العنوان أحرار ليبيا في مواجهة من يحاولون الالتفاف على الثورة
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر السبت 08-أكتوبر-2011
مشاهدات 57
نشر في العدد 1972
نشر في الصفحة 20
السبت 08-أكتوبر-2011
- بينما يتلكأ السماسرة الدوليون في رفع الأصول الليبية المجمدة.. تتزايد الخسائر التي بلغت ه مليارات فقط في المحفظة التي تخص أفريقيا
ليس سرًا القول: إن صراعًا طفح على السطح بين خلف النظام السابق، ممن لم يستطيعوا تغيير جلودهم رغم محاولتهم ذلك، وبين أحرار ليبيا الذين سفكت دماؤهم في عهد نظام «القذافي» المنهار ولا تزال دماؤهم تسفك على مذبح الحرية في ليبيا اليوم، بينما كان من يحاولون ركوب الثورة أعمدة نظام المخلوع في ليبيا، وكان بعضهم يساهم من خلال انخراطه في النظام في صنع مأساة الشعب الليبي، وقتل أحراره.
إن الإسلاميين في ليبيا يدركون - كما يبدو - ما يدور في بلادهم، ويتجلى ذلك فيما طالب به القيادي البارز وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين علي الصلابي رئيس المكتب التنفيذي بالمجلس الوطني الانتقالي الليبي، محمود جبريل إلى المبادرة بتقديم استقالته، نظرا لعدم وجود إجماع عليه في الشارع الليبي، وغالبية الليبيين يرفضونه ويرفضون من يدورون في فلكه»، محذرا من عودة الاستبداد والدكتاتورية في حال سمح الليبيون لجبريل ومن معه بأن يسرقوا ثورتهم بعد أن قدموا أكثر من ٥٠ ألف شهيد .. وقد كان الصلابي واضحا عندما سمى الملتفون بأسمائهم محمود جبريل، ومحمود شمام وعلي الترهوني، وناجي بركات الذين يسعون لتغييب الوطنيين والثوار الحقيقيين.
حياة القادة أمانة
لقد أثار مقتل العديد من الثوار الليبيين ومن بينهم عدد من القادة على مشارف بني الوليد الكثير من الأسئلة التي يجب على الثوار وأحرار ليبيا أخذها في الحسبان، وما إذا كانت هناك خطة لتصفية الثوار في الميدان ولا سيما القادة الميدانيين، ليسهل التعامل مع من تبقى منهم، وهي ممارسات تم تسجيلها في العديد من ساحات القتال في العالم لتمهيد الطريق أمام فاتح جديد» تتغير فيه الوجوه ولا تتغير في السياسات والممارسات والأدوار المرتبطة بالأجندات الخارجية.ولا شك بأن تفعيل فلول «كتائب القذافي» في هذه المرحلة المهمة من الانتصار على أحد أعتى الطغاة العرب في القرن العشرين والحادي والعشرين تزيد من الشكوك حول وجود دسائس تطبخ صباحا ومساءً، لا سيما وأن ما يزيد على 5 آلاف من المقاتلين الذين تم حشرهم في معركة «سرت» يفتقرون للعتاد العسكري، بشهادة بعض رؤوس المجلس الانتقالي؛ مما جعل «عائشة القذافي ابنة المخلوع تتبجح بأن والدها يتمتع بروح معنوية عالية ويقاتل مع مؤيديه ضد قوات الثوار التي أطاحت بنظامه».. ولم تنس التذكير بأن الذين انقلبوا على والدها بعد أن كانوا رموزا لنظامه يمكن أن ينقلبوا على الشعب، وهي كلمة حق من عيار «صدقك وهو كذوب».
