العنوان أحزاب لبنانية تسعى لموقع سياسي أفضل عبر المقاومة العسكرية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 08-سبتمبر-1998
مشاهدات 59
نشر في العدد 1316
نشر في الصفحة 33
الثلاثاء 08-سبتمبر-1998
مقاوم واحد يقتحم موقعًا حصينًا على تخوم الشريط المحتل في جنوب لبنان، فيتعارك بالسلاح الأبيض مع أحد المظليين الإسرائيليين، ثم ينسحب بسلام! الواقعة زلزلت الجيش الإسرائيلي، واضطرت رئيس أركانه إلى فتح تحقيق فوري مع وحدة المظليين التي كانت في الموقع وفشلت في إصابة المقاوم أو أسره، أو أنها بالأحرى لم تحاول بل أصيبت بالشلل الكامل عندما فوجئت به وقد أطل على الخنادق الحصينة وهو يصرخ «الله أكبر»، حتى إن ضابطًا صهيونيًّا كبيرًا لم يتمالك نفسه من القول: إن «من غير المقبول أن تتعرض وحدة مظليين لمباغتة كهذه، فمن الممكن أن ذلك كان سيؤدي إلى وقوع مأساة»، فيما وصف وزير الأمن الداخلي الصهيوني أفيغدور كهلاني الحادث بأنه: «يدعو للشعور بالعار»، أما عضو الكنيسيت الإسرائيلي يوسي بيلين فقد قال: إن قوات «العصابات في كل مكان تمكنت من إصابة الجيوش بالجنون، والجيش الإسرائيلي في مواجهته لحرب العصابات هذه لن يتمكن من تحقيق الفوز والانتصار، لذا ينبغي الانسحاب من لبنان بشكل منظم».
والمفارقة في الأمر، أن وسائل إعلام العدو هي التي كشفت الفضيحة، حيث ذكرت أن المظليين صدموا عندما شاهدوا فجأة مسلحًا في الخندق المحيط بالموقع وكان يحمل بندقية كلاشينكوف وقنبلتين يدويتين، ولأسباب غير معروفة قرر أحد الجنود الاشتباك بالسلاح الأبيض مع المسلح بدلًا من إطلاق النار عليه، وبينما كان الرجلان يقتتلان رأى جنود آخرون ما كان يحدث، فأطلقوا النار على المسلح، فترك المقاوم سلاحه وانسحب بشكل نظيف.
المقاوم اللبناني الشجاع وصف الحادث بقوله: «أنا لا أجيد اللغة العبرية، ولكن قرأت على وجه الجندي الصهيوني علامات الجبن والخوف، وأول ما فعلته أنني وجهت إليه لكمة كانت كفيلة بطرحه أرضًا، ثم سددت إلى وجهه لكمات أخرى، وإذا بي أسمع صخبًا ناتجًا عن وقع أقدام بعض جنود العدو، فنهضت عنه وغادرت الدشمة، وفتحوا عليّ النار بغزارة، لكني كنت على يقين بأنهم بخوفهم لن ينالوا مني، وهكذا غادرت الموقع بسرعة».
فما الذي دفع مقاومًا واحدًا لدخول موقع حصين؟ ولماذا لم تقتحمه مجموعة متكاملة كما هي العادة؟ ولماذا لم يطلق النار على الإسرائيلي واكتفى بلكمه؟ ولماذا تأخر الجنود الإسرائيليون في إطلاق النار على المقاوم؟
تلك الأسئلة جعلت الخبراء العسكريين يتكهنون بما حدث؛ فالجنود الإسرائيليون الذين يتحصنون في الخنادق لدى سماعهم أول طلقة نار ذهلوا وشل تفكيرهم لدى رؤيتهم المقاوم داخل الموقع، وهم لم يتحركوا بسرعة، لأنهم ظنوا أن «حزب الله» قد اقتحم الموقع، ولم يتوقعوا أن يكون المقاوم وحده من دون مساندة قريبة، ثم إن المقاوم لم يكن يريد اقتحام الموقع بل ربما كان في مهمة استطلاع، فتجاوز الحدود وأراد أسر أحد الجنود الإسرائيليين لمبادلته بالأسرى اللبنانيين والفلسطينيين، وهذا ما يفسر العراك بالسلاح الأبيض، فيبدو واضحًا أن المقاوم لم يكن يريد أصلًا قتل المظلي الإسرائيلي، وإلا لتمكن منه بسهولة نظرًا لعنصر المباغتة.
وقد كشفت المواجهات في جنوب لبنان أن العدو يعاني من نقاط ضعف قاتلة في سياسته العسكرية، ومن ذلك التفاصيل التي ظهرت بخصوص عملية «أنصارية» الفاشلة التي قتل فيها 12 إسرائيليًّا، فعلى الرغم من علم القيادة العسكرية الإسرائيلية بأن «حزب الله» كشف العملية، وأنه أوقف وسائل اتصالاته اللاسلكية للتمويه، فقد استمرت الغارة، مما أوقع العدو في كمين كلفه غاليًا.
وقد أشار الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في يونيو الماضي، إلى أن المعلومات التي يمتلكها حول المسألة يمكن أن تحدث ضجة كبرى، ولكنه امتنع عن ذكر شيء حرصًا على الأسرار العسكرية.
وعلى مستوى آخر، تحاول جهات لبنانية أخرى غير «حزب الله» تنفيذ عمليات ضد الاحتلال الإسرائيلي، خصوصًا ممن كان لها باع في هذا المجال، قبل فترة طويلة، كالحزب الشيوعي، وحركة أمل، والحزب السوري القومي الاجتماعي، وإن كانت هذه المحاولات تبقى في نطاقها الضيق، نظرًا لانحلال عرى تلك التنظيمات بعدما أصابها الوهن العقائدي والتنظيمي، لكن الاندفاع نحو المقاومة الميدانية، يطرح أسئلة عن الأسباب والدوافع بعد أن أنشأ حزب الله، عقب عملية «أنصارية» العام الماضي، تشكيلًا مسلحًا موازيًا لـ «المقاومة الإسلامية» يحمل اسم السرايا اللبنانية، ويستوعب العناصر من ذوي الانتماءات الأيديولوجية المختلفة، ومن غير الشيعة ويبدو أن الأحزاب السياسية العقائدية التي انخرطت طويلًا في الصراعات الداخلية، ووصل بعضها إلى مقاليد السلطة، تعاني من أزمة حادة على مستوى التنظيم والتطبيق، وربما تحاول صف صفوفها وشد الرباط بين عناصرها، عن طريق العودة إلى النضال المسلح، لعل هذا الانخراط يمنحها بعض الروح والثقل في الحياة السياسية وبخاصة أن «حزب الله» تضخم وزنه السياسي من خلال مقاومته المسلحة للاحتلال الإسرائيلي.