; أحمد سيف الإسلام حسن البنا: الشيوعيون في ديارنا ينهون منطق العملاء | مجلة المجتمع

العنوان أحمد سيف الإسلام حسن البنا: الشيوعيون في ديارنا ينهون منطق العملاء

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 22-ديسمبر-1987

مشاهدات 89

نشر في العدد 848

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 22-ديسمبر-1987

منذ أن دفعت الجماهير في مصر بعض رجالات الإخوان المسلمين لينفذوا إلى البرلمان المصري ومنذ أن بدأت قاعة مجلس الشعب بالقاهرة تشهد حوارات بعضًا ممن غيبوا وراء أسوار السجون لسنوات طويلة منذ ذلك الحين والجدل لا ينقطع عن هذه التجربة المثمرة.

ومن ثَمَ فقد انتهزنا فرصة لقاء أحد هؤلاء الرجال لنجري هذا الحوار:

المجتمع: في الذكرى الستين لإنشاء جماعة الإخوان المسلمين هل لنا أن نسأل إلى أي مدى حققت هذه الدعوة الأهداف التي قامت من أجلها.. وإلى أي مدى استطاعت أن تتفاعل وأن تؤثر في الناس؟

البنَّا: هناك ناحيتان: الناحية الفكرية والناحية التنفيذية، بالنسبة للناحية الأولى فإن أفكارنا هي التي سادت وحققنا بفضل الله انتشارًا كاملًا للفكرة الأساسية التي حملتها الجماعة وهي العودة إلى الشريعة الإسلامية وإلى النظام الإسلامي وأصبح مطلبًا شعبيًا وجماهيريًا وأصبح الجميع يؤمن بالفكرة التي قمنا من أجلها وهي أن الإسلام نظام شامل صالح لجميع الأزمنة والأمكنة.

 أما من الناحية العملية: أي إلى أي مدى استطعنا أن نحول هذه الفكرة إلى واقع عملي فالجميع يعلم ضراوة الظروف المعاصرة التي نعيشها.. والضغوط الرهيبة التي تمارسها القوى الكبرى على الدول الإسلامية.. إلا أننا الآن بدأنا مرحلة جديدة في مصر وهي المتمثلة في وصولنا إلى الأدوات التنفيذية في الدولة لتنادي بالتطبيق الكامل لأفكارنا ومبادئنا.

المجتمع: ولكن إلى أي مدى تغلغلت هذه الدعوة في صفوف الناس؟

البنا: أولًا أظهر الاستفتاء الذي أجراه السادات منذ أكثر من عشر سنوات تشبِّع الناس بهذه الفكرة.. والذي أدَّى إلى تعديل الدستور لتصبح الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع.. هذه النصوص لم تعدلها السلطات في مصر طواعية أو منحة منها للشعب المصري.. وإنما جاءت تحت إلحاح وضغط شعبِي شديد جدًّا شعرت به الحكومة ولم تشأ أن تصطدم بهذه الرغبة الشعبية.

إن ٨٠ أو ٩٠٪ من شعبنا أصبح يؤمن بوجوب تطبيق الشريعة الإسلامية وليس هناك فئة رافضة إلا قلة قليلة وهم إما من المنتفعين بهذه القوانين السائدة أو من الفئات المنحرفة أو من اليساريين.

 المجتمع: هل تضم بذلك اليساريين إلى الفئات المنحرفة؟

البنا: لا.. أنا أضمهم إلى الفئات الرافضة لتطبيق الشريعة الإسلامية سواء كان هذا الفكر منحرفًا أو غير منحرف فهذا أمر آخر.. وعلى كلٍّ فإن الانتخابات الأخيرة أثبتت فشلهم الذريع.

المجتمع: نعود إلى تجربة الستين عامًا فنسأل: كيف لم ينجح الإخوان بعد هذا العمر الطويل من هذه الدعوة الشامخة في استقطاب العناصر الإسلامية من الانتماءات الأخرى؟

البنا: حركة الإخوان المسلمين في مصر هي الحركة الإسلامية الأم.. وهي المظلة الفكرية الوحيدة التي تجمع كل الاتجاهات الإسلامية.. التيارات الأخرى ضعيفة فكرًا وعملًا.. من الناحية الفكرية فلن يزيد أحد عن الآراء التي أبداها الإمام الشهيد حسن البنا.. لأمر بسيط وهو أن كتاباته والحمد لله مازالت منضبطة انضباطًا كاملًا على الاتجاه الإسلامي الصحيح وكلما بحث باحث في الإسلام وجد نفسه يردد ما قاله الإمام الشهيد، فمن هنا نقول إن المظلة الفكرية للإخوان المسلمين هي أقوى هذه المظلات وهذه هي ديناميكية حركة الإخوان المسلمين؛ لأنها مثل البوصلة تمامًا لها حركتها، فإن المؤشر يتجه إلى الاتجاه الإسلامي الصحيح.. والحركة تزود دائمًا ذاتيًّا من كل الباحثين ودونما دعوة لأنهم يجدون أنفسهم يصبُّون في تيار الإخوان المسلمين لأنه التيار الصحيح.. من ناحية الممارسة أو طريقة الدعوة قد نختلف.. وقد يلجأ بعض الشباب أو بعض الجماعات إلى أساليب معينة.. هذه الأفكار لا تقرُّها الجماعة.. ليس عجزًا ولا هربًا من مسؤولية الجهاد وهي التي تدعو إلى إعداد الشعب إعدادًا حقيقيًّا للجهاد.. وإنما لأن هناك سبيلًا أجدى وأنفع للإسلام من هذا السبيل.

وأيام الشهيد لجأ بعض الشباب إلى العنف وانفصلوا عن الإخوان بدعوى أنهم كانوا يريدون أن يرتكبوا بعض الحوادث فنهاهم الإمام عن ذلك، وقال إن هذا ليس أسلوبنا.. وإن الوقت لم يحِن بعدُ لمثل هذه التصرفات.. ولأنهم كانوا متعجلين فقد انفصلوا عن الإخوان.

كذلك لجأ حزب مصر بقيادة أحمد حسين في فترة إلى تحطيم الحانات والخمارات.. وكان هذا في عام ٣٩ تقريبًا وقد كتب الإمام إننا نتضامن مع حزب مصر لكننا لا نُرجح هذا الأسلوب في الدعوة إلى الإسلام.. ولأن هناك أسلوبًا أجدى وهو أن نحارب من يعطِي الرُّخَصَ لهذه الخمارات والبحث عن المصدر والأصل.

إلا أن ذلك لا ينفي أن ندعو كل مسلم إلى أن يجاهد في سبيل الله وأن نربي في الشباب ناحية القوة العسكرية، والروح الجهادية حتى إذا حان الوقت للدفاع عن الإسلام يكون مستعدًا.

المجتمع: يتردد بين الحين والآخر أنه في حالة عدم اعتراف الحكومة المصرية بجماعة الإخوان فإن الحركة سوف تسعى إلى تكوين حزب خاص بها.. ألا ترى أن في ذلك خروجًا عن مبدأ الإمام الذي نَفَى فيه صفة الحزبية عن الجماعة؟

البنا: العبرة بالمضمون وليس بالشكل.. وبالجوهر وليس بالمظهر.. الأحزاب التي قصدها الإمام في كتاباته غير ما ننادي به الآن.. الأحزاب السابقة نشأت في أحضان الاستعمار وقاتلت من أجله وأفسدت الحياة السياسية في مصر وكانت تسعى فقط إلى الوصول إلى الحكم.. هذه الأحزاب نحن نرفضها تمامًا.. أما إذا كان الحزب هو سبيل مشروع لإيصال وعي قوي ومشروع لفئة من الناس ليست منحرفة وليس فيها فساد الأحزاب السابقة فلا بأس بها.. ولقد عارضنا الأحزاب من قبل ليس كفكرة الأحزاب وإنما لمضمون الأحزاب السابقة وجوهرها.

مثال ذلك: كأس قد يُملأ خمر وقد يُملأ ماء.. فحينما يكون مملوءًا بخمر فنقول هذا حرام، وحين تملأه بماء زلال نقول هذا حلال .. فلا تقول إنك حرمت الكأس في الماضي فلماذا تبيحه الآن؟

وحتى لو كان في هذا مخالفة -وهذا أسوأ الفروض- فالقاعدة الشرعية تقول الأخذ بأخف الضررين، وأخف الضررين أن تكون حزبًا أفضل من السكوت والصمت تمامًا.

المجتمع: ما رأيكم وما موقفكم من حق تكوين الأحزاب لجميع الاتجاهات والانتماءات ومن ضمنها الشيوعيون؟

البنا: لها هذا الحق.. والإسلام لا يجبر الإنسان على الالتزام بعقيدة ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ )البقرة:٢٥٦).

ولكن الأمر الغريب أن نمنح حق تكوين الأحزاب لجميع الاتجاهات وتحرم الاتجاه الإسلامي من هذا الحق.. وهذا هو الوضع القائم الآن.. اليساريون في مصر لهم حزبهم المعلن.. في حين أن الإسلاميين ليس لهم هذا الحق.

 وأنا أرى شخصيًا أنه في ظل مجتمع إسلامي من حق كل الناس أن تعلن آراءها ومعتقداتها، ولكن أضيف أن الخطر من الشيوعيين ليس أنهم أصحاب رأي، وإنما لأن ولاءهم دائمًا للمعسكر الشرقي.. والقضية: هل هؤلاء الشيوعيون هم أصحاب رأي أم عملاء؟ ونحن نقول للأولى نعم.. ولكن التاريخ للأسف يقول إن الشيوعيين إذا وصلوا إلى السلطة فإن القوات الروسية تصل في اليوم التالي لسحق الشعوب وإجبارها على الالتزام بالشيوعية كما حدث في أفغانستان.. وهذا ليس منطق الأحرار الذين يريدون أن ينشروا أفكارهم وآراءهم ويحرصوا على استقلال أوطانهم وإنما هو منطق العملاء.

المجتمع: ولكن تهمة «العمالة» تعودنا أن نسمعها من السلطات الحاكمة توجهها إلى كل المناوئين والمعارضين لها.

البنا: نعم.. ولكن هذا الموقف واضح وجلي كالشمس.. خذ مثلًا مواقف حزب التجمع اليساري عندنا في مصر من قضية أفغانستان.. لا كلمة واحدة من الذين يطالبون بالحرية ومحو الإمبريالية وما تفعله أميركا.. لا يتكلمون كلمة واحدة عما تفعله روسيا في أفغانستان إطلاقًا.. لمصلحة من هذا الصمت؟! وعلى العكس فإنهم يدافعون عن روسيا في غزوها لأفغانستان!

المجتمع: مازال الجدل يدور حول قراركم بدخول مجلس الشعب المصري.. ويرى البعض أن مجرد مشاركتكم في إحدى أنظمة السُّلطة حتى ولو كان من مقعد المعارضة فيه مهادنة واعتراف بالنظام الحاكم.

البنا: هذه مبالغة.. الله سبحانه وتعالى أمر رسوله أن يذهب إلى الكعبة وأن يهتف بالإسلام وسط هذا المجتمع الكافر.. ونحن نقتدي برسولنا عليه الصلاة والسلام.

ونحن عندما أقسمنا على احترام الدستور القائم في مصر قلنا في غير معصية.. فضحك باقي النواب على هذا التعليق ولكننا صممنا على هذا القسم..

وبعدها للأسف وعندما كان وزير الداخلية يعلق على بعض النقاط قال هازئا: «في غير معصية». إننا دخلنا مجلس الشعب لنأمر فيه بالمعروف ولننهى فيه عن المنكر ولنبلغ دعوتنا إلى الحكام وهم أولى الناس بهذا التبليغ.. حيث في الأثر لو كان لي دعوة واحدة لدعوتها للسلطان لأن بصلاحه يصلح الناس.

المجتمع: ألا ترون أن في دخولكم في هذا التحالف مع الأحزاب.. إنما يدخلكم في مسارات العمل الحزبي ومهاتراته وأساليبه التي قد تختلف مع مبادئكم؟

البنا: أولًا: ما حدث هو أن المعارضة اجتمعت في 5 فبراير بجميع فصائلها وانتماءاتها ووقفت وقفة تاريخية على أمل أن تخوض الانتخابات مجتمعة على أساس أنها بذلك تشكل قوة جذب شديدة ضد الحكومة.. لكن «الوفد» لأسباب لا داعي لذكرها الآن رفض هذه الفكرة.. وأعلن حزب التجمع بعدها أنه سوف يخوض الانتخابات منفردًا.. فبقي حزب العمل وحزب الأحرار.. اللذان كانا حريصين على دوام الاتصال بنا.. حتى وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه.. وبالتالي فنحن لم نسعَ بداية لهذا التحالف.. وهذا أمر هام جدًّا.