كما تم تمكين فلول «كتائب القذافي» من ارتكاب العديد من الجرائم، ومن بينها اختطاف ۱۱ فردا من المجلس المحلي لمدينة «غدامس» وفي مقدمتهم رئيس المجلس ومجموعة من القادة العسكريين للمدينة، وهي ليست المرة الأولى التي تقوم فيها فلول هاربة من القيام بأعمال كهذه، لا يمكن من الناحية السياسية والعسكرية القيام بها بدون وجود تواطؤ من داخل المجلس الانتقالي.. لذلك يجب على أحرار ليبيا حفظ أرواح قادته لا سيما أولئك الذين يرجى قيامهم بدور سياسي بعد تطهير ليبيا من فلول «القذافي وتقديمهم للعدالة كقتلة أسرفوا في قتل شعبهم.
خطر القبلية
ورغم خطورة ما يجري ويُعد لليبيا، إلا أن أكبر تهديد هو سقوط ليبيا في التجاذبات القبلية، والتقاتل القبلي لا قدر الله - ولا شك بأن هناك أطرافا تعتقد بأنها لن تنجح في أي انتخابات ديمقراطية في ليبيا، ستتكئ على المعطى القبلي للحفاظ على حظوظها السياسية وأطماعها في السلطة.. وبدأنا من الآن نسمع عن تكتلات قبلية في «برقة» لمواجهة ما يوصف في بعض وسائل الإعلام بقبائل طرابلس وفزان وهو ما يحتم على الدعاة تدارك الأوضاع في ليبيا حتى لا تكون القبيلة بديلا عن الإسلام وحتى لا تكون العصبية بديلا عن التقوى (إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ) (الحجرات: ۱۳)، وحتى لا تكون الإقليمية بديلا عن الرجل المناسب في المكان المناسب، وهي الأمانة والكفاءة (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) (القصص: 26).
إن ما يخشى منه في ليبيا هو إقامة نظام لويجاركا كالذي أعيد في أفغانستان، ورشوة رؤساء القبائل كما كان يفعل «القذافي» وطريقته في شراء ذممهم وولائهم، وهذا السيناريو ليس من وحي الخيال، بل هو ورقة ستناقش في المؤتمر الذي سيعقد في شهر أكتوبر الجاري وعلى إثره قد يُقر نظام فيدرالي في ليبيا، يقسم البلاد إلى ثلاث مقاطعات هي فزان وطرابلس، وبرقة .. وهو نظام قد يفضي إلى تقسيم ليبيا لا قدر الله.
التضحيات والمساومات
تقسيم ليبيا وفق النظام الفيدرالي، يعني أن الكثير من المجرمين سيتترسون بقبائلهم للهروب من القصاص، وهو ما يعني توظيفهم مرة أخرى في المجال الذي كانوا يشغلونه سواء في الشرطة أو الجيش أو الاستخبارات وغير ذلك من المهن المرتبطة بهذه المهام التي شبعت قذارة في عهد المخلوع، وذلك يعني ضياع حقوق الضحايا ومنهم الذين رفعوا على أعواد المشانق في سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، والذين تم تصفيتهم في سجن أبو سليم» في ٢٩ يونيو ١٩٩٦م، والذين تم العثور على مكان دفنهم داخل مقبرة جماعية وعددهم ۱۲۷۰ ضحية تعرضوا للقتل خارج نطاق القانون، وكان المخلوع قد قام بنقل جثامينهم بواسطة جرافة كانت تقوم بعملية المقبرة الجماعية للضحايا ، بينما استعملت شاحنة في نقل الجثامين على دفعات، واستمرت العملية حتى منتصف الليل.
إن على الليبيين - كما قال الصلابي – ألا يسمحوا لأحد أن يتكالب على ثروتهم، أو يطمس هويتهم، أو يحاربهم في دينهم، مؤكدا وجود حرب منظمة من بعض أعضاء المكتب، ممن سبق ذكر أسمائهم، مضيفا إليهم عبد الرحمن شلجم، حيث ينظرون إلى ما يحدث في ليبيا على أنه صفقة العمر، ويسعون لسرقة ثروات الليبيين وثورة الشعب الليبي.
رفع العقوبات
وعلى الصعيد الدولي، لم تكن هناك حاجة للاكتفاء برفع العقوبات جزئيا عن ليبيا بعد سقوط نظام المخلوع في طرابلس، بينما تبقى الأصول المجمدة في حاجة إلى موافقة خاصة من لجنة العقوبات المفروضة على ليبيا التابعة لمجلس الأمن.. أو بتعبير آخر، ما كان ينبغي إبقاء العقوبات مفروضة على الأصول المجمدة، ورفع العقوبات الخاصة بالنفط؛ لأن الإجراء الأخير يخدم مصالح القوى المهيمنة على مجلس الأمن، ويحقق أطماعها في النفط الليبي، الذي بدأت الخلافات بين السماسرة الكبار عليه.
فقد ذكرت صحيفة وويل ستريت جورنال الأمريكية بتاريخ ٢ سبتمبر ۲۰۱۱م أن بوادر خلافات بدأت في الظهور بين الدول المشاركة في التدخل العسكري في ليبيا، وأن هناك انقسامات ومنافسات للوصول إلى النفط الليبي بين الدول التي شاركت في التدخل العسكري الأجنبي ضد العقيد «القذافي».. ونقلت الصحيفة عن وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه قوله : «إنه سيكون من المعقول فقط إذا ما استفادت الشركات الفرنسية من أفضلية الوصول إلى الصفقات النفطية الليبية لأن باريس إلى جانب بريطانيا تقودان الهجوم العسكري الأجنبي في ليبيا ... لكن الأغرب من ذلك هو كشفه أن أعضاء في المجلس الانتقالي الليبي دخلوا في تحالفات مع فرنسا، بصفقة النفط مقابل ضمان الكراسي .. في حين قال المجلس الانتقالي الليبي علانية: إنه سيمنح الأفضلية في عملية إعادة الإعمار لأولئك الذين قدموا له الدعم!!
واعتبرت الصحيفة الموقف الروسي الداعي لجعل الأمم المتحدة، وليس مجموعة صغيرة من الدول هي التي يجب أن تقود إعادة الإعمار في ليبيا يشير إلى مطامع روسية، لا سيما وأن ليبيا تتمتع بثالث أكبر احتياطيات النفط، وتنتج ليبيا ١.٦ مليون برميل يوميا إبان حكم المخلوع.
موقف السماسرة
وفي الوقت الذي يتلكأ فيه السماسرة الدوليون في رفع الأصول الليبية المجمدة، تكبر الخسائر الليبية في الداخل والخارج بعد كشف مسؤول بصندوق الثروة السيادية الليبية أن الصندوق اكتشف خسائر ضخمة محتملة في محفظته الأفريقية حجمها 5 مليارات دولار وتقدر الاستثمارات الليبية بـ ٦٥ مليار دولار.
ويعيش الشعب الليبي في أوضاع مزرية وبعضهم فقد مدخراته في ظروف الحياة خارج ليبيا وداخلها، حيث يعيش نحو مليون ليبي في تونس، وأعداد كبيرة في مصر ودول عربية وغيرها دون عمل، وينتظرون بفارغ الصبر نهاية المحنة في بلادهم ليعودوا للعيش في سلام في ربوع وطنهم، وعوض أن ينعم الشعب الليبي بثروته يحاول السماسرة في الداخل تثبيت كراسيهم بها، ويحاول السماسرة في الخارج سرقتها بمساعدة سماسرة الداخل... بيد أن الشعب الليبي وقواه الثورية لن تجعل من ليبيا مشاعا لسماسرة الداخل والخارج فالشعب الذي أنجب عمر المختار - يرحمه الله - وقاد ثورة ناجحة ضد أعتى الأنظمة المستبدة في العالم، وقدم حتى الآن ٥٠ ألف شهید؛ مستعد - كما يبدو - لتقديم المزيد من أجل حريته وهويته وثروته ومستقبل أجياله.