; أبْ.. ديوان جديد للشاعر الكبير عمر بهَاء الدين الأميري | مجلة المجتمع

العنوان أبْ.. ديوان جديد للشاعر الكبير عمر بهَاء الدين الأميري

الكاتب أحمد لطفي عبد اللطيف

تاريخ النشر الثلاثاء 01-أكتوبر-1974

مشاهدات 111

نشر في العدد 220

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 01-أكتوبر-1974

يشكو شعر الدعوة الإسلامية في العصر الحديث من ناحيتين: أولاهما ندرة الشعراء الفحول، وثانيهما تجاهل وسائل الإعلام عامـــة لهذا الاتجاه من الشعر، وتقصير الصحافة الإسلامية خاصة في نشره، وإحاطته بما هو أهل له من العناية والدعاية والإخراج. ولعل ندرة الشعراء الفحول في هذا الاتجاه من الشعر، يرجع في سبب من أسبابه إلى إهمال الصحافة وتقصيرها نحوه. ومن شعراء الدعوة الإسلاميــــة الفحول في هذا العصر، شاعرنا الذي نتناول ديوانه الجديد «أب» في هذه الكلمات. وشاعرنا: عمر بهـــاء الديـــن الأميري، سوري نمته حلب الشهباء، وتغذى بزاد الدعوة الإسلامية وأفكارها السامية. ومما زاد في إطلاع شاعرنا وسعة أفقه، تقلده لمناصب عدة، فهو قـــد عمل مدرسًا للتاريخ والاجتماع، كمــا عمل في المحاماة، واشتـــرك في مؤتمرات عدة، كما عمل وزيــــــرًا وسفيرًا لبلاده، وأخيرًا فإنه يشغل الآن وظيفة أستاذ كرسي الإســـــلام والتيارات المعاصرة، بقسم الدراسات العليا في جامعة القرويين بالمغرب الأقصى. ولعل مما زاد شاعرنا تمسکًا بإسلامه وحماسًا له، اطلاعه علـــــى مناهج الغرب وحضارته عن كثب، أثناء دراسته للأدب وفقه اللغة في جامعة السوربون في فرنسا، فوزان وقارن وعرف البون الشاسع والفرق العريض الواسع، بين منهج الإســـــلام الرباني ومنهج الإنسان الأرضي. ونستطيع أن نقول أن مما زاد في تعلق شاعرنا بإسلامه العظيم، عمله سفيرًا لبلاده في باكستان أولًا، حيث لمس هناك مدى تعلق هذه الأمـة الهندية بإسلامها، ومدى احترامها لمن يمتون بصلة لبني الإسلام العربي، ثم عمله سفيرًا في السعودية، حيـــث شاهد ولمس مدى ما يؤمنه تطبيق أحكام العقوبات الإسلامية من أمـــن واستقرار، لمن يعيشون في جزيــــرة العرب المترامية الأطراف. وللأستاذ الأميري دواوين وبحوث مطبوعة، وأخرى مخطوطة، وبلغ ما أصدره من دواوين سبعة هي: 1- مع اللـه. 2- ملحمة الجهاد. 3- ألوان طيف. 4- من وحي فلسطين. 5- أشواق وإشراق. 6- ملحمة النصر. 7 - أب، وهو موضوع حديثنا فـــي هذه الأسطر، ومن أبحاثه المطبوعة: 1- الإسلام في المعترك الحضاري. 2- المجتمع الإسلامي والتيارات المعاصرة. ودیوان أب مجموعة من القصائد تتحدث في سمو محلق، وبیان رائــع عن البنوة والأبوة، وتصور هـذه العاطفة السامية التي أودعها الله -أرحم الراحمين- في قلب الأب، وتصور عبث الأبناء وصخبهم وضجيجهم، وصبر الأب عليهم واستمتاعه بمـــا يفعلون، وفرحه بهــــم إذ حضروا، وشوقه إليهم إذا غابوا، ثم هموم الأب نحو هؤلاء الأبناء صغارًا، حتى يشبوا وكبارًا حتى يستقيموا، ثـــم يصور رعايته لهم وتوجيهه لسلوكهم، وهل يقوى على كل ذلك ويوفق! ويدعو اللـه أن يأخذ بيدهم. وقد سما شاعرنا في قصائده سموًا كبيرًا، نراه وهو يتحدث عن أبنائه قد تحدث بلسان الآباء جميعًا، وحين وصف أبناءه وصف كل الأبناء، وهذا الذي وفق إليه الشاعر هو الأدب الذي يسمو إلى العالمية، أو هـــو الأدب الإنساني العالمي، ولعل كلمة العقاد الكاتب الكبير، عن قصيدة «أب» التي ترجمت إلى الفرنسية، تعطينا صورة صادقة عما وصل إليه الشاعر في عاطفته الإنسانية، مما يجعله فــي مصاف الشعراء الإنسانيين العالميين، يقول العقاد: «لو كان للأدب العالمي ديوان من جزء واحد، لكانت هــــذه القصيدة في طليعته» «١». وموضوع الديـــوان «أب» موضوع إسلامي، فقد اهتم الإسلام بالأسرة اهتمامًا بالغًا، وقد كان الرسول صلى اللـه عليه وسلم دائم الحث للمسلمين على رعاية أبنائهم ومداعبتهم وملاطفتهم، وكان في هذا المجال مثالًا لكل أب، وجعل اللــه -سبحانه- عبادته لا تتم، إلا بحسن معاملة الوالدين ورعايتهما. ولعل من المناسب هنا الإشارة إلى ما ابتدعه الغربيون، وقلدهم فيه غالبية المسلمين -حذو القذة بالقذة- فيما يدعونه بعيد الأم وعيد الأب وعيد الأسرة، ليتذكروا هؤلاء الذين نسوهم طيلة العام، في غمرة انشغالهم بأعمالهم، وعزتهم في متعهم، ولو كانت هـــذه الذكري ليوم واحد عابر، يعودون بعده إلى دأبهم في العقوق والنسيان، وقد غفل هؤلاء المقلدون عن أن الإســـــلام العظيم جعل العناية بالأسرة بجميــع أفرادها شأنًا يوميًا وعملًا تعبديًا. وشاعرنا أب لتسعة أطفــــــال، يرعاهم وينشئهم التنشئة الإسلاميــــة الصحيحة، وهو في قصائده في هـــذا الديوان يصور آماله وطموحه، ليراهم شبابًا مؤمنًا، يضع العقيدة الإسلامية فوق رأسه منارًا يهتدي به ويهدي، وفي إنجاب شاعرنا لهذا العدد من الأطفال، تعبير عملي من معارضتــه لدعاوى تحديد النسل، التي يــــروج لها أعداء الأمة الإسلامية، ودعوة لكل أب مؤمن أن يكثر من نسله، استجابة لدعوة الرسول -صلى اللـه عليـه وسلم-: «تكاثروا، تناسلوا فإني مباهٍ بكم الأمم». ويتبدى اهتمام شاعرنـــا بهــذا الديوان، في حرصه على كتابة قصائده جميعًا بخط يده، حتى لا يعتريها التصحيف والخطأ الذي تقع فيه المطابع، كما يتبدى ذلك في روعة الإخراج الذي قامت به دار القرآن الكريم: كمــا يظهر هذا الاهتمام في الملحق الــــذي أثبته الشاعر في آخر الديوان، حيــث فسر الكلمات التي يخشى أن تــؤدي معنى غير الذي قصده في الأصل. ومن مظاهر اعتزاز شاعرنا بإسلامه، اعتزازه باللغة التي أنزل بها، فعلى الرغم من شيوع الأرقام الهندية في كتابة العربية منذ زمن بعيد، فهــو يصر على كتابتها بالصورة العربيـــة التي تستعملها أوروبا اليوم، إذ إن هذه الأرقام التي تستعملها اللغـــات الأوروبية اليوم عربية الأصل، وهــذا الاعتزاز باللغة العربية، يتبدى فـــي التزامه بنهج القصيدة العربية مـــن حيث الوزن والقافية ،وعزوفه عــــن توافه الشعر المعاصر، حيث أهملت القافية أولًا ثم أهمل الوزن، ومع ذلك بقي المزيفون يدعون ما یهرفون بــــه شعرًا. لا نستطيع أن نفي شاعرنا الكبير وأدبه السامي في العجالة حقه، كما لا نستطيع أن نلم بكل ما في دیوانه الجديد من روعة وسحر، إذ لا بد لمن أراد ذلك أن يقرأ الديوان مرة ومرة، فهو كلما قرأه ازداد طربًا وتذوقًا. ولما كنا نقدم هذا الديوان للقارئ، كان لا بـــد لنا أن نعرض أمامه نماذج منه، رغم إنها لا تغني عن غيرها: يتحدث الشاعر في قصيدته «براء» مصورًا تجاوز الأهل عن كل ما يفعل الصغير، بل استحسانهم منه مــــن يستقبحون من غيره، وأي أب لا يفعل هــــذا؟!: الأهل أنـــت أنيسهـــــم لــك في قلوبهم رحــــاب مهما أتيـت فـــلا جنـــاح ولا ملام ولا عتـــــــاب كـــــم ذا بللت ثيابهــم بل كــــم تخطيــت الثيــاب فتضاحكــــوا وتلاثمـــوك كأن فعلتــــك الصــــواب! وفي نفس القصيدة يوصي ابنه: أبـــــراء هـــذا الدهــر مـــن صفـــو ومــن كــدر يشــاب فاصبــر إذا شـــد الزمـــان عليــك في ظفــــر ونـاب وأشكــــر إذا بسمـــــت لـك الأيــام، وانقشـع السحاب جانــب بحاليــك التغالـي والتمس حســــن المــــآب واحـــرص على التقــوى تفز فمـــــال دنيانــا تــراب واستمع إليه يودع أطفاله ويعلل بكاءه بعد مغادرتهم في قصيدة «أب»: دمعـــي الذي كتمته جلـــدًا لما تباكــوا عندمــا ركبـوا حتـــى إذا ســـاروا وقد نزعوا من أضلعـــي قلبــًا بهـم يجـب ألفيتني كالطفـــل عاطفــــة فإذا به كالغيـــث ينسكــب قد يعجـــب العـــذال من رجل يبكي، ولو لــم أبك فالعجب هيهــــات ما كل البكا خــــور إني، وبي عــزم الرجال، أب بارك اللـه لشاعرنا في ولـــده، وبارك له في علمه وأدبه، ووفقه لخدمة دينه، وجعله في الأواخـــــر مثل حسان في الأوائل. أحمد لطفي عبد اللطيف 1- سبق أن نشرت قصيدة «أب» في ديوانه «ألوان طيف»، ولعل العقاد اطلع عليها في هذا الديوان.
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 9

121

الثلاثاء 12-مايو-1970

دعوة الحق: اللَّه أكبر (شعر)

نشر في العدد 11

122

الثلاثاء 26-مايو-1970

في رثاء الشهيد باعبّاد