أربعون ألف درهم فأنفقها في وقت أحوج ما كان الإسلام إليها، ولذا جلبت نفقته عليه: «ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر» فهو خير من مؤمن آل فرعون، لأن ذلك جاهد ساعة، والصديق جاهد سنين، عاين طائر الفاقة يحوم حول حب الإيثار ويصيح: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، فألقى له حب المال على روض الرضا واستلقى على فراش الفقر، فنقل الطائر الحب إلى حوصلة المضاعفة، ثم علا على أفنان شجرة الصدق يغرد بفنون المدح، ثم قام في محاريب الإسلام يتلو: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ (الليل: 16- 17)، نطقت بفضله الآيات والأخبار، واجتمع على بيعته المهاجرون والأنصار، فيا مبغضيه في قلوبكم من ذكره نار، كلما تليت فضائله علا عليهم الصغار، أترى لم يسمع الروافض الكفار ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ دعي إلى الإسلام فما تلعثم ولا أبى، وسار على المحجة فما زل ولا كبا، وصبر على مدته من مدى العدى على وقع الشبا، وأكثر في الإنفاق فما قلل حتى تخلل بالعبا، تالله لقد زاد على السبك في كل دينار دينار ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾، من كان قرين النبي في شبابه؟ من ذا الذي سبق إلى الإيمان من أصحابه؟ من الذي أفتى بحضرته سريعًا في جوابه؟ من أول من صلى معه، من آخر من صلى به؟ من الذي ضاجعه بعد الموت في ترابه؟ فاعرفوا حق الجار!! نهض يوم الردة بفهم واستيقاظ وأبان من نص الكتاب معنى دق عن حديد الألحاظ، فالمحب يفرح بفضائله، والمبغض يغتاظ حسرة الرافضي أن يفر من مجلس ذكره ولكن أين الفرار؟ كم وقى الرسول بالمال والنفس، وكان أخص به في حياته وهو ضجيعه في الرمس، فضائله جلية، وهي خلية عن اللبس، يا عجبا من يغطي عين ضوء الشمس في نصف النهار، لقد دخلا غارًا لا يسكنه لابث، فاستوحش الصديق من خوف الحوادث، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما بالك باثنين والله الثالث، فنزلت السكينة فارتفع خوف الحادث، فزال القلق وطاب عيش الماكث، فقام مؤذن النصر ينادي على رؤوس منائر الأبصار: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾، حبه -والله- رأس الحنيفية، وبغضه يدل على خبث الطوية، فهو خير الصحابة والقرابة والحجة على ذلك قوية، لولا صحة إمامته ما قال ابن الحنفية مهلًا مهلًا، فإن ذم الروافض قد فار، والله ما أحببناه لهوانا، ولكن أخذنا بقول علي فكفانا: «رضيك رسول الله لديننا أفلا نرضاك لدنيانا» تالله لقد أخذت من الروافض بالثأر، تالله لقد وجب حق الصديق علينا فنحن نقضي بمدائحه ونقر بما نقر به من السنى علينا، فمن كان رافضيًّا فلا يعد إلينا وليقل لي أعذار (الفوائد ص 72- 74 لابن القيم، دار الفكرة 1408هـ- 1988م).
رجل المواقف عند الأزمات:
تلك لمحات من حياة أبي بكر قبل الخلافة وبعض مناقبه، وكان معروفًا عنه أنه رقيق القلب، كثير البكاء، وربما خامر بعضهم أنه غير صالح لإدارة الأمة الإسلامية، ولا سيما في تلك الظروف الدقيقة الحرجة الصعبة، ولكن كشفت الأحداث الجسام والفتن المتلاطمة الأمواج والزلازل النفسية العارمة التي حلت بالمدينة وغيرها يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أن أبا بكر كان لها دون غيره.
فأول ما واجهه المسلمون موت الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد ذهل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وقام في الناس قائلًا: «إن رجالًا من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي، وأنه ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران والله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فليقطعن أيدي رجال وأرجلهن زعموا أنه مات...» (الكامل لابن الأثير 2/ 219).
