العنوان أحبك..!!
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر الجمعة 24-فبراير-2012
مشاهدات 85
نشر في العدد 1990
نشر في الصفحة 58
الجمعة 24-فبراير-2012
كثيرًا ما نتكلم عن الحب ونستعذب أحاسيسه وأسراره، وقد نضعه في سياقه الصحيح، وربما يخرج به البعض عن مضمونه وجوهره، فيشوه جماله، ويفسد طعمه.
بيد أن هناك كيانا نسيناه - أو تناسيناه في عالم الحب - وهو يستحق منا عظيم حبنا، وربما عرف بعضنا حقيقة هذا المحبوب وأعطاه ما يستحق من حب، ولكن البعض الآخر ربما تغنى به وكلماته لا تجاوز الحناجر والشفتين، بل ربما لاك ذلك بلسانه لمصلحة شخصية، وهذا ما فعله فرعون الطاغية الظالم المتأله، فقد سجل له القرآن الكريم إثارته لقومه على موسى وما جاء به من الحق، فخاطبهم قائلًا: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34)﴾ (الشعراء).
ولما ترك المهاجرون الديار والوطن، وصبروا على فراق بلدهم كافأهم ربهم لتركهم ما أحبوه من أجله سبحانه، وفضلهم وقدمهم على الأنصار برغم ما للأنصار من فضل عظيم، وهذا يؤكد مكانة الوطن ووجوب حبه، قال تعالى: ﴿ ِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8)﴾ (الحشر).
وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ دعا على من أخرجه من أرضه ووطنه، قال: ﷺ «اللهم العن شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، كما أخرجونا من أرضنا»؛ وذلك يدل على حبه ﷺ لوطنه.
• هل وطنك هو مسقط رأسك؟
يجيبك عن هذا السؤال ابن المبارك: «من أقام في مدينة أربع سنين فهو من أهلها».. ولذلك لما هاجر النبي ﷺ من مكة إلى المدينة دعا ربه أن يرزقه حب المدينة وطنه الجديد فقال: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا لمكة أو أشد» (رواه الشيخان)
فالدعاء تعبير صادق عن مكنون الفؤاد، لا يشوبه كذب ولا نفاق؛ لأنه بين العبد وربه وأحاديث النبي ﷺ في ذلك كثيرة، ومنها قوله: «اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة» رواه البخاري ومسلم)، ودعاؤه: «اللهم بارك لنا في تمرنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدنا، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك وإني عبدك ونبيك، وإنه دعاك لمكة، وأنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعا لمكة ومثله معه» (رواه مسلم).
ولا يقتصر مفهوم الوطن على الأرض والجدران، وإنما يمتد ليشمل الناس وكل ما يحيط بالبيئة سواء من صنع الله عز وجل، أم بجهد من الإنسان فيشمل: المصادر الطبيعية، والدين، واللغة، والعادات والتقاليد، والقوانين، والمياه، والحدائق، وخيرات الأرض على سطحها وفي باطنها.
وهذا أمير الشعراء يوسع مداركنا المفهوم الوطن بشموله، فينشد:
ولست أدري سوى الإسلام لي وطنًا *** الشام فيه ووادي النيل سيان
وحيثما ذكر اسم الله في بلد *** عددت أرجاءه من لب أوطاني
حب الوطن من الإيمان
إن حب الوطن جزء لا يتجزأ من عقيدة المؤمن، لذا وجدنا جميع الأنبياء يحبون أوطانهم، وحسبي في هذا السياق أن أستشهد بثلاثة من الأنبياء في هذا المجال، وهم: إبراهيم وموسى ومحمد عليهم صلوات الله وسلامه.
إبراهيم عليه السلام وحب الوطن
لما أوحى الله تعالى إلى إبراهيم أن يسكن زوجته وولده بمكة، صارت مكة وطنًا لإبراهيم وذريته، وهنالك دعا إبراهيم ربه فقال: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)﴾ (إبراهيم).
ويظهر حب إبراهيم الغامر لهذا الوطن في دعائه ربه في آية أخرى بأن يرزق هذا الوطن أهم مقومين للسعادة، وهما الأمن والرزق وقد أثبت القرآن ذلك، ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ (البقرة: ١٢٦).
ولما كان الأمن حاجة وضرورة أساسية من ضرورات الحياة؛ فقد شدد الله تعالى على من يفسدون في الأرض بترويعهم للناس وقتلهم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33)﴾ (المائدة)، فهل هناك أشد من هذه العقوبة؟!
وموسى عليه السلام محب لوطنه
هذا كليم الله موسى عليه السلام يحن إلى وطنه بعد أن خرج منه، قال تعالى ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29)﴾ (القصص)، قال ابن العربي في «أحكام القرآن»: لما قضى موسى الأجل طلب الرجوع إلى أهله: وحن إلى وطنه، وفي الرجوع إلى الأوطان تقتحم الأغرار، وتركب الأخطار، وتعلل الخواطر.. هكذا تحمل موسى الأخطار مع أنه تزوج ابنة شعيب، وعاش معها وأهلها سعيدًا، إلا أن ذلك لم ينسه وطنه والحنين إلى العودة إليه.
ومحمد ﷺ يعلمنا حب الوطن
فقد روي عنه ﷺ أنه عند هجرته نظر إلى مكة قائلًا: «ما أطيبك من بلدة، وأحبك إلي ولولا أن قومك أخرجوني ما سكنت غيرك».
أقوال العلماء في حب الوطن
يقول الجاحظ: «كانت العرب إذا غزت أو سافرت حملت معها من تربة بلدها رملًا وعفرًا تستنشقه».
ويقول الغزالي: «والبشر يألفون أرضهم على ما بها، ولو كانت قفرًا مستوحشًا، وحب الوطن غريزة متأصلة في النفوس، تجعل الإنسان يستريح إلى البقاء فيه، ويحن إليه إذا غاب عنه، ويدافع عنه إذا هوجم، ويغضب له إذا انتقص».
ويقول الشيخ محمد شاكر: «إياك أن تظن أن تقوى الله هي الصلاة والصيام ونحوهما من العبادات فقط.. إن تقوى الله تدخل في كل شيء، فاتق الله في عبادة مولاك، لا تفرط فيها، واتق الله في إخوانك، ولا تؤذ أحدا منهم، واتق الله في بلدك، لا تخنه، ولا تسلط عليه عدوًا واتق الله في نفسك، ولا تهمل صحتك ولا تتخلق بسوء الأخلاق».
بين الوطن والوطنية
لعل مفهوم الوطن قد اتضح مما سبق، ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: ما المقصود بالوطنية؟
الوطنية - عزيزي القارئ - صفة أو عاطفة تعبر عن ولاء صاحبها لبلده، والمقصود هنا أن يقوم المرء بواجباته نحو وطنه كما شرعها الله عز وجل، وهذا يقتضي أن يحب المرء وطنه، وأن يتعلق به فيحرص على أن يعيش فيه، فإن اضطر للخروج منه لظروف إرادية أو غير إرادية فينبغي ألا يفارقه الحنين إليه لحظة، وأن تتملكه الرغبة دائما في العودة إليه، وهو في حالة حضوره بالوطن أو غيابه عنه يدافع عنه ويضحي من أجله بالغالي والثمين، ويزود عنه محافظًا على مقدراته ومقدساته.. وهكذا كان بلال رضي الله عنه، يتمنى الرجوع إلى وطنه مكة، وفي شوق دائم وحنين جارف إلى العودة إليه.
متطلبات حب الوطن
1- إذا غبت فاسأل عنه:
فالحبيب إذا غاب عنه حبيبه تاق إلى معرفة أخباره، فيسأل عنه القادم منه، ويتلمس أخباره دقها وجلها، فهذا رسولنا الحبيب ﷺ يأتيه أصيل الغفاري من مكة إلى المدينة، فيسأله: «يا أصيل، كيف عهدت مكة؟»، فيجيبه؛ عهدتها قد أخصب جنابها، وأبيضت بطحاؤها.. فقال: «حسبك يا أصيل، لا تحزنا»، وفي رواية أخرى أنه قال له: «ويحك يا أصيل دع القلوب تقر قرارها».
2- الحفاظ على أرضه واستثمارها:
وذلك يتحقق بالدفاع عنها، والجود بالمال والنفس من أجلها، واستثمار ما في باطنها من خيرات ومعادن وزراعتها، فأي بشر لا يزرعون أرضهم لا يملكون قوتهم، ومن ثم لا يملكون قرارهم، ويحدد غيرهم مصيرهم، ولا سيادة لهم، ولذلك نظم الإسلام امتلاك الأرض، ووضع أحكامًا لاستثمارها والحفاظ عليها؛ لأنها من أهم مقومات الحضارة، وشجع على زراعتها حتى في أصعب الظروف، وحسبي في ذلك أن أستشهد بهدي النبي ﷺ في ذلك، إذ يقول: «إذا قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل».
3-تحقيق الترابط بين أبناء الوطن:
وسبيل ذلك التعليم، فهو من أهم مقومات التقدم والحضارة، ولن تستطيع أمة أن تتحضر إلا بالتعليم؛ لذا وجهنا الشرع الحنيف إلى ذلك، فأول كلمات الوحي هي «اقرأ»، كما شرف الله آلة الكتابة، فقال سبحانه: ﴿ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1)﴾ (القلم).
ولما أراد النبي ﷺ أن يؤسس الدولة بالمدينة حرص على نشر التعليم، فجعل فدية من يعرف القراءة من أسرى «بدر» أن يعلم عشرة من المسلمين، وكان يعلم وفود البلاد التي تقدم عليه، ويأمرهم بالرجوع إلى بلادهم ليعلموا من خلفهم، فعن مالك بن الحويرث لما قدم على رسول الله شابًا ومعه بعض الشبيبة قال: أقمنا نحوًا من عشرين ليلة، وكان رسول الله ﷺ رحيمًا فقال لنا: «لو رجعتم إلى بلدكم فعلمتموهم..».
4- الحفاظ على الحق العام:
حيث بين النبي ﷺ أن الناس شركاء في أمور لا يجوز لأحد الاستئثار بها أو الاعتداء عليها، قال ﷺ: «الناس شركاء في ثلاثة في الكلا، والماء، والنار» (رواه أحمد وأبو داود)، وقال: «وإماطة الأذى عن الطريق صدقة»، وقال: «أعطوا الطريق حقه»، وقال: «اتقوا اللعانين، الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم».
5- التلاحم:
فالتلاحم والتماسك بين أفراد الوطن يجعلهم لبنة واحدة قوية، لا يستطيع أحد أن يكسرها، وهنالك يعجز الأعداء عن النيل من الوطن، وخاصة أنه قد أصبح واضحًا أن الأعداء يسعون سعيًا دؤوبا لتفريق أبناء الوطن الواحد بإثارة الطائفية والفرقة.
وإن نعجب فعجب أن نرى ذوي المصالح الشخصية الضيقة من أبناء الوطن يشعلون الفتنة، وهم الذين تربوا على أرض هذا الوطن، وأكلوا من خيراته، فيحرضون على قتل الناس، وقطع الطرق، وتدمير مؤسسات الوطن وإحراقها! ويدعون أنهم وطنيون هم وقطع الشطرنج القتلة الذين ينفذون مكرهم وخططهم!
6- أداء الواجبات بإخلاص وإتقان:
إن إخلاص الأفراد لله تعالى في خدمة الوطن من أهم أسباب نهضة الوطن، ومن الإخلاص أن نحافظ على مقدرات وطننا، وألا نسمح بإهدار المال العام، فنتصدى بقوة للعابثين واللصوص، ومقاومة ذلك والتصدي له، كما ينبغي لنا أن نتقن أعمالنا كل في مجاله، كي نرتقي بوطننا، يقول ﷺ: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه».
7- الإسهام في بناء الوطن
قد يتحقق ذلك بالمشاركة في تسديد ديون الوطن إن احتاج إلى ذلك، أو بالتبرع في أوجه الخير لأبناء ذلك الوطن، أو بإنشاء مشروعات تسهم في القضاء على البطالة وتنعش اقتصاد الوطن، وكذلك باجتهاد كل مواطن في حقل عمله، أيًا كان موقعه.
8- إحسان التعايش مع أهل الأديان الأخرى:
فهم شراء في الوطن، ولقد وضع رسول الله ﷺ وثيقة تاريخية تفخر بها البشرية عندما أسس الدولة في المدينة المنورة، تلك الوثيقة التي تحفظ السلام وحقوق الآخرين، كما أوصانا بالمعاهدين خيرًا، إذ يقول: «ألا من ظلم معاهدًا أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة».
9- الإحسان إلى الجار:
وحسبنا في ذلك تحذيره ﷺ من إيذاء الجار، وذلك في قوله: «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه».
10- صلة الأرحام:
فبالأرحام يطيب المقام، ويتحقق الأنس والوئام، وتحلو الأوقات، ويؤجر المؤمن، وبقطيعتهم يخسر خسرانًا مبينًا، لذلك جعل الله تعالى صلة الأرحام من أعظم القربات، وقطيعتهم قرينة الإفساد في الأرض، قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22)﴾ (محمد).
وللإمام أبي حنيفة يرحمه الله رأي فقهي وجيه، ذلك أنه يرى أن أهل المصر (القطر) الواحد إذا سافروا إلى قطر آخر غير قطرهم صاروا رحمًا بعضهم بعضًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل