; أبي الحسن الندوي في السيرة الذاتية (2 – 3) | مجلة المجتمع

العنوان أبي الحسن الندوي في السيرة الذاتية (2 – 3)

الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر الثلاثاء 01-مارس-2016

مشاهدات 47

نشر في العدد 2093

نشر في الصفحة 68

الثلاثاء 01-مارس-2016

أبي الحسن الندوي

في السيرة الذاتية (2 – 3)

خطوات كتابة سيرته

أ. د. حلمي محمد القاعود

كان الندوي قبل أن يكتب سيرته الذاتية على وعي بما كتبه السابقون، فهو يشير إلى سير ذاتية سابقة كتبها علماء دين من مشايخه وأساتذته، منهم:

1– شيخ الإسلام السيد أحمد حسن المدني، ألف كتابه «نقش حياة»، بدأه بقصة حياته وأنهاها عند صفحة 130، ثم بدأ يكتب قصة جهاد التحرير الذي شارك فيه بجهد كبير شيخه ومرشده شيخ الهند محمود حسن الدينوي.

2– شيخ الحديث محمد زكريا الكاندهلوي، صاحب «أوجز المسالك إلى موطأ الإمام مالك»، ألَّف حياته في سبعة مجلدات لم تقتصر على حياته فقط، بل تناولت عهده وبيئته والنظام التعليمي الديني في عصره، وخصائصه ومزاياه وقصصاً من حياة خريجي هذا النظام والقائمين عليه وطبيعتهم ودورهم ومنهجهم.

3– الأديب الكبير الشيخ عبدالماجد الدربا بادي، صاحب «تفسير القرآن بالأردية والإنجليزية»، الذي ألَّف في حياته كتاباً في أسلوبه الفريد الخاص، فهو يثير العظة والاعتبار، ويعلم الأدب والسلوك، وهو تسجيل ناطق مؤثر لعهد طفولته وشبابه وكهولته.

هذه السير الثلاث كانت حافزة للندوي على كتابة سيرته ومدعمة له، وجعلت عمله «بدعة حسنة» وليس «بدعة محدثة». (مسيرة حياة، ج1/ 23 – 24).

وكأن الندوي كان يستشعر حرج بعض الجهات من كتابة السيرة الذاتية، فأشار إلى ما كتبه السابقون ليكون حجة على هذه الجهات التي يمنعها الورع من كتابة السيرة الذاتية بما يمكن أن يكون فيها من تناول لأشخاص وأحداث يفضل عدم الإشارة إليها.

ولعل هذا أيضاً ما جعل الشيخ علي الطنطاوي يشير في تقديمه لسيرة الندوي إلى ما كتبه أحمد أمين، وطه حسين، ومحمد كرد علي من سير ذاتية، ومميزات كل سيرة، وتركيز كل منها على جانب معين؛ موضوعي أو فني، بينما تحدث الندوي عن أصله وبلده ودراسته وأصحابه وتلامذته. (السابق، 1/ 6).

ويضعنا أبو الحسن الندوي في الأجواء التي كتب فيها سيرته، فيشير إلى أنه لم يواجه في بدء أي تأليف على كثرة ما ألَّف هذا الصراع العقلي والتردد النفسي الذي واجهه في بدء هذا المؤلف عن حياته، وقصة ماضيه، ومضت أعوام وسنون، وهو يتهيب الخوض في هذا الموضوع ولا يجرؤ على الكتابة فيه. (السابق، 1/19).

ويضع أسباباً لذلك؛ منها تواضعه واستصغار نفسه في مجال التنويه عنها، انطلاقاً من الكلمة المأثورة «ما هلك امرؤ عرف قدره»، فلم يكن يوماً سياسياً بارزاً، ولا قائداً محنكاً، ولا صاحب شهرة وجاه عريض.

ثم إنه يخشى من الزلات والهفوات في الغرور، وسرد قصص رفقته وزملائه ومعاصريه، كما يخشى الإساءة إلى الأصدقاء والزملاء وتجريح شعورهم بعدم توفية حقوقهم، أو المغالاة في مدحهم. (السابق: 1/ 19).

هذا التواضع الكريم من جانب الشيخ أبي الحسن يؤكده الشيخ علي الطنطاوي في تقديمه للسيرة ويحسبه لصالحه، ويضعه ضمن أعلام العصر وكبار دعاته؛ من أمثال: حسن البنا، سيد قطب، البشير الإبراهيمي، أبو الأعلى المودودي، محب الدين الخطيب، الخضر حسين، محمد محمود الصواف، سعيد النورسي، علال الفاسي.. ويصف الندوي بأنه عالم من نسل علماء، ويشير إلى أسرة أبي الحسن الندوي: أبوه عالم طبيب، مؤلف، وأخوه لأبيه عالم طبيب، وأخته مؤلفة ولها ترجمة «رياض الصالحين» إلى الأردو بعنوان «زاد سفر»، وأخته الأخرى عالمة، وهي أم لعلماء، سُمُّو بمحمد؛ منهم محمد الرابع، ومحمد الخامس، ووالد أبي الحسن مؤرخ الهند حية، وأمه سيدة فاضلة، كاتبة وشاعرة، صاحبة مؤلفات.

ويشير إلى أن تاريخنا العربي الإسلامي عرف أسراً توارث أبناؤها العلم كأسرة آل قدامة، ومنهم مؤلف كتاب «المغني» أعظم كتب الفقه الإسلامي، وابن أخيه صاحب «الشرح الكبير»، والحافظ صاحب «المختارة» أصح كتب الزوائد على الصحيحين، وهناك أسرة المهلب، وأسرة جرير في الشعر، وأسرة الوزراء «وهب» وأولاده، وأسرة المهلب الذي تسلسلت البطولة في نسله أربعة بطون، وأسرة قتيبة بن مسلم، وفي التاريخ الحديث أسرة محمد بن عبدالوهاب، وولي الله الدهلوي في العلم. (السابق، 1/ 6 - 9 وما بعدها).

ويبدو أن الندوي وجد ما يشجعه على كتابة السيرة، في ظل فترة نقاهة وإجازة قضاها بعيداً عن مكتبته ومصادره ومراجعه، ورأى أن هذه المناسبة ملائمة لكتابة سيرته الذاتية وملء الفراغ الذي يعانيه دون قراءة وكتابة، أو حسب تعبيره: «ليس أشد وأشق وأجهد على من بقائي عاطلاً، لا شغل لي من كتابة أو مطالعة، فهو نوع عذاب وعقاب». (مسيرة حياة، 1/ 21).

خطوات كتابة سيرته

ويمكن القول: إن منهج أبي الحسن في كتابة السيرة الذاتية، يتطابق إلى حد كبير مع ما استنتجه نقاد السيرة الذاتية ودارسوها، فهي سرد نثري طعّمه الندوي باستشهادات شعرية في مواضعها المناسبة، وحرص أن تمضي مع التسلسل الزمني الذي يبدأ منذ مولده حتى وقت كتابة السيرة قبيل رحيله، ورصد عبر صفحاتها معظم مواقف حياته وخاصة تلك التي تحمل دلالة وعبرة، كما أنه صرح بشكل مباشر أنه يكتب سيرته الذاتية، وقد عرضها بصورة مؤثرة من خلال لحظات إنسانية مفعمة بالحياة والأمل والصبر.

ولعل العنصر الوحيد الذي لم يلجأ إليه الندوي في سيرته هو الخيال؛ لأنه لم يكتبها من خلال القالب الروائي، وآثر السرد الواقعي المباشر، وحقق مع ذلك الإثارة والتشويق، حتى الجزء الثالث الذي خصصه باللقاءات والمؤتمرات والأحداث العامة كان حافلاً بالقضايا التي تثير الاهتمام والمتابعة. 

ويمكن حصر الخطوات التي انتهجها الندوي في كتابة سيرته فيما يلي:

تجرد وحياء:

أولاً: يرى أنه لا يتوقع من إنسان حيّ واعٍ، يملك ضميراً حياً، وشعوراً يقظاً أن يغمض عينه حين الحديث عن قصة حياته عن أحداث البيئة وظروفها وأوضاعها، والحركات والجماعات التي عاشها، والحوادث والوقائع التي احتك بها، لا سيما إذا كان المؤلف له صلة بالدين الحي الخالد والأمة الحية، هذا المؤلف لا يستطيع أن يجرد القلم عن القلب والعواطف والحوادث، وأحداث العالم عن قصة الحياة الشخصية وأحداثها، ويحكي قصته في تجرد تام وحياء كامل. (في السكوت سلامة، وفي الكلام ندامة)، (مسيرة حياة، 1/ 19 وما بعدها). 

وبالفعل فقد تناول كثيراً من الأحداث والوقائع والشخصيات والحركات التي ارتبطت بحياته أو شاهدها أو كان طرفاً فيها، وواجهها بمنظور إسلامي؛ فكتب عن أسرته ووطنه وبيئته وعهد الطفولة وعالم الكتب، وحركة الخلافة في الهند، ووفاة والده وأساتذته، وتحصيله للغات العربية والفارسية والإنجليزية بجانب الأردية، كما أشار إلى رحلاته داخل الهند وخارجها، وعمله بالتدريس وانشغاله بالتأليف، وتحدث عن الاضطرابات الطائفية في المنطقة الصناعية، والمؤتمرات، ومحنة المسلمين في الهند بسبب قوانين الأحوال الشخصية، والاضطراب الطائفي الرهيب في ميرت، وموقفه من معتقدات الفرقة الاثني عشرية، وحادثة استشهاد الرئيس محمد ضياء الحق، وتصاعد نشاط الحركات الطائفية، ومأساة الوطن العربي، وقضية المسجد البابري، واستقبال إمام المسجد الأقصى في دار العلوم بلكنهؤ، والإضرابات الدموية في بومباي، والخسائر الهائلة في الأرواح والممتلكات (تضم مسيرة حياة بأجزائها الثلاثة هذه الأحداث وكثيراً غيرها). 

عبادة:

ثانياً: يعتقد الندوي أنه يقوم بنوع من العبادة حين يكتب سيرته؛ وذلك من خلال «التأمل في صنع الله تعالى بعبده الضعيف».

وفي هذا الإطار العبادي؛ فإن حياته التي يسجلها في سيرته تبدو وقفاً إسلامياً لخدمة الدين والعقيدة، كل فعل فيها مسخر لإرضاء ربه ونبيه صلى الله عليه وسلم، وقد شارك الندوي في عديد من المشروعات التي تخدم الدين والعقيدة، فإضافة إلى مؤلفاته الكثيرة التي تدافع عن الإسلام وتحض المسلمين على اليقظة والوحدة والأخذ بأسباب القوة والعلم والتضامن والتقدم. 

لقد عرّف بكبار الدعاة إلى الله من أمثال السيد أحمد الشهيد، والشيخ الداعية محمد إلياس الكاندهلوي، وحركته الدعوية، ومشاركته فيها، والنشاطات الدعوية والتبليغية، وكتب عن مجالس الشيخ الجليل التهانوي، وقدم شعر إقبال، ووضع المقررات الدراسية في دار العلوم ندوة العلماء، ووضع كتباً جديدة في اللغة العربية والأدب العربي وقواعد العربية، ثم إنه أعد سلسلة الكتابات الدعوية في اللغة العربية، وألقى محاضرات في جامعة دمشق وكشمير وأكسفورد، وأسس حركة رسالة الإنسانية، وشارك في تأسيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ورابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، ورابطة الأدب الإسلامي العالمية، وأصدر جريدة «ندائي ملت»، ومشروعات أخرى تصب كلها في خدمة الإسلام والمسلمين، وتدافع عن العقيدة والشريعة تقرباً لرب العالمين، وفي الوقت نفسه تعتبر نموذجاً لمن يعبد ربه ويتقرب إليه بالأعمال الصالحة ويشكر نعمه التي لا تعد ولا تحصى. (يمكن على سبيل المثال مراجعة مسيرة حياة – الجزء الأول، فصول 6، 7، 9، 10، 14، 16، 22، 31). 

