العنوان أثر علوم الحديث في بناء الحضارة الإسلامية
الكاتب عبدالرحمن رمضان
تاريخ النشر الأربعاء 02-فبراير-2011
مشاهدات 60
نشر في العدد 1939
نشر في الصفحة 59
الأربعاء 02-فبراير-2011
تناولنا في الأعداد الماضية الحديث عن نشأة علوم الحديث والأطوار التي مرت بها وفي هذا اللقاء سنتعرف سويا على أثر علوم الحديث في بناء الحضارة الإسلامية.
وذلك أن أي حضارة في الدنيا قامت على محور دارت عليه وبنيت أركانها وشيدت أسسها عليه، كالحضارة الغربية التي قامت على تقديس المادة قديما وحديثا، والحضارة الإسلامية كان المحور الأساس الذي بنيت عليه هو النص، فقد عنيت الأمة ممثلة في علمائها بالنص الشريف الإلهي عناية فائقة، وابتكرت من العلوم لصيانته ما لا يحصى كثرة، فهناك علوم الآلات التي وضعت لحماية النص من التحريف؛ كعلوم النحو والصرف والأصول والبلاغة وعلوم مصطلح الحديث، وهناك علوم الإفهام والتفهيم كالفقه والتفسير، فضلا عن العلوم الأخرى التي كان المقصد الأول منها خدمة النص.
وعلم «مصطلح الحديث»، يختلف عن بقية العلوم التي ابتكرتها الأمة لخدمة النص؛ وذلك لأنه يعتبر هو المعبر الأول الذي نستطيع من خلاله أن نتثبت من صحة النص، فنقبله أو نرفضه، وإذا دخل النص في حيز القبول جاء دور بقية العلوم.
ومن هنا عنيت الأمة به أيما عناية وامتد أثره في حضارة الأمة، وبدأ يتغلغل في منظومة العلوم الإسلامية، فانتقل من حيز التثبت في الرواية إلى نقل القراءات القرآنية، وأحكام القراءة والتجويد، وأصبحت القراءات تنقل بالأسانيد، حتى إن الإمام ابن الجزري جمع للقراءات العشر أكثر من ألف طريق من كتابه «طيبة النشر في القراءات العشر».
وكذلك أصبحت كتب التاريخ تروي الوقائع والأحداث بالأسانيد كما فعل الطبري في تاريخ الرسل والملوك»، وكذلك الروايات التفسيرية راح الطبري يجمع ما عن له من أقوال الصحابة والتابعين في تفسير القرآن، ثم نقله بأسانيده عن شيوخه عن هؤلاء الصحابة والتابعين، بل وكتب الأدب عنيت بذلك أيضاً، كما عند ابن قتيبة في «عيون الأخبار»، وأبي الفرج الأصبهاني في «الأغاني»، وكذلك امتد الأمر إلى كتب الفكاهة والمزاح، كما فعل أبو الفرج ابن الجوزي في «أخبار الحمقى والمغفلين» حين ساق تلك الأخبار بالأسانيد.
ومن خلال ذلك يتضح الأثر العظيم الذي أحدثته علوم الحديث في منظومة العلوم الإسلامية، حتى صار الإسناد سمتاً عاما ساريا في سائر فنون الشريعة وعلومها وآدابها، يحرص عليه أرباب العلوم مهما اختلفت مناحيها.
يقول الشيخ أحمد شاكر في تقدمته ل جامع الترمذي (1/73): ولو ذهب الباحث المتثبت يطبق قواعد الرواية في كل مسألة لا إثبات لها إلا صحة النقل فقط، لاتته ثمرتها، الناضجة، ووضع يده على الخبر اليقين.
قلت: ومما هو جدير بالذكر أن التوثيق انتقل من المرويات إلى الكتب التي ألفها الناس الخدمة النص الشريف، ونشأ علم قائم بذاته يسمى بــ «الأثبات والمسانيد»، وأصبحنا لا نقرأ كتاباً إلا بعد التأكد من نسبته إلى صاحبه نسبة صحيحة بالسند المتصل، وقد رأينا العلماء الكبار يذكرون أسانيدهم إلى الكتب التي سمعوها وقرؤوها كالحافظ ابن حجر الذي صنف كتابا بعنوان «الفهرست» وابن خير الأشبيلي والشوكاني وغيرهم من الحفاظ الكبار.
وبهذا يتضح أن الإسناد الذي هو ثمرة من ثمار علوم الحديث امتد أثره في شتى النواحي العلمية للحضارة الإسلامية، وأصبح خصيصة من خصائص الأمة الإسلامية، لا يشارك المسلمون فيها غيرهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل