العنوان أجهزة الأمن والامتحان الصعب
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-يوليو-1980
مشاهدات 103
نشر في العدد 491
نشر في الصفحة 8
الثلاثاء 29-يوليو-1980
- حديث ولي العهد رئيس مجلس الوزراء خطوة إيجابية لبناء جسر من الثقة مع المواطنين
- التناقض في تصريحات المسؤولين هيأ الجو للأقاويل والإشاعات
- العدل والمساواة في تطبيق القانون شرط الأمن والاستقرار وبالشكر تدوم النعم
- حوادث الإخلال بالأمن الأخيرة عرضت السياسة الأمنية للامتحان
لم يعد خافيًا أنه بسبب حوادث الاخلال بالأمن التي تتابعت في الفترة الأخيرة، بات الناس في حيرة وقلق وخوف، فالناس هنا لم يتعودوا على مثل هذه الحوادث. كما لم يعرفوا الأسباب الحقيقية الكامنة وراءها، وطبيعي في مثل هذا الجو أن تسري الشائعات والأقاويل حول تفسیر حوادث الإخلال بالأمن ولو كانت نسجًا من خيال أو مجرد نفثات من شيطان.
وقد تعرضت السياسة الأمنية والجهاز الأمني بسبب ذلك الى امتحان عسير. فأجهزة الأمن إما إنها قاصرة أو متهاونة أو إنها تخفي الحقيقة عن المواطنين. وفي جميع هذه الحالات فإن الثقة بين المواطنين والأجهزة الرسمية تتعرض لهزة كبيرة. والحقيقة أن هذه الثقة أصبحت شبه معدومة باعتراف أكثر من طرف مسؤول.
ولعل التناقض بين التصريحات بين المسؤولين، هو من أهم أسباب انعدام الثقة بكل شيء رسمي على حد تعبير وكيل وزارة الكهرباء والماء. فبعد أن قرأ المواطنون تصريحًا للسيد وزير الخارجية أكد فيه على أن المخاطر كامنة في الداخل وليست من الخارج، خرج عليهم وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء معلنًا أن كل ما يقال بخصوص حوادث الإخلال بالأمن الأخيرة مجرد إشاعات لا أساس لها من الصحة.
وفي نهاية الاسبوع الماضي تكلم ولي العهد رئيس مجلس الوزراء إلى قادة الشرطة ومسؤولي وزارة الداخلية بصراحة قائلًا: «الكويت وجميع دول المنطقة شئنا أم أبينا معرضة لمخطط خلق الكثير من المتاعب والقلاقل. ومن يتابع الأحداث ويربط بينها يصل لقناعة بأن الكويت ليست بعيدة عن هذا المخطط».
كما ذكر بأن سيارة محملة بالأسلحة قد تم ضبطها وأن سيارات أخرى تسللت!! وهذا الحديث الصريح لولي العهد وإن جاء متأخرًا، إلا إنه لقي ارتياحًا وتجاوبًا من المواطنين الذين كانوا في انتظار قول فصل من المسؤولين. خاصة في جو الإشاعات والأقاويل وجو الحيرة والقلق بسبب حوادث الإخلال بالأمن، وهو يعتبر خطوة إيجابية على طريق بناء جسر من الثقة بين المواطنين والمسؤولين.
وتأتي أهمية حديث ولي العهد من حيث كونه نقدًا ذاتيًّا من واقع المسؤولية والدراية الدقيقة بأحوال أجهزة الأمن والقائمين عليها..«فالنقص في أجهزة وزارة الداخلية ليس هو السبب الرئيسي لجعل الجميع يستهتر بالقوانين».
بل إن هناك «بعض التهاون من بعض المسؤولين» ولا يوجد الإحساس الكامل بالمسؤولية.. والتسيب الإداري للحقيقة ليس مشكلة أجهزة الأمن فحسب بل مشكلة الدوائر الحكومية بشكل عام، وهذا يمكن علاجه من خلال إصلاح إداري شامل.
ولكننا نعتقد مع ولي العهد أن التهاون ومعيار «هذا ولد فلان او ابن علان» هو السبب الحقيقي وراء الاستهتار بالقانون .