إلا أننا نشكر حزب العمل وحزب الأحرار اللذين أتاحا لنا هذه الفرصة.. وأعود فأقول إننا بعيدون كل البعد عن مهاترات العمل الحِزبي.. ونحن نمارس حقوقنا السياسية بأسلوب إسلامي وفي إطار الأحكام الشرعية والالتزام بالحق أينما كان.. ولقد كان لنا مواقف جيدة في هذا الأمر.. على سبيل المثال نحن أيدنا وزير البترول عندما عقد اتفاقية مع إحدى الشركات للبحث عن الفوسفات في مصر وأعطى لها هذا الحق.. ولقد نصَّت الاتفاقية على أنه إذا حدث خلاف فيكون الحكم النص العربي.. وأن تكون المحاكم المصرية هي الفاصلة.. وعندما وجدنا هذا الحرص من وزير البترول على احترام السيادة المصرية والمحاكم المصرية أيدنا هذه الاتفاقية خاصة وأنها لا تُلقِي أي أعباء على مصر.. في الوقت الذي عارضه فيه بعض أعضاء الحزب الوطني نفسه بزعم أنها شركة صغيرة، رغم أن الوزير أعلن أن هذه الشركة لها سمعة طيبة في هذا المجال.. وما كان هذا منَّا إلا أن حرصنا على أن ندور مع الحق حيث دار.

المجتمع: «الإسلام هو الحل» كان هذا هو الشعار الذي رفعتموه وأنتم تخوضون انتخابات مجلس الشعب الأخيرة، لكن البعض يرى أن هذا الشعار عام غير محدد فهل تمتلكون برنامجا محدد الخطوات لإصلاح الأوضاع في مصر حسب توجهاتكم الإسلامية؟

البنا: نحن على مدى خمسين عامًا قدمنا حلولًا موضوعية عملية تفصيلية لكافة الحكومات والتي توالت على مصر.. مكتوبة.. وبعضها كتبها الإمام بنفسه في التعليم.. وفي الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي وفي كافة النواحي.. وعندما ناقشنا بيان الحكومة قدمنا بعض الحلول الموضوعية.. وعلى سبيل المثال طالبنا ببيع جزء من القطاع العام وتدريجيا وتمليكه للعمال.. لكن الصحافة لم توضح هذا المفهوم وأعلنت أنها دعوة لبيع القطاع العام.. آنذاك طرحنا في مجال الإسكان فكرة إنشاء هيئة للاستبدال العقاري تقوم باستبدال المساكن والعمارات الآيلة للسقوط والتي يعجز أصحابها عن إقامة عمارات جديدة.. بعمارات حديثة ويملك صاحب الأرض جزءًا منها.. وذلك بدلًا من الاهتمام فقط بالإسكان الفاخر.

كذلك في مجال دعم القوات المسلحة طالبنا بضرورة توافر إستراتيجية مشتركة بين وزارات الحربية والتعليم العالي والتربية والتعليم والشباب لتغيير مناهج التعليم.. بحيث تشتمل على النظريات الأساسية التي يقوم عليها استخدام الأجهزة الحديثة حتى يكون الطالب مستعدًا علميًّا لاستيعاب هذه النظريات.. بالإضافة إلى الاهتمام بالرياضة.. وإعادة المخيمات الكشفية.. ولقد شكرنا وزير التربية والتعليم لهذه الأفكار.

وتشهد مضابط مجلس الشعب على العديد من المشروعات والأفكار والدراسات التي طرحناها.

المجتمع: وأخيرًا.. ما رأيكم في الأحداث الأخيرة والمتعلقة بمحاولات الاغتيال؟

البنا: هذه الأحداث إما أن تكون من الخارج حيث تعمد بعض الجهات الأجنبية إلى تصفية حساباتها على أرضنا سواء أجنبية أو عربية، وإما أن تكون من الداخل، وقد طلبنا خلال شهر رمضان عقد مجلس الشعب للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين.. وقلنا لوزير الداخلية إن أهم الأسباب التي تؤدي إلى العنف إنما لجوء الشرطة وأجهزة الأمن إلى التعذيب، وإن أساليب العنف هذه ما هي إلا ردُّ فعل للتعذيب الذي يمارَس مع بعض المعتقلين.. وإننا سوف نظل في هذه الدائرة إلا إذا قامت الدولة بمحاسبة القائمين بهذا التعذيب وأعلنت توقفها عن هذا الأسلوب.

أحمد سيف الإسلام حسن البنا

هو ابن الإمام الشهيد حسن البنا مؤسس دعوة الإخوان المسلمين من مواليد عام ١٩٣٤ حاصل على مؤهل ليسانس حقوق القاهرة عام ٥٦ وليسانس دار العلوم عام ٥٧ يعمل بالمحاماة وكان أحد القلائل الذين احتجُّوا على إعدام الشهيد عبدالقادر عوده قبل تنفيذ الحكم، فقامت مباحث أمن الدولة بتفتيش منزله وتهديده، وفي عام ٦٩ لفقت له قضية حكم عليه فيها بعشر سنوات أشغال شاقة قضى منها وراء أسوار السجون خمس سنوات.. أفرج عنه بعدها ليواصل الدرب الذي اختاره.

الرابط المختصر :