; أحداث المغرب.. هل هي أيضا ثورة الخبز؟ | مجلة المجتمع

العنوان أحداث المغرب.. هل هي أيضا ثورة الخبز؟

الكاتب عبد الرحمن الناصر

تاريخ النشر الثلاثاء 31-يناير-1984

مشاهدات 73

نشر في العدد 656

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 31-يناير-1984

في عدد سابق تناولنا الأحداث التي جرت مؤخرًا في تونس، حيث شهدت المدن التونسية في حينها موجة من العنف والاضطراب أدت إلى مقتل العشرات وجرح المئات من أبناء الشعب التونسي، وذلك تحت عنوان «هل هي ثورة الخبز؟» في إشارة للأسباب المباشرة المعلنة في تونس للأحداث وهي ارتفاع أسعار المواد الغذائية والحبوب.

وبعد مرور ما يقرب من شهر واحد فقط على الأحداث الدامية في تونس تندلع في مدن المغرب اضطرابات دامية، كما أعلنت الحكومة المغربية احتجاجًا على رفع أسعار المواد الغذائية، لذلك كان لا بد من توجيه السؤال التقليدي: ماذا يجري في المغرب؟

لقد تفجرت الأحداث في الوقت الذي كانت فيه الحكومة المغربية مشغولة باستضافة القمة الإسلامية، وكان ذلك سببًا في عدم الإعلان الرسمي في المغرب عن الأحداث إلى أن اضطرت السلطات الرسمية لكشفه والإعلان عنه بعد أن تسربت أنباء هذه الحوادث الدامية إلى دول أوروبية بواسطة بعض الصحفيين الإسبان.

وكما وصفت حوادث مصر عام 1977م وحوادث تونس عام 1983 بأنها انتفاضات لصوص وقطاع طرق وعاطلين ومناوئين.. أعلن المتحدث هناك أن الأحداث من صنع العاطلين والمخربين والعملاء.. وانطلاقًا من هذا التماثل الكبير في أحداث الدولتين المغربيتين تونس والمغرب فإننا نطرح السؤال السابق: هل هي ثورة من أجل الخبز؟؟

وفي البداية نؤكد على إحدى الحقائق الثابتة التي تقول إن الأحداث التي تقع في أي مجتمع لا يمكن أن تنشأ من فراغ، بل لا بد من وجود عوامل ومؤثرات وأسباب.. تدفع بالحدث إلى الظهور، ومن هنا كان لا بد من وجود عوامل معينة دفعت الأحداث المغربية إلى واقعها الدموي الذي أفرز المئات من القتلى والجرحى، فما هي هذه العوامل؟

▪    الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية:

يعاني المغرب من ضائقة مالية منذ عدة سنوات وصلت هذا العام إلى قمتها، حيث بلغت ديون المغرب كما أُعلن (12) مليار دولار بعد أن كانت (6) مليارات في عام 1980، ونتيجة لضغوط البنك الدولي- الذي تسيطر عليه دوائر الاستخبارات الأمريكية بحيث يتم توجيه سياسة البنك وفق السياسات والمصالح الأمريكية- فقد أعلنت الحكومة المغربية من برنامجها التقشفي الذي تضمن زيادات في أسعار السلع الغذائية الأساسية كالزيت والسكر والدقيق.. مما أضاف أعباء جديدة على عاتق الأسرة المغربية المثقلة بأعباء سابقة تفوق دخلها. وكانت إحدى الصحف قد ذكرت أن الشعب المغربي يتكون من حوالي (6) ملايين أسرة منها (2.5) مليون أسرة يقل دخلها عن (120) دولارًا، وكان الجفاف المستمر منذ ثلاث سنوات وتكاليف الصراع على الصحراء المغربية مع ما يسمى بجبهة البوليساريو إضافة إلى أعباء أخرى كاستيراد النفط والحبوب.. قد زاد في عجز الميزانية المغربية.

ولكن مع تقديرنا للظروف السيئة التي يعاني منها الاقتصاد المغربي، إلا أنه لا بد من الإشارة إلى الآثار الاجتماعية السيئة التي نتجت عن سوء  التوزيع في الدخل القومي، حيث يلاحظ وجود تفاوت كبير جدًا في المستويات المعيشية ما بين الأسر المختلفة، فبينما ترى الأحياء التي تضم المساكن الراقية والقصور الضخمة المشادة على أحدث التصاميم المعمارية والفنادق والمقاهي والحانات والمراقص... إلخ.

وكل ما يشعرك بأنك في بلد أوروبي! يمكنك أن ترى في الوقت نفسه وعلى الجانب الآخر من المدن المغربية الرئيسية عشرات أو مئات الآلاف من المساكن الشعبية المبنية على شكل أكواخ من الصفيح، حيث أفراد الأسرة يعيشون في كوخ واحد وسط جو من القذارة والبؤس لا مثيل له وحيث الأطفال الحفاة العراة والمتسولون والعاطلون.. وهذا يعني أن هناك معاناة قاسية تعاني منها الطبقات الفقيرة.

ولعل أوضاع هؤلاء كانت أحد الأسباب الرئيسية في الأحداث.

▪    ثانيًا: الأوضاع السياسية:

منذ عهد الاستقلال والأوضاع السياسية في تأرجح مستمر ما بين مد وجزر، وإن كانت عملية الجزر هي الغالبة في معظم الأحيان ونعني بعملية المد والجزر الانفتاح السياسي نحو التيارات السياسية المختلفة أو الانكفاء نحو الالتزام بالسياسة المرسومة هناك.

ونتيجة لهذا التأرجح وعدم الالتزام بنهج معين للحكم، فقد كان المغرب يتعرض باستمرار لاضطرابات متعددة الأشكال والأهداف هددت وتهدد استقراره السياسي، ومع أن الممارسة الحزبية وجدت في المغرب حتى من قبل الحصول على الاستقلال إلا أن هذه الممارسات تعرضت بعد الاستقلال إلى هزات عنيفة كانت تعطل الانفتاح السياسي وتضع العوائق أمام تحقيق الشورى في الحياة السياسية.

وكانت الحكومة تنادي باستمرار بضرورة الممارسات الحضارية على كافة المستويات الاجتماعية والسياسية.. ولكن من خلال استعراض المسيرة المغربية نجد أن السياسة الحضارية المستوردة لم تكن لتتلاءم أصلًا مع طبيعة المجتمع المغربي واتجاهاته الإسلامية واستمرت حالة الجزر هذه إلى أن كان العام 75م، حيث أثيرت مشكلة الصحراء المغربية التي أنست الشعب المغربي سلبيات الحكم ودفعته باتجاه التضامن معه ومؤازرته في مطالبته بإعادة الصحراء للوطن الأم، وكانت هذه الأحداث سببًا مباشرًا للعودة إلى حالة الانفتاح السياسي فكانت الدعوة للانتخابات عام 1977م، ولكن هذه التجربة التي أنهت مدتها بعد ست سنوات وأعيدت من جديد في منتصف العام الماضي مع أهمية إفرازاتها الإيجابية المتمثلة برفع الحظر عن التنظيمات والهيئات السياسية والنقابية وتوسيع مجالات التعبير وحرية الرأي والاعتراف بحق المواطنين في المشاركة السياسية.. إلا أنها لم تستطع الوصول إلى القناعات الحقيقية المترسخة في قلوب الشعب المغربي من حيث أن الأحزاب التي كان لها حق ممارسة العمل السياسي لم تكن على مستوى طموحات الشعب المغربي وتطلعاته، ومع أن بعض قيادات هذه الأحزاب كانت تتعرض للاعتقال في بعض الأحيان عند تعرض البلاد للهزات والاضطرابات إلا أن اتجاهات معظم هذه الأحزاب لم تكن لتقوى على أي تغيير.

وكان تأرجح هذه الأحزاب بين تأييد النظام وبين معارضته عاملًا أساسيًا في سلبية الجماهير المغربية، حيث إن مصداقية الاتجاه السياسي لكثير من هذه الأحزاب لم يكن واضحًا، مما أدى إلى وجود فجوة بينها وبين أبناء الشعب المغربي، لذلك كانت الاضطرابات التي تحدث بين الحين والآخر أكبر دليل على ابتعاد كثير من هذه الأحزاب من الجماهير المغربية.

وقد ذهب أحد المعلقين السياسيين إلى حد القول في معرض تعليقه على الأحداث الأخيرة، إن الغالبية العظمى من الشعب المغربي تعيش في الأحياء الفقيرة والتي لا يلاحظ فيها أي وجود حقيقي للأحزاب، كما يلاحظ أنه مع وجود ما يقرب من خمسة عشر حزبًا في المغرب، إلا أن الانتخابات الأخيرة التي أجريت في منتصف عام 1983م فاز فيها المستقلون وهذا في حد ذاته يمثل ظاهرة مهمة وهي ابتعاد شريحة كبيرة من الشعب المغربي عن التيارات السياسية القائمة والتي تتراوح ما بين أقصى اليسار وأقصى اليمين.

ومن هنا فإن عدم تحقيق المشاركة الشعبية الحقيقية في الحكم أدى إلى وجود عزلة ما بين الشعب والطبقة السياسية أفرزت وتفرز قرارات لا تناسب طموحات الشعب المغربي وأمانيه، وهذا سيؤدي بالتالي إلى اختلال ما في الميزان السياسي القائم.

▪    ثالثًا- اضطهاد الإسلاميين:

يتميز الشعب المغربي بأصالته الإسلامية التي عاش من خلالها قرون عديدة، هذه الأصالة هي التي جمعت ووحدت كل الأشكال العرقية التي كانت سائدة في بلاد المغرب العربي، ومن هذا المنطلق الإسلامي كان دعاة الإسلام يشعرون بالمسؤولية في كل ربوع المغرب العربي من ليبيا إلى تونس إلى الجزائر إلى المغرب حتى قيض الله لهذه الدول الحصول على استقلالها، ولكن أشكال الحكم التي أعقبت الاستقلال في تلك البلدان لم تكن بحسب ما يتمناه الدعاة بل وصلت في بعض الأحيان إلى حد التضارب معها والسير في اتجاه معاكس لها تمامًا كما هو حاصل في ليبيا مثلًا، مما دفع بعض الشباب المسلم إلى تشكيل حركة إسلامية، وتوجد في المغرب حركة إسلامية تأمل أن يتم تحكيم الشريعة والالتزام بالخط الإسلامي المعبر عن التوجهات الحقيقية للشعب المغربي، وقد واجهت الحركة هناك كثيرًا من الصعوبات.

وكان اعتقال العالم عبد السلام ياسين المعروف بعطاءاته في حقل الدعوة الإسلامية حلقة في سلسلة الاعتقالات المستمرة للإسلاميين، ومن هنا فإن عزل الاتجاه الإسلامي عن المشاركة في رسم وتوجيه السياسة العامة للبلاد أدى إلى حدوث الانفصال ما بين النظام والغالبية العظمى من أبناء الشعب المغربي الملتزم بعقيدته الإسلامية.

وأخيرًا لا بد لنا أن نشير إلى التصريح الذي أدلى به وزير خارجية إسبانيا فرناندو موران، حین قال: «إن أكبر مشكلة لأوروبا هي شمال إفريقيا وظهور التشدد الإسلامي هناك، وإن ظهور التشدد الإسلامي في شمال إفريقيا سيكون حدثًا يقلب التوازن في منطقة مهمة بالنسبة إلى أوروبا».

فهل نفهم من هذا  التصريح سر اضطهاد الحركة الإسلامية في الشمال الإفريقي؟

ومن هنا لا بد من أن نشير إلى أن أحداث يناير 1984م لن تكون إلا جزءًا في سلسلة الاضطرابات ومظاهر عدم الاستقرار، بل إن كل الظواهر تشير إلى احتمال تجددها مرات ومرات ما لم يؤخذ بعين الاعتبار تحقيق المصالح والأهداف الحقيقية للشعب المغربي المتمثلة في إرساء قواعد الشورى الفعلية، وذلك بالسماح للاتجاه الإسلامي بممارسة حقه في العمل السياسي والمشاركة في توجيه السياسة العامة للبلاد بما يضمن للشعب المغربي حياة حرة كريمة تمكنه من تحقيقه الاستقرار الحقيقي الذي يساعد على دفع عجلة النمو والتقدم إلى الأمام.

 

الرابط المختصر :