ثالثاً: يؤمن الندوي أن السيرة الذاتية تقدم أحياناً ما لا تقدمه كتب التاريخ المتخصصة من معلومات وبيانات ومفاهيم تغيب في غمرة البحث التاريخي الأكاديمي، وخاصة ما يرتبط بالمشاعر والأحاسيس والقيم، ويفسر الندوي ذلك قائلاً: هناك كثير من المواضيع والأحداث والوقائع والمؤسسات والحركات والشخصيات والجماعات، وتصوير البيئة والأعراف، ونظام التربية السائد في البيوتات، ولا يتيسر الحديث عنها إلا في تضاعيف قصة حياتي ومذكرات رحلة عمري، فإننا لو ألقينا الضوء على كل واحد منها بصورة منفردة مستلة لاحتاج ذلك إلى مجلدات مفردة، زد إلى ذلك المسؤوليات والالتزامات التأليفية، التي قد تحول دون تناول كثير من الحقائق ولباب الحديث الذي يسهل إيراده في قصة الحياة الشخصية في غير ما تكلف واهتمام.

وقد يعثر المؤرخ والمؤلف في السيرة الذاتية على تلك المواد المفيدة الضرورية، التي لا يجدها في كتب التاريخ العرفي التقليدي، وحياة العباقرة الجليلة المليئة بالبطولات. (مسيرة حياة، ج 1/ 22 – 23).

ولعله أراد في بيان رأيه أن يرد على من تصور أنه يضيع وقته سدى في كتابة السيرة الذاتية، فيكشف عن أهمية ما يعرض له من أحداث ليبعث الهمة والعزيمة في نفوس أمته ووطنه « كان من الممكن أن يكبح عنان المؤلف الشعور بأنه يقدم على ارتكاب «بدعة تأليفية»، وأن الوقت الذي كان ينفقه في التأليف عن حياة المصلحين والمجددين وعباد الله الصالحين، وإبراز مآثرهم وجلائل أعمالهم، بدأ ينفقه في إطراء نفسه والتنويه بشخصه، ويضيع بذلك ساعات العمر، ويهيئ أسباب فضيحته ومعايبه، وإن كانت قد صدرت كتب ذات قيمة أدبية وتاريخية في هذا الموضوع بأقلام الكتاب والأدباء العرب المعروفين، يحتل فيها كتاب مؤلف سلسلة «فجر الإسلام»، «ضحى الإسلام»، «ظهر الإسلام» د. أحمد أمين بعنوان «حياتي»، مكان الصدارة والرجحان، الذي لا يتناول أحداث حياته وقصتها فحسب، بل يصور مجتمع عصره ومدنيته، ونظام التعليم والتربية فيه، وحياة مصر كلها في عهده، ولكنه لم يكن يقنع المؤلف - الذي عاش في البيئة الدينية الهندية – ويبعث فيه الهمة والعزيمة، وجود هذه الأمثلة. (مسيرة حياة، ج 1/ 24).>

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 185

53

الثلاثاء 29-يناير-1974

نزار قباني وقصته مع الشعر (٢)

نشر في العدد 2172

122

السبت 01-أكتوبر-2022

القرضاوي.. أديبًا

نشر في العدد 2152

73

الاثنين 01-فبراير-2021

وفاء لذكراهم (2152)