وكان أبو بكر في مسكنه بالسنح خارج المدينة، فبلغه الخبر فأقبل على فرس ونزل فدخل المسجد فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة فاستأذن فأذنت له، فيمم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مسجى ببرد حبرة فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه فقبله ثم بكى، وقال: «بأبي أنت وأمي طبت حيًّا وميتًا، والله لا يجمع الله عليك موتتين أبدًا، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها»، وقال: «ليس ما يقوله ابن الخطاب شيئًا، توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده، رحمة الله عليك يا رسول الله ما أطيبك حيًّا وميتًا».
ثم خرج سريعًا وعمر يكلم الناس فقال: اجلس يا عمر، فأبى أن يجلس، فال: اجلس يا عمر! فأبى أن يجلس، فتشهد أبو بكر وحمد الله وأثنى عليه، فأقبل الناس إليه فقال: أما بعد، فمن كان منكم يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (آل عمران: 144).
قال ابن عباس مصدر الرواية: «فوالله لكأن الناس لم يعلموا بنزول هذه الآية حتى تلاها أبو بكر فتلقاها منه الناس كلهم، فما يسمع بشر من الناس إلا يتلوها... وقال عمر والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعرفت أنه الحق فعقرت حتى وقعت على الأرض ما تحملني رجلاي وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات».
(سيرة ابن هشام- حاشية الروض الأنف 4/ 260، البداية والنهاية 3/ 242- 243).
الأزمة الأولى:
هذه أول أزمة وقعت في الأمة الإسلامية بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي أزمة كان يمكن أن تؤدي إلى نتائج وخيمة وعاهات في العقيدة وفي المجتمع الإسلامي مستديمة، ذلك أن موقف عمر لم يكن بالأمر الهين ولا بالرأي العادي، فلو لم يبادر أبو بكر بحسم الموضوع وحل الأزمة لما كان من المستبعد أن تتكون ملة جديدة وفرقة منشقة مبتدعة تعتقد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمت وأنه ما زال حيًّا، وسيعود كما عاد موسى بن عمران عليه السلام بعد تكليم الله له، إن عمر -رضي الله عنه- فوجئ، بل ذهل عندما قال له المغيرة بن شعبة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات، فرد عليه بقوله: كذبت! بل أنت رجل تحوسك فتنة، أي: تدفعك فتنة، إن رسول الله لم يمت حتى يفني الله المنافقين.
نعم هناك صحابة يرون رأي أبي بكر قبل وصوله إلى المسجد، ولكن لم يواجهوا عمر بذلك كما فعل أبو بكر... فهذا عمرو بن قيس بن زائدة بن الأصم بن أم مكتوم في مؤخرة المسجد لما سمع بالخبر يقرأ ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ (آل عمران: 44) والناس في المسجد يبكون ويموجون، لا يسمعون.. وهذا العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على الناس وسمع مقالة عمر، وربما سرى القول خلال أكثر من واحد، فقال لهم: «يا أيها الناس هل عند أحد منكم من عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفاته فليحدثنا، قالوا: لا، قال: هل عندك يا عمر من علم؟ قال: لا، فقال العباس: اشهدوا أيها الناس أن أحدًا لا يشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعهد عهده إليه في وفاته، والله الذي لا إله إلا هو لقد ذاق رسول الله صلى الله عليه وسلم الموت».
ولا بد أن هناك من أنكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمت، لكن لم يستطع أحد منهم أن يحسم هذا الأمر، ويرد الناس جميعًا إلى صوابهم وإلى الحقيقة الماثلة، فلو لم يتدخل أبو بكر بشخصيته ومكانته وحجته التي اعتمدت على نص القرآن الكريم في الموضوع، لكان بالإمكان أن يحدث خلاف بين المسلمين وأن يصر بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمت، أمام إصرار البعض الآخر على أنه توفي، وعندئذ يبدأ التنازع والانشقاق والتحزب لهذا أو ذاك، فتنشأ فرقة أو ملة جديدة تشارك المسلمين في كل دينهم إلا وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا يبدأ الانحراف عن الجادة؛ لذلك فإن كلمة أبي بكر كانت الفصل في الموضوع.
(*) كاتب مغربي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل