; أثر الإسلام في التربية | مجلة المجتمع

العنوان أثر الإسلام في التربية

الكاتب رجاء حنفي عبد المتجلي

تاريخ النشر الثلاثاء 06-يناير-1976

مشاهدات 120

نشر في العدد 281

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 06-يناير-1976

إن رسالة الإسلام رسالة إيمان وعقيدة، ثم سلوك وأخلاق، تهدف أول ما تهدف إلى تربية النفوس تربية صحيحة قويمة، وتنشئتها على مبادئ الحق والخير، وتكوين المجتمع القوي الذي يتمسك بهذه المبادىء، ويستطيع حمل لوائها ودعوة الناس إليها .

ولقد جاهد الرسول صلوات الله وسلامه عليه في هاتين الناحيتين، فغرس في نفوس أصحابه حب الله تبارك وتعالى وحب رسوله الكريم، وجعلهم يتخلقون بأخلاق القرآن الكريم. 

وإن الناظر في سيرة أصحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- الذين كونوا أول جيل اعتنق الإسلام وآمن بالدعوة فور ظهورها ليجد أنهم كانوا لا ينافقون المشركين ولا يجاملونهم على حساب دينهم وعقيدتهم، بل وقفوا موقف الحزم والجهاد ضد أعداء الإسلام ومبادئه، وتحملوا في سبيل ذلك العديد من ألوان الظلم والأذى وما إلى غير ذلك من وسائل التعذيب، فاضطهدوا وحوربوا، ولم يزحزحهم ما واجهوه عما اعتنقوه قيد أنملة، بل ضحوا في سبيل ذلك بكل ما يملكون من أموال وممتلكات، وبذلوا أرواحهم رخيصة.

لقد كان اعتناق الإسلام والانطواء تحت رايته نقطة تحول جذرية بالنسبة لكل فرد دخل فيه، فتبدلت حياته وتغيرت، واختلفت اختلافًا كليًا عن حياته السابقة، في العقيدة، وفي السلوك والأخلاق، وفي التفكير، وانطبق عليه وصف الحــکیم القدير: ﴿ أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام: 122) وهذا التحول وذاك التغير لم يكن من قبيل المعجزات أو خوارق العادات، وإنما كان نتيجة حتمية أملاها تأثير الدعـوة الإسلامية في النفوس، وثمرة طيبة نتجت عن تربية نفوسهم وتهذيبها بتعاليم الإسلام الرفيعة على يد الرسول صلوات الله وسلامه عليه. 

وهذه التربية لو وجدت في أي بيئة من البيئات أو في أي جيل من الأجيال لكان لها نفس النتائج ونفس الثمار، فالعقيدة المتمكنة في نفس المؤمن كفيلة بإحداث التغيير في نفسه، وتحويل مجرى حياته وسلوكه وأخلاقه إلى الأصلح والأفضل. 

لقد كان من أهم أهداف الدعوة الإسلامية القضاء التام على الوثنية والشرك، وإزالة آثارهما من النفوس والمجتمعات، لأن الوثنية مناهضة للتفكير والعلم والنور والحرية، وعدوة التقدم والتجدد والازدهار، فلا توجد الوثنية إلا حيث يوجد الجمود والتأخر والجهل، ويخيم الظلام على حياة الناس وعلى تفكيرهم، ولا يكون شرها مقصورًا على ناحية العقيدة الباطلة والعبادة الخاطئة، بل يتعداهما ويمتد حتى يشمل كل نواحي التفكير والسلوك عند الإنسان، فتفسد عليه حياته وفطرته وضميره، وتتحكم فيه الخزعبلات والأباطيل التي يفرضها عليه سادته من الكهان والسدنة، رغبة في إرضاء أربابهم وآلهتهم المزعومة. 

وأول تأثير يحدثه الإسلام في النفس البشرية هو ردها إلى طبيعتها النقية الصافية التي خلقها الله -عز وجل- عليها، وهي التوجه إلى المولى تبارك وتعالى والاحتماء به والاعتماد التام عليه، وهذه الفطرة في حد ذاتها لها خاصية الانتقال السليم عبر الأجيال، ولا يدنسها ويشوهها إلا ما يشوبها من أنواع السلوك المنحرف والطرق الخاطئة لإشباعها، فكل مولود يولد على الفطرة ثم يتأثر بعد ذلك تأثيرًا سيئًا أو حسنًا بعوامل التربية والبيئة والسلوك. 

إن الأخلاق أهم عنصر في تكوين الفرد المثالي، والأسرة السليمة، والمجتمع الفاضل، والدولة الراقية، والأخلاق القويمة هي التي تعصم المجتمعات من الانحلال والضياع، وهي أساس التغيير ودعامته، كما نص على ذلك القرآن الكريم قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ﴾ (الرعد: 11)، فلا عجب إذا وجدنا الإسلام يعتني قبل كل شيء بتربية النفس وتهذيبها، لتقف جنبًا إلى جنب مع الدساتير في حماية المبادئ والمحافظة عليها. 

والمبادئ والقيم لا تؤتي ثمارها ولا تكون ذات قيمة وذات أثر فعال في النفوس حتى تتمثل في سلوك خلقي رفيع، يراه الناس ويلاحظونه في شخص من يدعو إلى هذه المبادىء والقيم، فيقتدون به ويترسمون خطاه، لأن التطبيق العملي يكون ذا أثر عميق في الدعوة إلى المبادئ وغرسها في النفوس أعمق من مجرد النصح والإرشاد بالكلمات. 

وخير من تتمثل فيه القدوة الصالحة والأسوة الحسنة هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقد كانت أعماله تطبيقًا لأقواله، وكان سلوكه صورة حية لدعوته، ذلك لأنها تربية الله -عز وجل- وإعداده وتأديبه، وقد بلغ غاية الكمال البشري في أخلاقه ومعاملاته، وصدق تبارك وتعالى حيث يقول: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ -(القلم: 4) - و: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ -(الأحزاب: 21). 

إن الفضائل هي الترجمان الصحيــح للعقيدة، وهي التعبير الحي عن الإيمان، فالإيمان الحق هو الذي يتبلور في العمل الصالح وفي التطبيق العملي، وإلا كان ادعاء لا دليل عليه ولا يقام له وزن عند الله -عز وجل-، فارتكاب المنكرات والسلوك الخاطئ لا يعد إجرامًا في حق المجتمع أو الدولة التي يعيش فيها الفرد فحسب، بل وفي حق العقيدة والإيمان أيضًا.

ولقد سار الرسول- صلى الله عليه وسلم- مجال التربية على الخط الذي رسمه الله -عز وجل- في كتابه الكريم، ونجد هذا التوجيه الرباني في أوائل سور القرآن الكريم نزولًا، مثل قوله جل شأنه : ﴿ فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا الْحَدِيثِ ۖ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ*وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ -(القلم: 44-45)- وقوله جل وعلا: ﴿ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا* وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ (المزمل: 10-11) وقوله تبارك وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ*قُمْ فَأَنذِرْ*وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ*وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ*وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ*وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ*وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ (المدثر: 1--7). 

ففي هذه الآيات الكريمة نجد المنهج الذي حدده القرآن الكريم لسير الدعوة، ولعلاقة المسلمين بالمشركين المعاندين، وهذا المنهج يتمثل في الأمر بتبليغ الرسالة، والصبر على كل الصعاب والعقبات التي تعترض سبيل تبليغها، والتخلق بجميل الصفات، وترك المكذبين لله -عز وجل- ليتولى هو حسابهم وعقابهم «1». 

وكان الرسول صلوات الله وسلامه عليه رغم إيذاء المشركين له ومحاربتهم لدعوته يصبر على كيدهم، ويطيع فيهم قول الحق جل وعلا: ﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (الروم: 60)، وإن كان بعض المسلمين كان يجد في نفسه مشقة في اتباع منهج الصبر، والتحمل والعفو عن المشركين.

وظل الرسول -صلى الله عليه وسلـــم- طوال العهد المكي يربي أصحابه على هذا المنهج، ويأمرهم بأن يصلوا بعيدًا عن أعين المشركين في شعاب «مكة»، وقد تميز المسلمون إبان هذه الفترة بالحلم وضبط النفس، مع أن حوادث التعذيب كانت كافية لإثارتهم، وما دخل ذوو البأس والشدة تحت راية الإسلام إلا استجابة لتوجيه الرسول -صلى الله عليه- وسلم وحسن التأثر بتربيته.

وفي العهد المكي وضع الإسلام القوانين الكلية التي تقوم عليها حياة الفرد والجماعة، وغرس الرسول عليه الصلاة والسلام في نفوس أصحابه المبادئ التي دعا إليها القرآن الكريم، وأعدهم للنهوض بالرسالة قبل أن تقوم دولة الإسلام بزمن ليس بالقصير: ﴿ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ*وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ*وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ*وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ*إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ*وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (الشورى: 38-43). أي كان هذا قبل أن يؤمر المسلمون بقتال الكافرين المعتدين. أما بعد فريضة الجهاد فإن الكافرين المعتدين يلقون عقابهم على أيدي المؤمنين. ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ (التوبة: 14). ثم ينقلبون إلى سوء المصير.

وهذه الآيات التي تتحدث عن هذه الصفات قد نزلت بـ «مكة»، ومثلها الآيات المذكورة بعد من سورة النحل، والتي تضع الأساس لدستور الأمة الإسلامية في سلوكها ومعاملاتها: 

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ*وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ*وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (النحل: 91-92-93).

إن الدين الاسلامي دعوة عالمية، تهدف إلى تأليف القلوب وتوحيد الشعور، وجعل الدين الحنيف دينًا واحدًا في جميع الأمم، وهو عقيدة التوحيد والإيمان بالله -عز وجل- وملائكته وكتبه ورسله من غير تفرقة.

ولقد وحدت التربية الإسلامية بين المؤمنين من جميع الأمم، وجعلتهم جماعة واحدة في مواجهة قوة الشرك والإلحاد، وأقامت العقيدة مكان العصبية، وهذا هو الطريق إلى توحيد الانسانية جمعاء.

                                                           محمد رجاء حنفي عبد المتجلي 

                                                           صندوق بريد: ۲۰۷۷- القاهرة

الرابط المختصر :