الثلاثاء 06-مايو-1975
السينما فن، وصناعة السينما فيه فن الكذب غالب والصدق في ثناياه والسينما تطورت خلال هذه الفترة التي ابتدعت فيها آلات جديدة واتسع نطاق هذا الفن ولم يعد كالأول ويعتمد على بعض الصور المتلاحقة السريعة.. أو النظرات التي لا تتعد حدوث المشهد وتصويره!
والكلام عن فن السينما.. أو صناعة السينما کلام طويل وحدیث مبسوط وقد أصبح للسينما تاریخ.. وتخصص فيها فنيون وظهر على شاشتها ممثلون ومهرجون!
وإذا قلنا فن السينما فإنما نعني به هذا النوع من التصوير الحي الذي ينقل لنا حالة مماثلة لما يدور في حياة الناس، يجسد فيها مشكلات المجتمع أو يطرح قضايا جديدة أو يتعمق في حوادث كان لها تأثير في نفسيات كثير من البشر أو يروي تاريخ حروب ومعارك، أو أنه يقدم لنا قصة حياة عظيم من العظماء لتكون في حياته للمشاهدين عبرة واستفادة ومن أمثال هذا كثير.
أما صناعة السينما فشيء يختلف عن هذا هنا تعددت ومن المسارب وتنوعت تعليلات القوم حول فإذا ما كتبت حول شيء مما عملوا ثاروا واتهموك بأنك جاهل في أمور لا تدركها وهي وقف عليهم وأنه مجال ليس لك أن تتكلم فيه أو تبدي رأيا يتمكنوا في غيبة الوضوح من ممارسة ضلالاتهم في الظلام وحتى يسمع الناس صوتا واحدًا ولا يبصرون بصيصًا من نور!
ولأدع الآن الحديث عن تاريخ السينما ولأبتعد عن السينما الأوربية والغربية عمومًا ولأنظر إلى واقعي الذي أحياه، أنظر إلى السينما في عالمي القريب.
السينما العربية:
وعندما أقول السينما العربية فإن الصورة تقفز إلى الأذهان مباشرة عند أي قارئ وربما يتوقف عن القراءة لأنه سمع ومل سماع مثل هذا الكلام فهل تتعدى السينما والأفلام العربية قصة رجل يعشق امرأة ثم يظل طوال الوقت يجري خلفها حتى يتمكن من الزواج بها أو ينتحر أو تنتحر الفتاه!
وأصبح الكلام نكتة حتى قالوا: السينما العربية قفزة هائلة إلى الأمام، البطل في البداية يتزوج ثم يطلق ثم تبدأ القصة العكسية!
هذا كلام مر عليه زمن وصناعة السينما لا تعدوه في عالمنا العربي..
وفى السنوات الماضية حشرت بعض الأفلام الهادفة في وسط هذا الغثاء، وأقول بعض الأفلام الهادفة مع التحفظ.. لأنها حتى وهي القصص المطلوبة إلا أن المخرج ذو مزاج لا تعجبه أحداث القصة فيضيف إليها أو يحذف مما يخل بالنص الأصلي وبذلك تنتفي الفائدة وربما يعمد إلى وقائع في القصة فيلغيها.. فإذا بالاسم فقط هو صاحب الصولة.. أما المضمون فقد ضاع وتلاشى. ولكم على ذلك مثلًا ما حدث في «الناصر صلاح الدين» أو «واإسلاماه».. وغيرهما.
كان هذا الحديث عن السينما في وقتها الذي لا تزال فيه محافظة وترجو الخير قبل أن تظهر رؤوس الاستغلال والتجارة الحقيقية.. التي لا تشبع إلا من دمار أخلاق الناس. ولذلك اتجهت السينما اتجاهًا آخر في الآونة الأخيرة.
سينما السباق:
إن محاولات الاستعمار قد نجحت في عالمنا الإسلامي وقد أثمر البذر الذي بذره وتعهده.. فلم يترك المجال خاليًا وإنما ترك خيرة من العلماء يفسدون ويتعهدون الفساد حتى شب عن الطوق في ظل قيادات كان يهمها أن يتردى الوضع وينهار لتتمكن من التسلط والبغي.. فآزرت هذا النشاط وأغدقت عليه حتى إنك لتعجب أن تكون الضرائب قد فرضت على كل شيء الفقير الذي لا يجد قوتًا ثم إنها تسقط عن الممثلين والممثلات وهي ترى أن ملابس ممثلة تبلغ تكاليفها ٤ آلاف جنيه!
وعاش أهل الفن.. حياة لا يعرفون ليلها من نهارها في ظل قيادات تسهل لهم طريق الحرام لأنهم العدة التي تنخر في فكر الشباب وتطفى على أعصاب المراهق فنضحتهم بالمال وبالأخبار التي تحمل أسماءهم إلى عوالم الشرق والغرب وحملتهم إلى المهرجانات العالمية لأنهم هم الصفوة الذين يمثلون الأمة ورقيها الفني!!
بئست الأمة التي يمثلها مثل هذا الفن الساقط الموغل في الانحلال!
وعندما ارتفعت الموجة وحاصر أهل الفكر المنحرف كل ثغور النور ورفعوا راياتهم غرق الناس في الفساد والناظر إلى السينمـا خلال هذه الفترة يجد أن ما تحلم به إسرائيل والقوى الصهيونية من تدمير الأخلاق في المجتمع الإسلامي كان حلمًا ضئيلًا إلى جانب ما حققه المبطلون في بلادهم ومن هنا كان المنزلق الخطير.
جندت النساء الساقطات تحت راية الفن وشعار السينما، والمرأة تعشق الشهرة، فانساقت خلف جيوش الباطل وطالبوها بالتعري فتعرت وانتقلت كل المخططات الإجرامية إلى الشاشة والملايين ترى وتسمع هذا الهراء حتى تكونت طبقة من الشباب أو طبقات تتعصب لفلان من الممثلين والممثلات وحفلت الجدران بالملصقات العارية ومن السهولة أن تدخل بيت رفیق لك جمعتك وإياه صحبة حتى تشاهد عجبًا وتعرف أن الأمر قد ازداد شراسة وفظاعة وأن الهدم قد قر قراره وأن المعول ينهش في العظام ويسري في الدم نارًا.
إن سعار اللحم والدم ظاهرة تقتل الناس والذين يجيدون تسعير الدم في جسد الإنسان هم أولئك الذين يقودون الأمة إلى مواطن الفشل والضعة والسقوط والسينما بدورها تقوم بهذا العبء الأكبر كأداة فعالة.. تجد من ينفق عليها بسخاء وترى الجيوب الملآنة تغدق على إنتاجها الرخيص بكل غال وثمين!
عندما انهارت السينما في الغرب ودخلت الطريق الخطرة بعد موجة الانحلال والتفسخ والعري، كان المجددون يسعون لنقل هذا التجديد في السينما العالمية إلى السينما العربية تحت شعارات كثيفة من السخف والبربرية.. وهو يرصد شباك التذاكر ويختار الأجساد التي تباع كل ليلة ليحقق الحرام الذي يعشقه ومن هنا شهرت ممثلات لعبن دورًا في هزائم الأمة السابقة وكن أركانًا في القضايا.. فلما تهاوي الكبار.. بقيت أسماؤهن تلمع في ظلام الليل وتبرق في النهار فالأوامر تعطى بأن يبقين ليمارس الآخرون فجورهم في حق الشعوب.. تحت ستار التغطية وتحت شيء اسمه «الفن».
إن الأسماء معروفة والحوادث معروفة.. والكشف عنها لن يجدي فتيلًا الآن وسوف تطرح يومًا في الساحة إذا ما غضب عليها ومن ثم تلعنها الجماهير وتسخط عليها.
وربما ينتصر لها من الناس فريق!!
إن مآسينا تزداد عمقًا، وجراحاتنا تتعمق ومن يريد الموت فإن يد الجراح لا تقصر عن أداء مهمتها فإما أن تبلع السم راضيًا وإما أن تتجرعه مرغمًا وفي كل يوم تجد عجبًا.. فلا تملك إلا الدعاء.. وإنه لأضعف الإيمان!
بعد ذلك ظهرت صرعة جديدة في السينما الغربية، ممارسة البغاء علنًا على الشاشة تنتقل حجرة النوم بكل ما فيها إلى المشاهد وهو الجالس على كرسيه بعد أن دقق في الإعلان وعرف القصة يعرف مسبقًا أن لا قصة بعد أن يدخل سوى أن يعرف أن السينما سوف تتحول كلها إلى «غرفة نوم».
كانت هذه الصرخة إعلانًا لأصحاب التجارة الخاسرة فسارعوا إلى طرح الإعلانات حول ما قد وطنوا أنفسهم على عمله ولكن كيف ينقلون إلى المجتمع الإسلامي هذه الصيحة الفاجرة وهم يعلمون سلفًا أن عاصفة سوف تهب في وجوههم فكان الخيط الرفيع سلسًا لبداية العمل فكان التفكير السلس انتقاء البداية المزعجة التي تجمل الصحافة الهابطة تنقل إلى بيوت الناس فنون الفجور الملون!
وكانت البداية التي يكسب منها كل طامع في الحرام محارب للفضيلة؛ فالصحيفة تمهد للموضوع وتنشر الصور الفاضحة ويكتب الأغيار يطالبون بوقف هذه المخازي فيضحك الفاجر ويفرك يديه طربًا.. ويجيء آخر فينشر ما لم ينشره غيره فيكتب المغلوبون على أمرهم فيضحك الناشر ويمد يديه إلى شاربه يفتله فرحا!
وسينما اليوم:
بعد أن أصبح «الفن السينمائي» تجارة رائجة وأصبح الجو مهيَّأً لدعاة الانحلال يمارسون فجورهم فيه بكل حرية ورعاية، ويحقنون المجتمع بسموم قاتلة.. تحول الممثلون والممثلات إلى أبطال تزف إليهم التحايا ويسيطرون على وسائل الإعلام.. تسأل عن أخبارهم الجماهير وتتهافت على كتابة مذكراتهم الصحف والمجلات وغدت المسألة ضياعًا تامًا فقد شغل الناس عن دنياهم وتركوا دينهم.. ليتعرفوا على الممثلة الفلانية التي ستحيي حفلًا خاصًا بعيد الاستقلال أو ليحصلوا على توقيع الممثل الفلاني الذي يشارك بمسرحيته أو فيلمه.. بعيد مبتدع لا تسمع عنه ألا عندهم.. لا أعرف اسمه.
أقول: بعد أن تحول المجتمع إلى موج من الصراخ وحملة التواقيع.. انتشى المخرجون والباحثون عن الحرام. فحاولوا نقل الحياة الغربية رويدًا رويدا إلى الحياة الإسلامية لتنهار بقية الأخلاق الباقية في حياء الشباب. وبدأت سيول الأفلام الخليعة تتدفق وصارت عقود العمل تتزايد أرقامها للممثلة التي تقبل الدور الذي لا يبقى على جسدها قطعة قماش اللهم إلا.
وتحولت حياة الممثلين والممثلات تملأ صفحات الجرائد ولتواكب هذه الصحف والجرائد في ملاحقة الأخبار كان لا بد من إصدار ملاحق تغطي أخبار «أهل الفن».
وبكل استهتار تتحول الساقطة إلى بطلة وامرأة عظيمة عندما تسأل عن موافقة زوجها في ظهورها على الشاشة في مثل هذه الأدوار فتجيب: أنه يفهم طبيعة عملي وهو فنان يعرف مكانة الفن وما تتطلبه الجماهير!
وينتقل السؤال إلى الممثل البطل عن رأيه في زوجته الممثلة فيطري جمالها وقدرتها على الأداء وأنها مبرزة في أدوار الإغراء والإثارة.. ويتكلم ويسهب كما يتكلم مغامر في حرب طويلة عن خوضه الأهوال وكيف نجا في النهاية من الموت المطارد!
أها لهذه الأمة التي ترى أبطالها في ثياب الساقطين!!
ومن خلال هذه السحب الداكنة بدأ الفساد يزداد تكوما ويرتفع دخانه حتى أعمى عيون المبصرين.. وزاد عدد دور السينما لتستقطب أكبر عدد من الرواد في حالة عرض أكبر عدد من الأفلام.. ومحور الفيلم وقصته تدور بكل سهولة حول امرأة ترقص.. أو امرأة راقصة تتكسب من حياتها وتعيش مع الأغنياء في بذخ وبيع جسد.. أو أن القصة تدور حول رجل يحب امرأة ثم تدور الدائرة عليها فتغادر حياتها التي كانت تحياها لتعيش حياة الانحدار والسفوح!
المهم في القضية أن يرصع الفيلم بأكبر قدر من صور التعري والإثارة والإغراء حتى يحقق التاجر غرضه ويتخم على حساب فساد الأخلاق والنفوس.
ازداد الأمر على هذا فبدأت الموجة تصمد تدريجيًا.. أو ما أنكروه على كيسنجر في سياسته «خطوة.. خطوة» فهم قد سبقوه في تنفيذ الخطة في المنحى الأول من مناحي الانحدار والارتكاس، فانتقلت الكاميرات لتبدأ تصوير فيلم تعلم فيه الممارسة الجنسية.. ولكن هذا النوع من الأفلام ليس للداخل وإنما للتصدير.. الممثل والممثلة من أبطال الشاشة العربية! رويدًا رويدًا يسربون الأخبار إلى الصحف والملاحق على أنها أخبار فنية.. فلا تجرؤ الرقابة أن تمسح هذا العرق الفاسد.. وإنما تساعد على نشره.
بعد أيام أو فترة عندما يهدأ غيظ الأغيار يطلب منتج من منتجي السينما بازدياد عدد صالات العرض حتى ولو بالإيجار ليمكن من عرض أفلامه التي أنتجها قبل أن تفسد داخل العلب!
ويبكون في محاضرات وندوات يطوفون بها البلاد لأن حظ «صناعة السينما» قليل.. والدولة لا تشجع الفنون.. ويتطوع آخرون فيقولون «إن السينما العربية تعيش أزمة نصوص» وكل يغني على حظه..
ولكنها الخدع التي تدر عواطف الناس فينتصرون لهم دون علم وتسارع الأقلام للكتابة والنقد للجهات المختصة وكل على علم بالأحداث، وما هذه الندوات والمحاضرات إلا إشعار منها.. لتحسس عواطف الناس!
ليست العملية قائمة على «أزمة النصوص» أو «تقصير الجهات» دافعا، وإنما هو كذب وبهتان وزور، وما «أزمة النصوص» إلا بدعة يتمارى فيها المنحرف فكريًا والساقط أخلاقيًا والمستفيد سياسيًا!
إن كل ما يدور الآن تمهيد لنقل السينما الغربية بكل دعارتها إلـى شاشات السينما العربية.. إلـى نقل كل صور الإفساد والانحلال إلى عقول المراهقين من أبنائنا، والتسامح في هذا الجانب حرب على الله ليشنها كل قادر على المنع ويسكت؛ لأن السكوت هنا سكوت القانع بالرذيلة!
إن هذا الذي يحدث الآن ما هو إلا تهيئة للجو عندنا في الكويت لطرح كل ما توصل إليه الغرب «فن الضياع».. وما هذا إلا تعبير عن فراغ الحضارة الغربية وزيفها الذي تكشف للعميان قبل المبصرين؛ فهل يدرك المبصرون ما يراد بهم؟
إن الواقع ينطق أكثر مما ينطق القلم، وإنه ليعطيك الفهم الصحيح أكثر مما ينقله إليك هذا الكلام. وإليك كلمة في الختام وجهتها مسلمة قبل أكثر من عشرين عاما، عندما سألت عن الممثلين والممثلات، قالت «لو تمسك الممثلون والممثلات بما يبرزونه للجمهور من الفضائل لكانوا له خير وأعظم معلم، ولكن الأمر على عكس ذلك؛ فالممثلون يلعنون الرذائل على خشبة المسرح فإذا ما تواروا عنها انغمسوا فيما لعلنوا.. لذلك تجدني لا أؤمن بالتمثيل المسرحي والتمثيل السينمائي عندي كأداة للتثقيف والتهذيب. وهذا يرجع إلى أن الفضيلة لا توجد إلا عند أهلها والمتمسك بها».
أبو تميم
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل