; أبي.. كما عرفته.. دعوته إلى العفة والفضيلة | مجلة المجتمع

العنوان أبي.. كما عرفته.. دعوته إلى العفة والفضيلة

الكاتب شيخة عبدالله المطوع

تاريخ النشر السبت 11-نوفمبر-2006

مشاهدات 66

نشر في العدد 1726

نشر في الصفحة 37

السبت 11-نوفمبر-2006

كلما جلستُ مُطرقة متأملة مسترجعة لحياتي التي عشتها في ظلّ أبي -يرحمه الله- وفي كنفه يلح عليّ سؤال، وأجد الإجابة ذاتها في كل مرة واضحة جلية.

 أتساءل: ترى ما الذي حاول والدي غرسه في طوال سنوات عمري الماضية، وما الشيء الذي أراد أن ينشئني عليه منذ نعومة أظفاري؟!

ولا أجد لسؤالي هذا إجابةً سوى أنّه كان أحرص ما يكون على أن يربينا أنا وأخواتي على الستر والعفاف والحشمة...

 كان دائمًا يقول عندما علمتُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشر من رزقه الله سبعًا من البنات فرباهن وأحسن تربيتهن أن يكن له سترًا من النار، طلبتُ ربي وابتهلتُ إليه أن يرزقني سبعًا من البنات الصالحات، فأوفي لي الكيل وتصدق علي بأن رزقني تسعًا من البنات.. فله الحمد والمنة.. وأرجو أن أكون قد وفقتُ في تربيتكن التربية الصالحة.

كان والدي- يرحمه الله- شديد الغيرة علينا، وكان يرى أنّنا كالجواهر المكنونة التي يجب أن يخبينها في أحفظ وأبعد ما يكون عن العيون، ولم تقتصر غيرته على بناته وحفيداته وقريباته، بل اتّسعتْ لتشمل جميع المسلمات، وكان إذا رأى تقصيرًا منهن في الحجاب والاحتشام لا تأخذه في الله لومة لائم في نصحهن وتوجيههن، وكنّ يحترمنه لمكانته بينهن، وعندما كنا نصاحبه في زيارته لذوي القربى وغيرهم كانتْ النِّساء إذا علمن بوجوده سارعن إلى إخفاء زينتهن، وتستعير بعضهن ما يحجب شعرها وجسدها خوفاً من تأنيبه واحترامًا له، وكم كنتُ أبهج لهذه المواقف ويزداد إعجابي بوالدي وأحمد الله أن رزقني أبًا مثله..

كانتْ دقته متناهية في هذه الأمور، وكان دائم التعليق على لباسنا حتى وإن كنا بين محارمنا، ويردد: «لباس المرأة المسلمة لا يصف ولا يشف»، حتى إنّي كنتُ أمازحه في سنواته الأخيرة عندما كان يشكو من ضعف بصره وقلة حيلته، ثم أفاجأ أنه ينصح ويرشد ويوجِّه من يراها قصَّرت في الاحتشام والستر فأقول: «يا ما شاء الله.. نظرك ٦/٦ إنّك ترى ما لا نراه نحن المبصرين، فيقول مبتسمًا: «شايفتني أعمى»!

 إنّ كل من وفقه الله لطاعته ورضاه يحرص على ستر وعفاف أهل بيته.. هذا أمر لا غرابة فيه ولكن مما يثير الدهشة والعجب أن يحافظ أبي على هذه الأمور ويحرص عليها في زمن هوجمت فيه الفضيلة، وانتشرتْ فيه الرذيلة، وأصبح الأغلب «وللأسف» يسعى للتخفف من الاحتشام والاحتجاب، وقد بلغني أن أخواتي في الستينيات حين أحرقت العباءة، وسادت الجاهلية، وانتشر التبرج والسفور كن رمزًا للعفة والطهارة، لم يتأثرن مع من تأثر، ولم يتبرجن مع من تبرج، بل التزمن الحجاب الشرعي، وكان يشار لبيت المطوع وبناته بالبنان.

في هذا الزمن، كان يريدنا أبي أن نكون كالنساء في زمنه وفي زمن الصحابة والتابعين، وكان يردد علينا قوله عائشة: «كنا إذا خرجنا من بيوتنا كنا كالغرابيب السُّود».

 ويكرِّر على مسامعنا قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ (الأحزاب:۳۳).

ويذكرنا بجداتنا بأنّ الواحدة منهن كانتْ إذا أرادت أن تتكلم مع أجنبي تضع الصّخرة في فمها حتى يثقل صوتها ولا تكن ممن قال فيهن تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ (الأحزاب، ۳۲).

ولا أنسى فرحتَه حين التزمتُ الحجاب الشرعي وعزمتُ على لبس النقاب «لأنّه كان يرى بوجوبه، وكان دائمًا يحرص عليه» أذكر أنّني فاجأته به فقال والسعادة تبدو على محياه: ابنتي.. هل لبسته من تلقاء نفسك؟ فقلت: نعم، فقام من مجلسه وقبل رأسي وانحدرت الدموع على خديه وقال: الآن أفخر بك عندما تمشين بجانبي، فقد كنتُ أستحيي أن يراكِ أحدهم كاشفة وجهك وأنتِ برفقتي.

مواقف كثيرة لا يسعني ذكرها إلا أنه -يرحمه الله- غرس فينا حب الستر، ونشأنا على الحشمة، فصار ذلك ديننا، ولن تألو جهدًا أنّ نربي بناتنا على ما ربانا عليه آباؤنا.

رحمك الله -يا أبي - رحمة واسعة، وأسأله تعالى أن يجعلنا عند حسن ظنك، ونكون أنا وأخواتي سترًا لك من النار... آمين.

الرابط المختصر :