إن التسلح بالمنصب لظلم الناس أو محاباتهم أو التستر على المجرمين والعابثين والمتجاوزين لحدود القانون والأدب.. مظهر يجب أن توضع له نهاية وإلا فإن تحديث جهاز الأمن فنيًّا وبشريًّا لن يفيد شيئًا. لقد حدثت حالات تجاوز للقانون في النواحي الأمنية والأخلاقية كثيرة والمسؤول عنها هم بدون شك مسؤولو أجهزة الأمن؛ ولذلك لابد من تطهير العمل في الجهاز الأمني من معيار التمييز بين الناس بسبب العائلة أو المركز أو العصبية. كما يجب عدم التهاون مع مخالفي القوانين أيًّا كانوا.. كما يجب كشف العابثين بالأمن وإطلاع المواطنين على ذلك باستمرار و إخلاص فالتمييز بين الناس أمام القانون بسبب الجنسية أو المركز الإجتماعي أو العائلي معيار متخلف إنسانيًّا ودينيًّا ومرفوض حضاريًّا.. وقد نبهنا الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك وحذرنا من أن هلاك الأمم السابقة كان بسبب أنهم «إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد» وهذا مطلب أساسي وملح يجب الإسراع في الالتفات إليه وتطبيقه لتتحقق الهيبة للقانون ويسود العدل بين الناس.
وهكذا فإن ما طالب به ولي العهد من تطوير أجهزة الأمن فنيًّا و بشريًّا وإداريًّا وإقامة العلاقة فيما بينها وبين المواطنين على أساس الاحترام والثقة المتبادلة وتطبيق القوانين على المواطنين والمقيمين وعدم التهاون في ذلك.. لیست أکثر من ترجمة صحيحة لمطالب شعبية قديمة.
وما هو مطلوب الآن هو الإسراع بترجمة هذه المطالب إلى أفعال وبأقصى سرعة ممكنة.
وإذا كان ثمة ملاحظات حول السياسة الأمنية فإن ما يجب الالتفات إليه هو أنه عند تطبيق بعض بنود السياسة الأمنية الجديدة المتشددة كتسفير الفئات التي تجاوزت الهدف من وجودها في الكويت للقيام بأعمال تخل بالأمن.. أن يقتصر هذا الإجراء على من يثبت بحقه ذلك قضاءً وتحقيقًا.
كما لابد من الإشارة كذلك إلى أن العدل بين الناس هو شرط الأمن والاطمئنان. ولتحقيق ذلك مثلًا لابد من تطبيق العدالة على المواطنين والمقيمين على حد سواء دون أي اعتبار لحسب أو نسب. ومع ذلك فنحن ندرك أن تحقيق المطالب السابقة جميعًا لن يقضي على حوادث الإخلال بالأمن ما لم يشارك المواطنون مشاركة فعالة في حفظ الأمن مع الأجهزة المسؤولة.
وتتحقق هذه بعودة الحياة النيابية والمشاركة في اتخاذ القرار السياسي والأمني من جهة.. وبناء جسر من الثقة بين المواطنين والأجهزة الرسمية من جهة ثانية.
هذه المطالب والإصلاحات إن تحققت فستكون الكويت، كما قال ولي العهد، بلد الامن والاطمئنان. ويجب ألا ننسى في جو الحيرة والقلق من أن الأمن والاستقرار نعمة من الله يمن بها على عباده المؤمنين ما أقاموا الدين وشكروه جل جلاله حق شكره. ولنتذكر جميعًا ما ضرب الله من مثل في كتابه العزيز إذ يقول سبحانه:
﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا قَرۡيَةٗ كَانَتۡ ءَامِنَةٗ مُّطۡمَئِنَّةٗ يَأۡتِيهَا رِزۡقُهَا رَغَدٗا مِّن كُلِّ مَكَانٖ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ﴾
(النحل ١١٢)
نرجو االله أن يردنا لدينه لننعم بالأمن والاستقرار والرخاء والطمأنينة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل